الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آراؤه في أسماء الله
عرض ابن حجر رحمه الله لمسائل عدة تتعلق بأسماء الله سبحانه وتعالى، كما شرح بعضها وبين معانيها، وفيما يلي بيان هذه المسائل وآراء ابن حجر فيها مع التعقيب عليها بتقويمها.
أولًا: الاسم والمسمى:
تعددت آراء ابن حجر رحمه الله في مسألة الاسم والمسمى تعددًا لا يمكن الجمع معه بينها:
فتارة يرى "أن الاسم غير المسمى
…
على الأصح
…
"
(1)
.
وأخرى يرى أن "الاسم عين المسمى
…
"
(2)
.
وثالثة يفصل فيقول: "الاسم أي: مدلوله:
إما ذات المسمى كالله.
أو غيره كالخالق.
أو لا هو المسمى ولا غيره كالعَالِم"
(3)
.
ويرى ابن حجر أن هذه المسألة "مسألة طويلة الذيل، وليس للخلاف فيها كبير فائدة"
(4)
.
(1)
فتح المبين (ص 81).
(2)
ثلاث مسائل في صفات الباري (ص 2).
(3)
التعرف (ص 113)، وانظر: الإيعاب شرح العباب (1/ 2).
(4)
فتح المبين (ص 81).
التقويم:
مسألة الاسم والمسمى من المسائل الحادثة التي لم ترد في الكتاب والسُّنة، والقول بأن الاسم هو المسمى أو غيره لم يرد عن السلف رحمهم الله وإنما أحدثه أهل الأهواء من الجهمية والمعتزلة
(1)
.
والذي عليه جمهور السلف رحمهم الله أن الاسم تارة يراد به الذات وهو المسمى، وتارة يراد به اللفظ وهو التسمية
(2)
.
يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي
(3)
رحمه الله: "الاسم يراد به "المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى"
(4)
.
إذا تقرر ذلك فما ذهب إليه ابن حجر في هذه المسالة مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من جهة، ولا يخلو من الاضطراب والتناقض من جهة أخرى.
(1)
انظر: صريح السُّنة للطبري (17 - 18، 25 - 26)، الفتاوى (6/ 187).
(2)
انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (1/ 158)، شرح أصول الاعتقاد (2/ 204 - 215)، الحجة في بيان المحجة، مجموع الفتاوى (6/ 205 - 206)، بدائع الفوائد (1/ 17 - 18)، شفاء العليل (2/ 757 - 758)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (1/ 102)، لوامع الأنوار (1/ 29)، معارج القبول (1/ 102).
(3)
هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي، الدمشقي، الصالحي، المعروف بابن أبي العز، حنفي، من مؤلفاته: شرح العقيدة الطحاوية، الاتباع، التنبيه على مشكلات الهداية، توفي سنة (792 هـ).
انظر: إنباء الغمر بأنباء العمر للحافظ ابن حجر (2/ 95)، شذرات الذهب (6/ 326).
(4)
شرح العقيدة الطحاوية (1/ 1209).
فالقول بأن الاسم كير المسمى: هو مذهب الجهمية
(1)
والمعتزلة
(2)
.
والقول بأن الاسم عين المسمى: هو مذهب الأشاعرة
(3)
والماتريدية
(4)
.
والقول بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون كيره، وتارة لا هو ولا غيره: هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري
(5)
.
والجهمية والمعتزلة حينما قالوا: إن الاسم غير المسمى أرادوا أن أسماء الله مخلوقة؛ لأن أسماءه من كلامه، وكلامه مخلوق
(6)
.
فخالفهم الأشاعرة والماتريدية فقالوا: الاسم عين المسمى ولم يفرقوا بين الذات الذي هو المسمى وبين اللفظ الذي هو التسمية، وأرادوا بذلك أن أسماء الله غير مخلوقة، ولكنهم قالوا: إن أسماءه من صفات ذاته، وهو سبحانه لا يتكلم ولا يسمي نفسه بمشيئته وقدرته؛ وذلك ليسلم لهم قولهم في الصفات وبخاصة صفة الكلام، حيث يؤولونه بالكلام النفسي، ويجعلونه من الصفات الذاتية لا الفعلية
(7)
.
