الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيما يلي مناقشة التأويل والتفويض في صفات الله وبيان بطلانهما:
أولًا: التأويل:
التأويل لغة: مأخوذ من الأوْل، يقال: آل يؤول إذا رجع وعاد، وأوَّل الكلام إذا فسره.
وهو يدل على معان كثيرة ترجع إلى معنيين رئيسين:
أحدهما: العاقبة، والمرجع، والمصير.
والثاني: التفسير، والتدبر، والبيان
(1)
.
وأما في الاصطلاخ: فالسلف يطلقون لفظ التأويل ويريدون به أحد المعنيين السابقين في اللغة العربية، وهما: العاقبة، والتفسير
(2)
.
وأما المتأخرون فقد ابتدعوا للتأويل معنى لم يكن معروفًا عند السلف، وقالوا: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح
(3)
.
والتأويل بهذا المعنى له ثلاث حالات:
1 -
أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا تأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه.
2 -
أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده الصارف دليلًا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل، فهذا تأويل فاسد.
3 -
أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لا لدليل، فهذا لا يسمى
(1)
انظر: تهذيب اللغة (1/ 232 - 233)، الصحاح (14/ 627 - 1628)، معجم مقاييس اللغة (ص 99 - 100)، لسان العرب (11/ 32، 33)، القاموس المحيط (ص 1244).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (13/ 288 - 289)(4/ 64 - 69)، بيان تلبيس الجهمية (2/ 234)، نقض المنطق (ص 57 - 58)، درء التعارض (1/ 14، 206)(5/ 234)، الصواعق المرسلة (1/ 177 - 178)(3/ 922 - 923)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (1/ 253 - 254)، أضواء البيان (1/ 29).
(3)
انظر: الحدود في الأصول لابن فورك (ص 146)، الحدود للباجي (ص 48)، التعريفات للجرجاني (ص 28)، البرهان للجويني (1/ 511)، المستصفى للغزالى (1/ 387)، الإحكام للآمدي (3/ 52 - 53).
تأويلًا في الاصطلاح بل هو تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
(1)
.
والقول بالتأويل في نصوص الصفات -بمعنى: صرف اللفظ عن ظاهره من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح- باطل؛ إذ هو لا يخرج عن كونه تأويلًا فاسدًا أو لعبًا ظاهرًا، وبيان ذلك من وجوه:
1 -
أن التأويل بهذا المعنى اصطلاح حادث متأخر بعد عصر السلف، فلم يكن يعرف عند الصحابة والتابعين التأويل بهذا الاصطلاح
(2)
.
2 -
أن التأويل بهذا المعنى مبني على أساس فاسد، وهو أن ظاهر النصوص باطل لا يليق بالله، وهذا جناية على النصوص حيث جعلوها دالَّة على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له
(3)
.
3 -
أن المتأوِّلين للصفات قد عجزوا عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ، فكل ما يدعون أنه لا يسوغ فيه التأويل هو من جنس ما أوَّلوه، وكذا العكس، بل ربما زعم أحدهم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله
(4)
.
4 -
أن المتأوّلين يلزمهم في تأويلاتهم التي أثبتوها نظير ما فروا منه في الألفاظ التي أوَّلوها
(5)
.
5 -
أن المتأوِّلين ليسوا جازمين بالمعنى الذي عينوه، وصرفوا اللفظ إليه، فيكون تأويلهم من القول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: 33]
(6)
.
(1)
انظر: أضواء البيان (1/ 330)، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي أيضًا (ص 33 - 34).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (16/ 408)، درء التعارض (5/ 235، 382)، شرح العقيدة الطحاوية (1/ 255 - 256).
(3)
انظر: التدمرية (ص 69)، أضواء البيان (2/ 219 - 320).
(4)
انظر: الحموية (ص 276 - 277)، الصواعق المرسلة (1/ 228 - 230).
(5)
انظر: الصواعق المرسلة (1/ 234).
(6)
انظر: درء التعارض (1/ 12).
