الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبسط أدلة هذا القول، ومحاجة من خالفه، مذكورة في مواضعها من كتب أهل العلم
(1)
.
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في هذه المسألة موافق لما عليه أهل السنة والجماعة.
ثالثًا: حقيقة الروح:
يرى ابن حجر رحمه الله الإمساك عن الكلام في حقيقة الروح؛ امتثالًا لكتاب الله عز وجل واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأدبًا معهما حيث يقول: "الروح ...... لم يتكلم عليها صلى الله عليه وسلم فنمسك عنها أدبًا.
وجمهور الخائضين أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد به؛ لأنها وصفت بأوصاف الجسم في الكتاب والسنة"
(2)
.
التقويم:
الروح: مأخوذة من الريح.
يقول ابن فارس: "الراء والواو والحاء أصل كبير مطّرد، يدل على سعة وفسحة واطّراد، وأصل ذلك كله الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها، فالروح رُوح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذا الباب كله"
(3)
.
ولفظ (الروح) يطلق على معان عدة، منها: القرآن، والوحي، وجبريل، والقوة، والمسيح ابن مريم، وروح الإنسان التي بها حياته
(4)
-وهي المراد بالبحث هنا-.
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (4/ 262 - 270، 282 - 299)، الروح (1/ 282 - 283)، أهوال القبور (ص 78 - 80)، شرح الطحاوية (2/ 579)، فتح الباري (3/ 235)، (11/ 366)، شرح الصدور (ص 181)، لوامع الأنوار البهية (2/ 24).
(2)
التعرف (ص 120)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 393).
(3)
معجم مقاييس اللغة (ص 428)، وانظر: تهذيب اللغة (2/ 1312)، الصحاح (1/ 367)، لسان العرب (2/ 455)، القاموس المحيط (ص 282).
(4)
انظر: الروح (2/ 659)، فتح الباري (8/ 402)، لوامع الأنوار البهية (2/ 29).
وقد اختلف الناس في الخوض فيها بناء على اختلافهم في المراد بالروح التي وقع السؤال عنها في قوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء: 85]
(1)
.
فمن فسرها بروح الإنسان التي بها حياته، أمسك عن الكلام فيها، ومن فسرها بغيرها خاض في ذلك
(2)
.
واختلف الخائضون في بيان حقيقتها، وتعددت مذاهبهم في ماهيتها.
يقول العلامة السفاريني رحمه الله: "اختلف الناس في حقيقة الروح؛ وهل هي النفس أو غيرها، وهل هي جزء من البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟
وقد تكلم الناس في هذه المسائل من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم، ومن الناس من أمسك عن الكلام والخوض فيها لقوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء: 85]، وهدى الله أتباع الرسول وسلف الأمة وأهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال ابن القيم بعد ما ساق أقوال الناس في حقيقة الروح: "والصحيح أن الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الوِرْد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحسن والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط عليها
(1)
انظر: تفسير ابن جرير (8/ 141)، تفسير السمعاني (3/ 274)، تفسير البغوي (5/ 125)، تفسير القرطبي (10/ 323)، تفسير ابن كثير (3/ 68).
(2)
انظر: فتح الباري (1/ 224)(8/ 402 - 404).
وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح"
(1)
وذكر لكلامه مائة دليل وستة عشر دليلًا وأجاد وأفاد"
(2)
.
وبهذا يظهر أن القول بالإمساك عن البحث في حقيقة الروح وإن كان مأثورًا عن بعض أهل العلم، إلا أن جمهورهم على خلافه، وأكثرهم على ما قرره العلامة ابن القيم رحمه الله في كلامه السابق.
* * *
(1)
انظر: كلام ابن القيم في كتابه الروح (2/ 573 - 615).
(2)
لوامع الأنوار البهية (2/ 29)، وانظر: مجموع الفتاوى (17/ 340 - 342، 5/ 115 - 116)، درء التعارض (8/ 52)، الروح (2/ 573 - 615)، شرح الطحاوية (2/ 565).