الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سادسًا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها:
1 - تعريف الكبيرة:
ساق ابن حجر رحمه الله أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه
(1)
.
ورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: "الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا.
فقيل: هي ما فيه حد.
وقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها"
(2)
.
وقال: "الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة"
(3)
.
ورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال:"اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه"
(4)
.
وقال: "للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد"
(5)
.
التقويم:
الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة.
يقول ابن فارس: "الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر"
(6)
.
وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:
(1)
انظر: الزواجر (1/ 5 - 9)، أشرف الوسائل (ص 196)، الفتاوى الحديثية (ص 361)، التعرف (ص 70)، فتح الإله (ص 535).
(2)
أشرف الوسائل (ص 196).
(3)
الفتاوى الحديثية (ص 361).
(4)
الزواجر (1/ 9).
(5)
التعرف (ص 70).
(6)
معجم مقاييس اللغة (ص 915).
أحدهما: العظمة.
وثانيهما: الإثم الكبير
(1)
.
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين
(2)
.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة"
(3)
.
وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين:
أحدهما: تعريفها بالعد.
وثانيهما: تعريفها بالحد.
فمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها.
ومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها
(4)
.
وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى.
وهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين
(1)
انظر: تهذيب اللغة (4/ 3090)، الصحاح (2/ 801)، لسان العرب (5/ 125)، القاموس المحيط (ص 601).
(2)
انظر: تفسير البغوي (2/ 201 - 204)، شرح صحيح مسلم (2/ 85 - 87)، مجموع الفتاوى (11/ 350) وما بعدها، مدارج السالكين (1/ 321 - 327)، شرح الطحاوية (2/ 525 - 527)، فتح الباري (10/ 410 - 411)، الزواجر (1/ 5 - 10)، لوامع الأنوار البهية (1/ 365)، الذخائر بشرح منظومة الكبائر للسفاريني أيضًا (ص 112، 121).
(3)
مدارج السالكين (1/ 320).
(4)
انظر: المصدر السابق (1/ 320).
من أهل العلم
(1)
.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: "أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة
…
وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر
…
وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه:
أحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي.
الثاني: أن الله قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} [النساء: 31].
فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر.
وكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.
الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (11/ 650)، مدارج السالكين (1/ 327)، الكبائر للذهبي (ص 22)، الآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 242)، شرح الطحاوية (2/ 525)، فتح الباري (12/ 188)، الذخائر (ص 121).