الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأكثر الخلف وهو أعلم
…
"
(1)
.
ويؤول ابن حجر الأحاديث الدالة على نزول الله سبحانه بثزول أمره أو بعض ملائكته، حيث يقول:"نزول الله كناية عن نزول رحمته أو بعض ملائكته؛ لتعاليه تبارك وتعالى عن الجهة والمكان والجسم والزمان تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا"
(2)
.
التقويم:
النزول صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع
.
فأما الكتاب: "فمما يعتبر به من كتاب الله عز وجل في النزول، ويحتج به على من أنكره قوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} [البقرة: 210].
وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22].
وهذا يوم القيامة إذا نزل الله ليحكم بين العباد
…
فالذي يقدر على النزول يوم القيامة من السماوات كلها ليفصل بين عباده، قادر على أن ينزل كل ليلة من سماء إلى سماء"
(3)
.
وأما السُّنَّة: فقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات صفة النزول لله تعالى، وعدها غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن عبد البر
(4)
، والعلامة عبد الغني المقدسي
(5)
(6)
، وشيخ الإسلام ابن تيمية
(7)
، وتلميذه ابن القيم
(8)
،
(1)
فتح الإله بشرح المشكاة (ص 236)، وانظر: الزواجر (1/ 39).
(2)
الإيضاح والبيان (ل 5/ أ).
(3)
انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص 74).
(4)
انظر: التمهيد (7/ 137).
(5)
هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي، الدمشقي، الصالحي، إمام سلفي، من مؤلفاته: الاقتصاد في الاعتقاد، كتاب التوحيد، التوكل وسؤال الله عز وجل وغيرها، توفي سنة 600 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 443)، شذرات الذهب (4/ 345).
(6)
انظر: الاقتصاد في الاعتقاد له (ص 100).
(7)
انظر: شرح حديث النزول له (ص 69، 147، 323).
(8)
انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 221، 230).
والحافظ الذهبي
(1)
من قبيل المتواتر، واهتم عدد منهم بإحصاء رواتها
(2)
.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: "أحاديث النزول متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواها أكثر من عشرين نفسًا من الصحابة بمحضر بعضهم من بعض، والمستمع لها منهم يصدق المحدث بها ويقره، ولم ينكرها أحد منهم، ورواها أئمة التابعين، وأودعوه كتبهم، وأنكروا على من أنكره"
(3)
.
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة النزول لله تعالى، ونقل إجماعهم على ذلك أكثر من تسعة عشر إمامًا
(4)
، منهم الإمام الشافعي رحمه الله الذي ينتسب إليه ابن حجر ويتمذهب بمذهبه، حيث يقول:"القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل: سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء"
(5)
.
ونزول الرب سبحانه وتعالى الثابت له بالأدلة المتقدمة على تسعة أنواع هي:
(1)
انظر: العلو (1/ 700).
(2)
انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (3/ 481)، رد الدارمي على بشر (1/ 497)، النزول للدارقطني (ص 25) وما بعدها، مختصر الصواعق (2/ 221، 230)، الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي (ص 71).
(3)
التسعينية (3/ 914).
(4)
انظر: صفة النزول الإلهي للجعيدي (ص 223).
(5)
أخرجه الهكاري في اعتقاد الإمام الشافعي (ص 16) برقم (4) من طريق أبي يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ، عن أبي القاسم بن علقمة الأبهري، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، عن أبي شعيب، وأبي ثور، عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي به.
ومن طريقه أخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص 123) برقم (108)، والذهبي في العلو (2/ 1055) برقم (404). وذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (4/ 182)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص 165)، والذهبي في الأربعين (ص 42، 70) برقم (15، 57)، والسيوطي في الأمر بالاتباع (ص 313).
نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة، وعشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، وبعد أن ينادي المنادي بين يدي الساعة، ونزوله تعالى إلى الأرض بين النفختين في الصور، ويوم القيامة، ونزوله جل وعلا من العرش إلى الكرسي يوم القيامة، ونزوله عز وجل على القنطرة يوم القيامة، ونزوله جل في علاه لأهل الجنة
(1)
.
يقول الإمام الدارمي
(2)
رحمه الله بعد سياقه لأحاديث النزول الدالة على هذه الأنواع: "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، ولا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلًا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزوله واجب"
(3)
.
وعليه فإن النزول ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما التشغيب عليه بما ذكره ابن حجر من لزوم الحركة والانتقال والجسمية فهو مردود.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "لفظ الحركة والانتقال والجسم
…
ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل، فهذه لا تقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.
(1)
انظر: أدلة هذه الأنواع وتخريجها في صفة النزول الإلهي للجعيدي (ص 56 - 151).