وعليه فالأشاعرة والماتريدية وإن خالفوا الجهمية والمعتزلة في الظاهر إلا أنهم موافقون لهم في الباطن
(8)
.
وأما قول الأشعري بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون غيره، وتارة لا يكون هو ولا غيره، فقد بناه على اعتبار معاني الأسماء، وما دلت عليه من الصفات، ومعتقده في كل منها، وعليه قسم الأسماء إلى ثلاثة أقسام:
(1)
انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (1/ 158)، الفتاوى (6/ 189).
(2)
انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 542)، مقالات الإسلاميين (1/ 253).
(3)
انظر: التمهيد للباقلاني (ص 258)، الإرشاد للجويني (ص 135)، أصول الدين للبغدادي (ص 114 - 115).
(4)
انظر: بحر الكلام للنسفي (ص 37)، الصحائف الإلهية للسمرقندي (ص 396)، شرح المقاصد للتافتازاني (4/ 337).
(5)
انظر: المواقف للإيجي (ص 333)، وشرحها للجرجاني (8/ 207).
(6)
انظر: مجموع الفتاوى (6/ 186، 204)(12/ 170).
(7)
انظر: المصدر السابق (6/ 192).
(8)
انظر: المصدر السابق (6/ 192).
القسم الأول: يكون الاسم فيه عين المسمى نحو (الله) لأنه بزعمه اسم جامد لا يدل على معنى، وهذا زعم مردود؛ إذ ليس في أسماء الله اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله دالة على معان في غاية الكمال.
والقسم الثاني: يكون الاسم فيه غير المسمى نحو (الخالق) و (الرازق) لأنهما بزعمه يدلان على نسبته إلى غيره، وذلك لاعتقاده بنفي صفات الأفعال الاختيارية وإنكار قيامها بالله عز وجل، وبناء على ذلك جعل (الخالق) و (الرازق) ونحوهما غير المسمى، وهذا باطل لثبوت اتصاف الله تعالى بالصفات الفعلية الاختيارية -كما سيأتي-.
والقسم الثالث: يكون الاسم فيه لا هو المسمى ولا غيره نحو (العليم) و (القدير) لأنهما يدلان على صفة حقيقية، وذلك لإثباته الصفات الذاتية، ولهذا جعل (العليم) و (القدير) ونحوهما للمسمى
(1)
.
وعند التأمل في هذه الأقوال الثلاثة وما ساقه أصحابها من أدلة، نجد أن هذه الأدلة تنقض أقوالهم وترد عليها، فما استدل به الجهمية والمعتزلة يجاب به عن قول الأشاعرة والماتريدية، وما استدل به الأشاعرة والماتريدية يجاب به عن قول الجهمية والمعتزلة، ومجموع هذه الأدلة تشهد لقول أهل السنة والجماعة، وتدل عليه، وقد استوعب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأقوال وأدلتها، وبين ما يعترض به عليها بما لا مزيد عليه
(2)
.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن اضطراب ابن حجر -غفر الله له- في هذه المسألة وتردده فيها بين هذه الأقوال راجع -والله أعلم- إلى أمرين:
أحدهما: اضطراب الأشاعرة أنفسهم في هذه المسألة واختلافهم فيها من جهة، وترددهم فيها بين موافقة أهل السنة والجماعة في الظاهر وموافقة الجهمية والمعتزلة في الباطن من جهة أخرى، مما جعل مذهبهم في هذه المسألة غير محرر، ولهذا قال الباجوري
(3)
بعد ذكره المسألة ورأي
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (6/ 201 - 202).
(2)
انظر: المصدر السابق (6/ 185) وما بعدها.
(3)
هو إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، أشعري شافعي، من مؤلفاته: تحفة المريد=