الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا"
(1)
.
والمقصود هنا بيان أن ابن حجر رحمه الله لم يخرج في كلامه عن هذه المسألة عن سياق أقوال من تقدمه، وأما بسط المسألة وبيان أدلتها فهو مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم
(2)
.
4 - رؤية الله تعالى في الجنة:
يقرر ابن حجر رحمه الله ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حيث يقول: "رؤيته تعالى
…
في الآخرة ممكنة بل واقعة كما صرحت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي كادت تتواتر.
وخلاف المعتزلة في ذلك لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بآرائهم القاصرة الفاسدة نعوذ بالله من أحوالهم"
(3)
.
ويرى أن الرؤية متحققة في الجنة لكل من دخلها من الرجال بالإجماع، ومن النساء على خلاف، حيث يقول: "الرؤية في الجنة أجمع أهل السنة أنها حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة.
واختلف في نساء هذه الأمة:
فقيل: لا يرين؛ لأنهن مقصورات في الخيام، ولم يرد تصريح برؤيتهن.
وقيل: يرين؛ لعموم النصوص.
وقيل: يرين في مثل أيام الأعياد التي كانت في الدنيا كيوم الجمعة فإن التجلي فيها عام، وأخرج الدارقطني حديث: "إذا كان يوم القيامة رأى
(1)
حادي الأرواح (ص 269).
(2)
انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/ 429 - 437)، شرح صحيح مسلم (1/ 437)، مجموع الفتاوى (6/ 485 - 507)، حادي الأرواح (ص 269)، شرح الطحاوية (1/ 221)، فتح الباري (8/ 607، 11/ 447)، لوامع الأنوار البهية (2/ 248).
(3)
فتح المبين (ص 81)، وانظر: المنح المكية (1/ 424)، فتح الإله (ص 6).
المؤمنون ربهم عز وجل"، وفيه: "ويراه المؤمنات يوم الفطر والأضحى"
(1)
"
(2)
.
ويقيد ابن حجر رؤية الله تعالى في الجنة والنظر إليه بما يوافق معتقده في نفي العلو عنه سبحانه، فيقول: "ستلقون ربكم في الدار الأخرى ناظرين إليه على وجه منزه من الحلول والجهة والمكان والتحيز والإحاطة
…
"
(3)
.
التقويم:
رؤية الله تعالى في الجنة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع
(4)
.
فأما الكتاب فمنه:
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22 - 23].
وجه الاستدلال:
إضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب تعالى، وهذا قول كل مفسري أهل السنة
(5)
.
(1)
أخرجه الدارقطني في كتاب الرؤية (ص 170) برقم (56) من طريق أحمد بن سلمان بن الحسن، عن محمد بن عثمان بن محمد، عن مروان بن جعفر، عن نافع أبي الحسن مولى بني هاشم، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه به.
وإسناده ضعيف فيه مروان بن جعفر السَّمُري لين الحديث، انظر: ميزان الاعتدال (4/ 89)، لسان الميزان (6/ 14)، ونافع أبو الحسن مولى بني هاشم لم أجد له ترجمة.
(2)
الفتاوى الحديثية (ص 286)، وانظر: التعرف (ص 110).
(3)
فتح الإله بشرح المشكاة (ص 279).
(4)
انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص 87)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/ 406)، التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري (ص 27)، كتاب الرؤية للدارقطني (ص 91 - 308)، رؤية الله تبارك وتعالى لابن النحاس (ص 95 - 137)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 160)، الحجة في بيان المحجة (2/ 236)، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري (ص 30 - 103)، مجموع الفتاوى (2/ 29)، (5/ 485)، (16/ 84)، بيان تلبيس الجهمية (2/ 253)، حادي الأرواح (ص 267 - 319)، شرح الطحاوية (1/ 207 - 215)، فتح الباري (13/ 424)، لوامع الأنوار البهية (2/ 243)، وللاستزادة: رؤية الله تعالى للحمد (ص 189 - 238).
(5)
انظر: حادي الأرواح (ص 276)، شرح الطحاوية (1/ 209).
وقوله سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
وجه الاستدلال:
أن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم كما فسرها بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم
(1)
، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، ويبيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة"
(2)
.
وقوله عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: 15].
وجه الاستدلال:
أن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلًا على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف
(3)
.
وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثباتها
(4)
، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة
(5)
، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثًا
(6)
.
(1)
انظر: حادي الأرواح (ص 270)، شرح الطحاوية (1/ 211).
(2)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه (1/ 163) برقم (181).
(3)
انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/ 443)، حادي الأرواح (ص 272)، شرح الطحاوية (1/ 211 - 212).
(4)
انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 470)، الحجة في بيان المحجة (2/ 245)، مجموع الفتاوى (6/ 469)، بيان تلبيس الجهمية (2/ 53، 409، 416)، حادي الأرواح (ص 277، 319)، شرح الطحاوية (1/ 215)، فتح الباري (8/ 302).
(5)
ذكر طائفة منها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (6/ 486)، ومما هو مطبوع: التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري، والرؤية للدارقطني، ورؤية الله تعالى لابن النحاس.
(6)
انظر: حادي الأرواح (ص 277 - 307).
قال رحمه الله: "الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية متواترة، رواها عنه: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب، وابن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص -وحديثه موقوف- وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيدة -وحديثه موقوف- ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير مسمى"
(1)
.
وعليه فقول ابن حجر: "والأحاديث النبوية كادت تتواتر" متعقب بتواترها حقيقة، فإن الحكم بالتواتر وإن كان نسبيًا إلا أنه هنا ظاهر جدًّا.
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم
(2)
.
وما ذكره ابن حجر من ثبوت الرؤية لكل من دخل الجنة من الرجال حق.
وأما النساء فقد اقتصر على ذكر أقوال الناس في رؤيتهن دون ترجيح، وجملتها ثلاثة:
أحدها: أنهن لا يرينه مطلقًا.
والثاني: أنهن يرينه كالرجال.
(1)
حادي الأرواح (ص 277).
(2)
انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص 103)، شرح صحيح مسلم (3/ 15)، ضوء الساري (ص 28)، مجموع الفتاوى (6/ 469، 510)، حادي الأرواح (ص 319)، لوامع الأنوار البهية (2/ 240)، توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 579).
والثالث: أنهن يرينه في مثل أيام الأعياد دون غيرها
(1)
.
والراجح -والله أعلم- أن النساء يرين الله تعالى في الجنة كالرجال؛ وذلك لما يلي:
1 -
أن الأدلة في الرؤية عامة للرجال والنساء، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي تخصيصه
(2)
.
2 -
أن النساء يشاركن الرجال في الأعمال التى توجب الرؤية فوجب أن يشاركنهم في الثواب
(3)
.
3 -
ضعف ما استدل به أصحاب القولين اآخرين؟ إذ الآية لا تمنع من رؤيتهن الله عز وجل وهن في خيامهن، والحديث لا يراد حصر رؤيتهن له في أيام الأعياد، وإنما مجرد الإخبار بذلك فلا ينفي وقوع الرؤية لهن في غيرها
(4)
.
وأما ما قرره ابن حجر من تقييد رؤية الله في الجنة بالرؤية المنزهة عن الحلول والاحاطة والجهة والمكان والتحيز، فهو يتضمن حقًّا وباطلًا.
فاما الحق الذي يتضمنه: فهو تنزيه رؤية الله عن الحلول والإحاطة؛ إذ الله عز وجل منزه عن أن يكون حالًا في غيره أو غيره حالًا فيه إذ كل ما سواه ناقص لا يليق بكماله مخلوق لا دوام له، وهو منزه أيضًا عن أن يحاط به لكمال عظمته سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به كما يُعْلَم ولا يحاط به علمًا
(5)
.
وأما الباطل الذي تضمنه: فهو تنزيه رؤية الله -بزعمه- عن الجهة والمكان والتحيز؛ ووجه بطلانه ما يلي:
1 -
أن (الجهة) و (المكان) و (التحيز) ألفاظ مجملة لم ترد في الكتاب
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (6/ 408) وما بعدها، النهاية لابن كثير (2/ 353)، تحفة الجلساء برؤية الله للنساء للسيوطي ضمن الحاوي (2/ 198 - 202)، لوامع الأنوار البهية (2/ 247).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (6/ 430).
(3)
انظر: المصدر السابق (6/ 426).
(4)
انظر: المصدر السابق (6/ 452).
(5)
انظر: شرح الطحاوية (1/ 225).