الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومراده بذلك -والله أعلم- أن التطير المصحوب بهذا الاعتقاد يُوجِب البحث لا في كون هذا الفعل كبيرة؛ إذ لا شك في ذلك، لكن البحث في إسلام من صدر منه هذا الفعل، هل هو باقٍ معه أم أنه انسلخ منه بسبب هذا الاعتقاد؟
وهذا هو الحق، ذلك أن التطير موضع تفصيل، فإن من وصل به تطيره إلى اعتقاد وجود شركة بين الله تعالى وبين ما تطيّر به في أمر التأثير فلا إسلام له بل هو مشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان تطيره دون ذلك -كما هو الغالب على الواقعين في هذا الداء من المسلمين- من اعتقاد كون المتطير به سببًا في حصول المكروه أو علامة عليه فإن فعله هذا إنما هو من قبيل الشرك الأصغر
(1)
.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل وَلَجَه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه بابَ الخوف والتعلق بغير الله"
(2)
.
11 - الرياء:
عرف ابن حجر رحمه الله الرياء بقوله: "الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة
…
".
وحد الرياء: "إرادة العامل بعمله غير وجه الله تعالى"
(3)
.
وقرر -غفر الله له- أن الرياء "قد شهد بتحريمه الكتاب، والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة"
(4)
.
(1)
انظر: شرح السنة (12/ 170)، التمهيد (24/ 195)، شرح صحيح مسلم (13/ 219)، مفتاح دار السعادة، فتح الباري (10/ 213)، تيسير العزيز الحميد (ص 421)، فتح المجيد (2/ 506)، النبذة الشريفة النفيسة لحمد بن معمر (ص 69 - 70)، الدين الخالص (2/ 142 - 143)، القول السديد (ص 102)، القول المفيد (2/ 93 - 94).
(2)
مفتاح دار السعادة (2/ 246).
(3)
الزواجر (1/ 43).
(4)
المصدر السابق (1/ 38) وانظر: (1/ 38 - 43).
وأن "المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للّعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى"
(1)
، "وفيه أيضًا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك"
(2)
.
وعدَّ الرياء من الشرك الأصغر
(3)
، وبيّن أنه قد يبلغ بصاحبه الشرك الأكبر فقال: "الرياء ينقسم إلى درجات متفاوتة في القبح، فأقبحها الرياء في الإيمان وهو شأن المنافقين
…
ويليهم المراؤون بأصول العبادات الواجبة
…
ويليهم المراؤون بالنوافل
…
ويليهم المراؤون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها
…
"
(4)
.
وذكر حكم العمل إذا كان رياءً كله، أو خالطه، أو طرأ عليه، فقال: "العمل:
إما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط ولو مباحًا فهو حرام لا ثواب فيه.
وإما مشرب برياء ولا ثواب فيه أيضًا للخبر الصحيح "من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك"
(5)
…
ومن عقد عملًا لله ثم طرأ له خاطر رياء: فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه ففيه خلاف، والذي رجحه أحمد وجماعة من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة ففيه لا أجر له بعد حدوث الرياء.
ولو تم عمله خالصًا فأثنى عليه ففرح لم يضر لخبر مسلم: "ذلك عاجل بشر المسلم""
(6)
(7)
.
(1)
الزواجر (1/ 43).
(2)
المصدر السابق (1/ 44).
(3)
انظر: المصدر السابق (1/ 38).
(4)
انظر: المصدر السابق (1/ 46).
(5)
سبق تخريجه (ص 161).
(6)
أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره (4/ 2034) رفم (2642) من حديث أبي ذر رضي الله عنه به.
(7)
فتح المبين (ص 54)، وانظر: الزواجر (1/ 43 - 46)، حاشية الإيضاح (ص 39).
التقويم:
الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء إذا أريته على خلاف ما أنا عليه
(1)
.
وأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين:
الأول: إرادة غير الله من دون الله.
والثاني: إرادة غير الله مع الله
(2)
.
وما ذكره ابن حجر من تحريم الرياء هو ما تدل علية النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
وأما ما قرره من كون الرياء تارة يكون شركًا أكبر، وأخرى يكون شركًا أصغر فإنه حق
(3)
؛ ذلك أن الرياء تارة يكون في أصل الاعتقاد ومطلق العمل، وهو ما يطلق عليه أهل العلم النفاق الاعتقادي
(4)
أو شرك النية والإدارة والقصد
(5)
، وهذا مما أجمع أهل العلم على كونه شركًا أكبر يكفر به صاحبه ويخرج من الملة، وتارة يكون الرياء في أفراد العمل وهو إما أن يكون في أصله، أو مخالطًا له، أو طارئًا عليه فهو حينئذٍ بحسبه، وفيه التفصيل الآتي بيانه.
(1)
انظر: تهذيب اللغة (2/ 1326)، الصحاح (6/ 2348)، لسان العرب (14/ 296)، القاموس المحيط (ص 1658).
(2)
انظر: التعريفات للجرجاني (ص 113)، إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 257)، فتح الباري (11/ 336)، تيسير العزيز الحميد (ص 537)، فتح المجيد (2/ 617)، معارج القبول (2/ 493).
(3)
انظر: جامع العلوم والحكم (1/ 79)، تيسير العزيز الحميد (ص 532 - 533)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (1/ 518).
(4)
النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام.
انظر: فتح الباري (1/ 111)، مجموعة التوحيد (2/ 10).
(5)
شرك النية والإرادة والقصد: هو العمل لغير وجه الله، والتقرب إليه، وطلب الجزاء منه.
انظر: مجموعة التوحيد (1/ 8)، معارج القبول (2/ 493).
يقول الشيخ حافظ حكمي
(1)
رحمه الله: "اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيرًا، ويراد به النفاق الذي هو أعظم من الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار
…
والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا أصغر خفيًا هو حديث: "إنما الأعمال بالنيات"
(2)
…
فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع فذلك العمل الصالح المقبول.
وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله عز وجل فذلك النفاق الأكبر
…
وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله عز وجل والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر"
(3)
.
وأما ما ذكره ابن حجر من تقسيم العمل إلى عمل هو رياء محض، وآخر هو مشرب به، وثالث طارئ عليه، وحكمه على كل قسم منها بما يراه، فهو مما وافق فيه أهل العلم
(4)
.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: "اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة
(1)
هو حافظ بن أحمد بن علي بن أحمد حكمي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة، الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة، توفي سنة: 1377 هـ.
انظر: الشيخ حافظ بن أحمد حكمي د. أحمد علوش.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/ 21) برقم (1) ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنية"(3/ 1515) برقم (1907) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه به.
(3)
معارج القبول (2/ 492 - 494).
(4)
انظر: الفروق (3/ 22)، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (1/ 124)، أعلام الموقعين لابن القيم (2/ 162)، جامع العلوم والحكم (1/ 79 - 83)، معارج القبول (2/ 492 - 494).