الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيهما: القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بزيادة الإيمان ونقصانه بحسب الذات الذي هو التصديق وذلك بكثرة النظر وتظافر الأدلة ووضوحها، وبحسب المتعلق الذي هو أفراد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل ما قبل الزيادة قبل النقص
(1)
.
وهذا القول هو ما اختاره ابن حجر -غفر الله له- وعبّر عنه في كلامه المتقدم بقوله "يزيد وينقص قوة ومتعلقًا"، وهو متعقب بما يلي:
أولًا: أن قوله هذا مبني على قوله في تعريف الإيمان وأنه مجرد التصديق، وهو باطل -كما سبق- وما بني على باطل فهو كذلك.
ثانيًا: أن قوله هذا يقصر الزيادة والنقصان على تصديق القلب، والحق أن الزيادة والنقصان تدخل الاعتقاد والقول والعمل
(2)
.
ثالثًا: أن النصوص الدالة على الزيادة والنقصان في الإيمان بعمل الجوارح أكثر من غيرها
(3)
.
ثالثًا: حكم الاستثناء في الإيمان:
ذكر ابن حجر رحمه الله اختلاف الناس في حكم الاستثناء في الإيمان، وحرر محل نزاعهم، ورجح ما رآه من أقوالهم، حيث قال:
"منع جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه قول أنا مؤمن إن شاء الله، وإنما يقال: أنا مؤمن حقًّا.
وأجازه آخرون، وقال السبكي
(4)
: وهم أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة، ومن المتكلمين الأشعرية والكلابية
…
(1)
انظر: أصول الدين للبغدادي (ص 252)، الإرشاد (ص 335)، المواقف (ص 388)، وشرحها (8/ 330) وما بعدها، شرح المقاصد (5/ 210)، تحفَة المريد (ص 49 - 51).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (7/ 232 - 237، 562 - 584، 672)، شرح الطحاوية (2/ 466)، لوامع الأنوار البهية (1/ 413 - 416).
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (7/ 562)(6/ 479).
(4)
انظر: فتاواه (1/ 53).
وليس الخلاف فيمن يأتي بإذن شاء الله شاكًا في ثبوت الإيمان له حالًا؛ لأنه كافر بل هو فيمن هو جازم به حالًا غير أن بقاءه على الموت عليه غير معلوم له.
ووجه جوازه:
أنه ليس القصد بالاستثناء فيه إلا التبرك، اتباعًا لقوله تعالى:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)} [الكهف: 23، 24]، فإنه يَعم طلب الاستثناء حتى في قطعي الحصول، وقد صرح به فيه، في {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: 27]، مع أن خبره تعالى قطعي الصدق تعليمًا وتأديبًا لعباده في صرف الأمور كلها إلى مشيئته
…
وأن المعتبر في النجاة هو الموت على الإيمان، وهذا غير معلوم وهو أمر مستقبل فصح ربطه بها لا تعليقًا بل تبركًا واتباعًا وخوفًا من سوء الخاتمة.
وأما توجيه منعه بأن تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم به في الحال الذي هو كفر، وبتقدير أنه قصد غير التعليق فربما اعتادت نفسه التردد في الإيمان لكثرة إشعار النفس بواسطة الاستثناء بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره.
فجوابه: أنه لا تهمة مع القرائن القطعية بانتفائها، وأيضًا إشعار اللفظ بما مرّ إنما هو بالنظر للتعليق وليس الكلام فيه؛ إذ الغرض أنه إنما قصد التبرك لِمَا مرّ، على أنه لو فرض أنه أطلق فلم يقصد تعليقًا ولا تبركًا فالذي يظهر أنه لا إثم عليه أيضًا؛ لأن الغرض أنه جازم بالإيمان في الحال، وإيهام لفظه تدفعه قرائن أحواله"
(1)
.
التقويم:
المراد بالاستثناء في الايمان: قول الرجل مجيبًا لمن سأله: أمؤمن أنت؟ إن شاء الله، ونحوها من العبارات التي تشعر بعدم القطع
(2)
.