6 -
أنه يلزم من التأويل محاذير عظيمة، منها:
أ- أن لا يكون الكتاب والسنة هدى للناس ولا بيانًا ولا شفاء لِمَا في الصدور ولا نورًا، ولا مردًا عند التنازع، بل كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين
(1)
.
ب- أن يكون الله تعالى قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك؛ ومعلوم أن هذا فيه عذاب عظيم للعقول، وفساد كبير في القلوب
(2)
.
جـ- أن من زعم أن نصوص الصفات تقتضي التمثيل وأن المراد بها غير ظاهرها يلزمه أحد ثلاثة محاذير لا بد منها أو من بعضها، وهي: القدح في علم المتكلم بها، أو في بيانه، أو في نصحه، وكلها موجبة للكفر مخرجة من الملة
(3)
.
د- أن من أول ظواهر نصوص الصفات وزعم أن الحق في تأويله يلزمه استجهال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أو الطعن فيهم بكتمان الحق، وكلاهما يجمع بين الظلم والضلال
(4)
.
هـ- أن القائلين بالتأويل في نصوص الصفات يلزمهم فتح باب التأويل في غيرها كنصوص المعاد والجنة والنار، وقبول تأويل من أوّلها؛ إذ الموجب لتأويلها وصرفها عن ظاهرها واحد، وهو الزعم بإحالة العقل لظاهرها، وحينئذٍ يفتح الباب على مصراعيه لكل مدع أن يدعي فيما شاء من نصوص الكتاب والسنة إحالة العقل لظاهرها ووجوب تأويلها
(5)
.
وبما سبق يتضح بطلان التأويل في نصوص الصفات، وأن الحق فيها
(1)
انظر: الحموية (ص 235).
(2)
انظر: الصواعق المرسلة (1/ 314).
(3)
انظر: المصدر السابق (1/ 324 - 326).
(4)
انظر: الحموية (ص 206)، الصواعق المرسلة (1/ 315).
(5)
انظر: الصواعق المرسلة (1/ 348 - 349).
هو ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من إجرائها على ظواهرها اللائقة بالله تعالى، وترك التأويل فيها، وممن حكى إجماعهم على ذلك: محمد بن الحسن
(1)
(2)
-صاحب أبي حنيفة- والحافظ ابن خزيمة
(3)
(4)
، والحافظ ابن عبد البر
(5)
، والقاضي أبو يعلى
(6)
(7)
، والإمام ابن قدامة
(8)
، وشيخ الإسلام ابن تيمية
(9)
، وغيرهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها (أي: تفسيرها) وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأوّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأوّلين ما لا يحصيه إلا الله
…
"
(10)
.
(1)
هو محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله، الشيباني، الكوفي، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، من مؤلفاته: السير الكبير، توفي سنة 189 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (9/ 134)، شذرات الذهب (1/ 321).
(2)
انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (3/ 432)، ذم التأويل لابن قدامة (ص 14).
(3)
هو محمد بن إسحاق بن إسحاق، أبو بكر، السلمي النيسابوري الشافعي، المشهور بابن خزيمة من أئمة السلف وعلمائهم، من مؤلفاته: التوحيد، والصحيح وغيرهما، توفي سنة 311 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 365)، شذرات الذهب (2/ 262).
(4)
انظر: ذم التأويل لابن قدامة (ص 18)، ولم أجد كلامه في كتبه.
(5)
انظر: التمهيد (7/ 145)، جامع بيان العلم (2/ 118).
(6)
هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابن الفراء المشهور بالقاضي أبي يعلى، من مؤلفاته: الإلمان، إبطال التأويلات، المعتمد وغيرها، توفي سنة 458 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 89 - 91)، شذرات الذهب (3/ 306).
(7)
انظر: إبطال التأويلات (1/ 71).
(8)
انظر: تحريم النظر في كتب أهل الكلام له (ص 10 - 11).
(9)
انظر: مجموع الفتاوى (6/ 394).
(10)
مجموع الفتاوى (6/ 394).