(2)
هو عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي، محدث حافظ، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: الرد على الجهمية، والرد على بشر المريسي، توفي سنة انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 319)، شذرات الذهب (2/ 176).
(3)
الرد على الجهمية له (ص 93).
فإن الانتقال: يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه، إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى.
ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة فعله وتعطيل له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك
…
وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور وذلك يستلزم نفي الحياة"
(1)
.
وأما تأويل ابن حجر النزول الوارد في النصوص بنزول رحمته أو أمره أو بعض ملائكته فباطل من وجوه:
1 -
أن القول بذلك تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق-
(2)
.
2 -
أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون النزول يلزم منه التجسيم والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه
(3)
.
3 -
أن الأحاديث الواردة في النزول متواترة، وكلها تدل على أن المراد
(1)
مختصر الصواعق المرسلة (2/ 257 - 258)، وانظر: مجموع الفتاوى (17/ 320).
(2)
انظر: (ص 297).
(3)
انظر: (ص 293).
بالنزول نزول الرب سبحانه، وليس في شيء منها ما يدل على أن المراد بالنزول نزول أمره ورحمته أو بعض ملائكته
(1)
.
4 -
أن ألفاظ أحاديث النزول كلها تدل على أن المراد نزول الرب لا نزول غيره كقوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى
…
فيقول: من يدعوني فأستجيب له
…
الحديث"
(2)
(3)
.
5 -
أن تأويل النزول الوارد في الأحاديث بنزول أمره ورحمته أو نزول ملك من ملائكته لا يصح.
فأما تأويله بنزول أمره ورحمته فمتعقب بما يلي:
أ- أن الرحمة إما أن تكون عينًا قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها.
فإن كانت عينًا قائمة بنفسها وهي مخلوقة، لم يكن لها أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ولا أنا الملك.
وأيضًا فحينئذ يكون الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لا رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا.
وإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من محل، ثم لا يمكن للصفة أن تقول هذا الكلام
(4)
.
ب- أن الرحمة والأمر إذا نزلا إلى السماء الدنيا، ولم ينزلا إلى الأرض، ثم إذا طلع الفجر صعدا فأي منفعة في نزولهما
(5)
؟
جـ- أن رحمته سبحانه وأمره ينزلان بالليل والنهار، ولا يختص نزولهما بالثلث الأخير، ولا بوقت دون وقت، بل لا ينقطعان عن العالم
(1)
انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 221 - 222).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (1/ 341) برقم (1145)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذى في آخر الليل (1/ 521) برقم (358) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(3)
انظر: شرح حديث النزول (ص 322)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 222 - 223).
(4)
انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 259).
(5)
انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 499)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 260).
السفلي والعلوي طرفة عين
(1)
.
د- أن نزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقضي أن يكون هو فوق العالم، فتأويله نفسه يبطل مذهبه
(2)
.
وأما تأويله بنزول بعض ملائكته فمتعقب بما يلي:
أ- أن أحاديث النزول صريحة في نسبة النزول لله تعالى بما لا يحتمل تأويل نزوله بنزول غيره
(3)
-كما سبق-.
ب- أن الأحاديث خصت النزول بجوف الليل وجعلت منتهاه إلى السماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولها بهذا الزمان ولا هذا المكان
(4)
.
جـ- أن الأحاديث الواردة في النزول جاء في بعض رواياتها "ثم يصعد" و"ثم يعلو" والملائكة تصعد في كل وقت لا يختص صعودها بطلوع الفجر
(5)
.
وأما ما عزاه ابن حجر إلى مالك وجعفر الصادق وغيرهما من السلف من تأويلهم النزول، فالجواب عنه أن يقال:"إن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة، يتشبث بألفاظ عن بعض الأئمة وتكون إما غلطًا وإما محرفة"
(6)
.
(1)
انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 143)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 260).
(2)
انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 500)، شرح حديث النزول (ص 138).
(3)
انظر: شرح حديث النزول (ص 322).
(4)
انظر: المصدر السابق (ص 233).
(5)
انظر: المصدر السابق (ص 234).
(6)
المصدر السابق (ص 223).
وانظر: في الرد على ما ذكره عن مالك خاصة: التمهيد (7/ 143)، شرح حديث النزول (ص 210)، مختصر الصواعق (2/ 261)، سير أعلام النبلاء (8/ 15)، وللاستزادة: منهج الإمام مالك في العقيدة للدعجان (ص 251)، براءة الأئمة الأربعة للحميدي (ص 317).
وأما ما ذكره عن جعفر الصادق فلم أقف على من ذكره غير ابن حجر.