(1)
فتح المبين (ص 78 - 79).
(2)
انظر: الإيمان لشيخ الإسلام (ص 410).
وهذه المسألة إنما حدث الخوض فيها بسبب الإرجاء الذي ظهر في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا عد السلف سؤال الرجل عن إيمانه بدعة، وفصلوا في جوابه
(1)
.
يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله لمن سأله عن الرجل يسأل غيره أمؤمن أنت؟ : "إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث"
(2)
.
هذا، وجملة أقوال الناس في هذه المسألة ثلاثة:
أحدها: القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، وهو قول الجهمية
(3)
، والمرجئة
(4)
، والماتريدية
(5)
، وبعض الأشاعرة
(6)
.
قالوا: لأن الإيمان شيء واحد يعلمه الإنسان من نفسه، ومن استثنى فقد شك، والشك في الإيمان كفر
(7)
.
وثانيها: القول بوجوب الاستثناء في الإيمان، وهو قول الكلابية
(8)
، وجمهور الأشاعرة
(9)
.
قالوا: لأن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به، وإنما العبرة بالموافاة
(10)
.
(1)
انظر: السنة للخلال (3/ 601)، الشريعة (2/ 656)، الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (2/ 877)، مجموع الفتاوى (7/ 448).
(2)
انظر: الإبانة الكبرى، تحقيق: نعسان (2/ 882).
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (7/ 429).
(4)
انظر: المصدر السابق (7/ 429).
(5)
انظر: التوحيد للماتريدي (ص 388)، تأويلات أهل السنة (ص 265)، بحر الكلام (ص 40).
(6)
انظر: أصول الدين للبغدادي (ص 253).
(7)
انظر: المصادر السابقة.
(8)
انظر: مجموع الفتاوى (3/ 289)(7/ 430)، الاستقامة (1/ 150).
(9)
انظر: أصول الدين (ص 253)، شرح المقاصد (5/ 214)، المسامرة شرح المسايرة (ص 283).
(10)
انظر: المصادر السابقة.
وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة
(1)
.
قالوا: والمعتبر في ذلك إرادة المستثني وما قام بقلبه.
فإن أراد باستثنائه الشك في إيمانه، مُنع من الاستثناء بغير خلاف.
وإن أراد باستثنائه عدم تحصيله الإيمان المطلق، أو خوفًا من تزكية نفسه، جاز له الاستثناء
(2)
.
يقول العلامة ابن أبي العز رحمه الله: "الاستثناء في الإيمان
…
الناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال"
(3)
.
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة موافق لقول أهل السنة والجماعة، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:
1 -
عزوه ذلك إلى المتكلمين من الكلابية والأشاعرة، والصواب أنه قول لبعضهم؛ إذ جمهورهم على القول بوجوبه -كما سبق-.
2 -
تعليله ذلك بالتبرك والموافاة، وهذا التعليل فيه نظر.
فأما الاستثناء باعتبار التبرك فهو متعقب بأن الأصل في الاستثناء أن يكون للمستقبل دون الماضي أو الحاضر، والمخبر بقوله أنا مؤمن إن شاء الله يريد الماضي والحاضر لا المستقبل، والاستثناء فيها بقصد التبرك يلزم منه طرده في كل خبر، وهو لا يعرف عن السلف.
وأما الاستثناء باعتبار الموافاة فهو متعقب بأن القول بذلك لم يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما مذهب السلف أصحاب
(1)
انظر: السنة لعبد الله (1/ 307)، الإيمان لأبي عبيد (ص 67)، الإبانة الكبرى (2/ 862)، الشريعة (2/ 656)، السنة للخلال (3/ 593)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 976)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص 183)، مجموع الفتاوى (7/ 438 - 439، 505، 666)، شرح الطحاوية (ص/498)، لوامع الأنوار البهية (1/ 435).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (7/ 438 - 439، 447، 668)، شرح الطحاوية (2/ 498)، لوامع الأنوار البهية (1/ 435).
(3)
شرح الطحاوية (2/ 494 - 495).