الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله عز وجل يدل على ذلك
(1)
.
وبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور.
رابعًا: عصمة الأنبياء:
يعرف ابن حجر رحمه الله العصمة بقوله: "العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات
…
"
(2)
، "حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب"
(3)
.
ويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: "الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول
…
"
(4)
.
كما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: "ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه
…
وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية"
(5)
.
(1)
انظر: تفسير البغوي (6/ 198)، تفسير ابن عطية (3/ 538)، روح المعاني (16/ 30).
(2)
فتح المبين. (ص 40).
(3)
المنح المكية (2/ 599).
(4)
الزواجر (1/ 13)، وانظر: فتح المبين (ص 71)، الفتاوى الحديثية (ص 101)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص 221)، التعرف (ص 65، 117).
(5)
فتح المبين (ص 71)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 101، 292، 332)، أشرف الوسائل (ص 92)، الزواجر (1/ 13)(2/ 100)، فتح الإله (ص 135)، أسنى المطالب (ص 267)، المنح المكية (2/ 535).
التقويم:
مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود
(1)
؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك:
العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق-
(2)
: "حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده".
فقولهم: "حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية
(3)
القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك
(4)
.
وقولهم: "مع قدرته على الخير والشر" احتراز من قول الجبرية
(5)
(1)
انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص 402 - 406)، الشفا (2/ 745)، الفصل (4/ 5)، عصمة الأنبياء للرازي (ص 26 - 36)، شرح صحيح مسلم (5/ 53 - 55)، مجموع الفتاوى (4/ 319 - 320)(10/ 289 - 293)(15/ 148)، منهاج السنة (1/ 470)، لوامع الأنوار البهية (2/ 303 - 305)، أضواء البيان (4/ 522 - 523، 538)، إعلام المسلمين بعصمة النبيين لعزوز المكي (ص 15 - 29)، وللاستزادة: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام د. يوسف السعيد، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لمنصور التميمي، حقوق النبي صلى الله عليه وسلم د. محمد التميمي (1/ 126 - 160).
(2)
انظر: (ص 379).
(3)
القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله وهم القدرية الغلاة وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الإرادة عند الله وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضية وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد. انظر: التنبيه والرد (ص 176)، الفرق بين الفرق (ص 114)، الفصل (3/ 22)، التبصير في الدين للإسفرايني (ص 53).
(4)
انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 781)، أوائل المقالات (ص 156).
(5)
الجبرية اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم =
القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله عز وجل لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك
(1)
.
ففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما.
وأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم:
فقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول
(2)
.
وأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة
(3)
، وعصمتهم من كبائر الذنوب
(4)
وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك
(5)
.
واختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القول بأن الأنبياء معصومون عن
= أصناف متعددة، يدخل فيهم الجهمية، والضرارية، والكلابية الأشعرية ومن وافقهم. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/ 85)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 103)، البرهان (ص 42).
(1)
شرح كتاب الفقه الأكبر للقاري (ص 93 - 94).
(2)
انظر: تفسير البغوي (4/ 132)، الشفا (2/ 793)، تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (1/ 181 - 186، 230).
(3)
انظر: الشفا (2/ 746)، مجموع الفتاوى (10/ 289، 290)، منهاج السنة (2/ 311).
(4)
انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه (1/ 477)، الشفا (2/ 784)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص 673).
(5)
انظر: لوامع الأنوار البهية (2/ 303).
الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي
(1)
أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول"
(2)
.
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في مسألة عصمة الأنبياء فيما يتعلق بتعريفها، وزمنها، ومتعلقها، منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.
فأما تعريفه لها: فيؤخذ عليه أنه بناه على مذهب الأشعرية في العصمة والذي ينحو منحى الجبر، ولهذا وافق الجبرية في تعريفهم، وجعل العصمة فعل الله عز وجل لا فعل النبي، وسيأتي الرد عليه مفصلًا عند عرض رأيه في أفعال العباد وتقويمه
(3)
.
وأما كلامه عن زمنها، وقوله بأنها قبل النبوة وبعدها: فهو موافق لأحد قولي أهل السنة والجماعة، وهو القول الذي عليه أكثرهم.
وأما كلامه عن متعلقها، وقوله بأنهم معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، عمدها وسهوها:
فهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، بل ومذاهب الطوائف المشهورة، وغايته أنه قول مهجور لبعض الرافضة
(4)
، والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة
(5)
.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة، ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.
(1)
انظر: كلامه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (1/ 170).
(2)
مجموع الفتاوى (4/ 319)، وانظر: منهاج السنة (6/ 472)، الجواب الصحيح (6/ 298).
(3)
انظر: (ص 588).
(4)
انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (7/ 8، 21)، الرسائل العشر للطوسي (ص 97 - 106)، تنزيه الأنبياء للمرتضى (ص 15 - 16).
(5)
انظر: جمع الجوامع مع شرحه للمحلي (3/ 224).
وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار عن الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك الرافضة؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل"
(1)
.
ولا شك أن دلائل القرآن والسنة متظاهرة على نقض هذا القول، وبيان بطلانه، وصرف ابن حجر لها ومن قال بقوله بوجوه التأويل، والتهويش عليها بالطعن في صحتها لا يغني شيئًا.
وقد انتقد الإمام ابن قتيبة رحمه الله هذا القول، ورد على أصحابه فقال:"يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة"
(2)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض رده عليهم: "نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة.
لكن المنازعين يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية
(3)
كما فعل من صنف في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه
…
"
(4)
.
* * *
(1)
مجموع الفتاوى (4/ 320).
(2)
تأويل مشكل القرآن (ص 402).
(3)
الباطنية اسم عام يجمع كل من يدعي أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وهذا الاسم يدخل تحته طوائف كثيرة كغلاة الصوفية، وغلاة الرافضة، وغلاة الفلاسفة.
انظر: التبصير في الدين للإسفراييني (ص 118)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 119)، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لليمني (1/ 477).
(4)
مجموع الفتاوى (10/ 313 - 314).