الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم كالعشرة
…
"
(1)
.
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر رحمه الله لأهل السنة والجماعة في القول بالمفاضلة بين الصحابة وتحقيقها.
رابعًا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم:
قرر ابن حجر رحمه الله تفضيل الصحابة رضي الله عنهم على كل من جاء بعدهم جماعات وأفرادًا، ورد على من قال بخلاف ذلك، فقال:"اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة"
(2)
.
"وأشار بعضهم إلى أن محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه"
(3)
.
"فذهب أبو عمر بن عبد البر
(4)
إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة
…
والجواب عنه
…
أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل.
وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة.
وأيضًا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة - رضوان الله عليهم - وفازوا به من مشاهدة طلعته صلى الله عليه وسلم ورؤية ذاته المشرفة
(1)
مجموع الفتاوى (3/ 152 - 153).
(2)
الصواعق (2/ 611).
(3)
المنح المكية (2/ 692).
(4)
انظر: الاستذكار (1/ 236 - 240).
المكرمة فأمر من وراء العقل؛ إذ لا يسع أحدًا أن يأتي من الأعمال وإن جَلَّت بما يُقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله.
ومن ثم سئل عبد الله بن المبارك، وناهيك به جلالة، وعلمًا، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة.
أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته صلى الله عليه وسلم ورؤيته لا يعدلها شيء
…
فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفًا وخلفًا
…
أن من بعدهم لو عمل ما عساه أن يعمل لا يمكنه أن يُحَصِّل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلًا أن يساويها، هذا فيمن لم يفز إلا بذلك، فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه صلى الله عليه وسلم أو في زمنه بأمره، أو نقل شيئًا من الشريعة إلى من بعده، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، فهذا مما لا خلاف في أن أحدًا من الجائين بعده لا يدركه، وثم قال تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]
…
"
(1)
.
التقويم:
اتفق أهل العلم على أفضلية من صحب النبي صلى الله عليه وسلم فأقام معه، أو روى عنه، أو قاتل بين يديه، أو أنفق من ماله بسببه على من بعده
(2)
.
واختلفوا فيمن ثبتت له الصحبة وليس له إلا مجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم هل يفضل كل من بعده أو يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه، على قولين:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات وأفرادًا مطلقًا
(3)
.
(1)
الصواعق (2/ 611 - 614).
(2)
انظر: فتح الباري (7/ 6، 7).
(3)
انظر: شرح أصول الاعتقاد (1/ 160)، شرح صحيح مسلم (2/ 141)(16/ 93)، منهاج السنة (4/ 600)، مجموع الفتاوى (4/ 527)، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص 74)، فتح الباري (7/ 6 - 7)، فيض القدير (4/ 280)(5/ 517).
والثاني: مذهب ابن عبد البر
(1)
والقرطبي
(2)
- رحمهما الله - وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات لا أفرادًا، وأنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من يفوق أحدهم.
والحق ما عليه الجمهور لتواتر الأدلة الدالة على تفضيل الصحابة على من بعدهم وإطلاقها بما يفيد عمومها في أفرادهم.
والأحاديث التي استدل بها ابن عبد البر والقرطبي - رحمهما الله - على مذهبهما لا تخرج عن ثلاثة أحوال: إما أنها ضعيفة فلا يحتج بها، أو حسنة، أو صحيحة بمجموع طرقها فهي دون الأحاديث المطلقة في الصحة.
وجملة الأجوبة عنها ثلاثة أيضًا:
أحدها: أنها لا تستلزم المساواة فإنه قد يكون في المفضول مزية لا تكون في الفاضل.
وثانيها: أن ما تدل عليه من المساواة إنما هو باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فهذا الذي يقع فيه التساوي، أما ما اختص به الصحابة من المشاهدة والسابقة فإنه لا يسع أحدًا أن يأتي بما يقاربه فضلًا عن أن يماثله.
وثالثها: أن ما تدل عليه من المساواة المقصود به ما يظهر للرائي دون ما هو حقيقة في نفس الأمر
(3)
.
وبكل حال فما قرره ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ولعله المشار إليه في قوله المتقدم "أشار بعضهم
…
".
يقول الحافظ رحمه الله: "الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.
(1)
انظر: الاستذكار (1/ 236 - 240).
(2)
انظر: تفسيره (4/ 171 - 173).
(3)
انظر: شرح صحيح مسلم (2/ 141)، منهاج السنة (4/ 600)، مجموع الفتاوى (4/ 527)، تحقيق منيف الرتبة (ص 74)، فتح الباري (7/ 7)، فيض القدير (4/ 280)(5/ 517).