الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما أنه يتضمن اعتقاد أن تلك النجوم فاعلة ومؤثرة بنفسها، وكل ذلك كفر مُخرج من الملة
(1)
.
وأما قوله بأنه "إن خلا عن هذين فلا كفر إن قال علمت ذلك بواسطة القربة والعادة الإلهية" فليس على إطلاقه، بل يُقيّد بكون إمكان العلم بذلك له تعلّق بالنجوم.
7 - الرمل والخط:
يرى ابن حجر رحمه الله تحريم الرمل والخط وتعلمه وتعليمه، حيث يقول: "تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لِمَا فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه وما استأثر بمعرفته
…
وقد أكذب الله مدعي علم الغيب، وأخبر في كتابه العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية"
(2)
.
وسئل عما يتمسك به أولئك المنجمون الرمالون في تجويز فعلهم من قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] وأن المراد به بزعمهم علم الخط في الرمل، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"
(3)
.
فأجاب عن الآية بقوله: "ما روي في قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] أنه الخط فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة فقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأحقاف: 4] الآيات، أي: ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه، أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه الآثار أقاويل أخر غير ما ذكر"
(4)
.
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (35/ 171)، تيسير العزيز الحميد (ص 441 - 442)، القول السديد لابن سعدي، معارج القبول لحافظ حكمي (3/ 559)، أضواء البيان (2/ 197).
(2)
الفتاوى الحديثية (ص 160) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(3)
أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ونسخ ما كان من إباحة (1/ 381) برقم (537) من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه به.
(4)
الفتاوى الحديثية (ص 161).
وأجاب عن الحديث بقوله: "الحديث المذكور في مسلم، لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق عليه إجماع أهل السنة.
وذلك بأن يحمل
…
على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جوابًا على سؤال من اعتقد [علم الخط] على ما اعتقدت العرب، فأجابه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير
…
أو يحمل على أنه علق الحِلَّ بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقي النهي على حاله، لأنه علق الحِلَّ بشرطه، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول
…
[أو يحمل على أنه أراد] فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم
…
وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي عليه السلام بالخط، وجعله علامة لِمَا يأمره به وينهاه عنه
…
"
(1)
.
التقويم:
الرمل والخط مما يلحق بعلم التنجيم؛ إذ هو يشاركه في دعوى علم الغيب، والاعتماد على ما لا حقيقة له من الحدس والتخمين وغيرهما
(2)
.
وقد عرفه طاش كبرى زاده بأنه: "الاستدلال بأشكاله الاثني عشر على أحوال المسألة حين السؤال
…
وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفًا معينًا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة،
(1)
الفتاوى الحديثية (ص 160 - 161)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(2)
انظر: التنجيم والمنجمون (ص 294)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص 120).
فحين السؤال عن المطلوب يقتضي أوضاع البروج وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال -بسبب مدلولاتها من البروج- تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج"
(1)
.
وقد ذكر أهل العلم له صورًا كثيرة، وأشكالًا متعددة
(2)
، وما ذكروه لا يعدو أن يكون من أنواعه وأشكاله، وليس حصرًا له في المذكور.
وما ذكره ابن حجر من تحريم الخط والرمل وتعلمه وتعليمه معللًا ذلك بما فيه من إيهام مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به هو قول أهل السنة والجماعة
(3)
، ومن وافقهم
(4)
.
وقوله بالتحريم لا ينافي كون ذلك شركًا، وكون فاعله كافرًا مشركًا خارجًا من الملة، كما يدل على ذلك تعليله السابق.
يقول العلامة الذهبي
(5)
رحمه الله: "من العلوم المحرمة: علم السحر
…
والطِّيرة، والشّعبذة، والتنجيم، والرمل، وبعضها كفر صراح، ومنها ما يحصل من الكتابة"
(6)
.
وأما ما أجاب به عن استدلال أولئك المنجمين على تجويز فعلهم
(1)
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (1/ 336)، وانظر: مقدمة ابن خلدون (ص 112).
(2)
انظر: غريب الحديث للخطابي (1/ 648)، شرح السنة للبغوي (12/ 183 - 184)، تفسير القرطبي (16/ 180)، إكمال الإكمال للإبي (2/ 240)، بلوغ الأرب للألوسي (3/ 323).
(3)
انظر: تفسير ابن جرير (11/ 273)، شرح السنة (12/ 183 - 184).
(4)
انظر: صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، شرح الإبي إكمال الإكمال (2/ 245)، تفسير القرطبي (2/ 240)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط لابن رشد (ص 35).
(5)
هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله، شمس الدين أبو عبد الله، الذهبي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر، توفي سنة 748 هـ.
انظر: الدرر الكامنة (3/ 426)، شذرات الذهب (6/ 153).
(6)
مسائل في طلب العلم وأقسامه (ص 214 - 215).
بقوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] على أن المراد بها بزعمهم الخط، وقوله بأن هذا التفسير غير متعين، وعلى فرضه فالمراد به إظهار عجزهم عن الإتيان بما يشهد لقولهم الباطل مما يؤمنون به وإن لم يكن حجة في نفسه، فهو قول المحققين من أهل التفسير
(1)
.
يقول الإمام ابن جرير
(2)
رحمه الله بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب
…
وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثر من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به
…
فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم صحة ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون"
(3)
.
وأما ما أجاب به عما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وكون ذلك محمول على تأويلات عدة ذكر بعضًا منها، فهو جواب غيره من أهل العلم حيث تأولوا الحديث على تأويلات كثيرة
(4)
، وأولى هذه التأويلات بالقبول هو أن علم الرمل والخط مباح لمن وافق خط ذلك النبي بيقين، وأنه لا سبيل إلا اليقين في ذلك لتوقفه على النص الصريح في كيفيته عنه صلى الله عليه وسلم، أو النقل المتواتر من زمن
(1)
انظر: تفسير ابن جرير (11/ 273)، تفسير السمعاني (5/ 149)، تفسير البغوي (7/ 251)، تفسير ابن كثير (4/ 164).
(2)
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر، أحد أعلام السلف، له مصنفات منها: جامع البيان في تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وصريح السنة وغيرها، توفي سنة 310 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 267)، شذرات الذهب (2/ 260).
(3)
تفسير ابن جرير (11/ 273).
(4)
انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 184)، معالم السنن (5/ 374)، أحكام القرآن لابن العربي (4/ 125)، شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، إكمال الإكمال (2/ 240)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط (ص 42) وما بعدها.