الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك النبي إلى صلى الله عليه وسلم، وكلا الأمرين منتفٍ؛ فيبقى التحريم على أصله
(1)
.
وهذا التأويل هو الذي يميل إليه ابن حجر كما يدل عليه ظاهر قوله السابق: "وهذا أولى من الأول".
يقول النووي رحمه الله: "اختلف العلماء في معناه [يعني: الحديث]، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح"
(2)
.
وعلى كل حال فإن الحاصل من كلام أهل العلم في الحديث الاتفاق على أنه مؤول، وأن الخط والرمل محرم لا يجوز.
8 - التمائم:
يرى ابن حجر رحمه الله أن التمائم ليست جائزة بإطلاقها ولا محرمة بإطلاقها، بل منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم.
يقول في بيان ذلك: "مذهبنا .. أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، هان كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك"
(3)
.
ويقول أيضًا: "يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب"
(4)
.
ويرى أن تعليق تلك التمائم المحظورة من أكبر الكبائر وأنها وسيلة إلى الشرك، حيث عدّ من الكبائر: "الرقى وتعليق التمائم والحروز
…
"
(5)
، وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذين من الكبائر هو ما يقتضيه الوعيد في هذه الأحاديث لا سيما تسميته شركًا
…
نعم يتعين حمله
(1)
انظر: معالم السنن (5/ 374)، شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، إكمال الإكمال (2/ 240)، الرد لابن رشد (ص 47).
(2)
شرح صحيح مسلم (5/ 23).
(3)
الفتاوى الحديثية (ص 164).
(4)
المصدر السابق (ص 41).
(5)
الزواجر (1/ 166).
على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمونها تميمة أو نحوها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ولا شك أن اعتقاد هذا جهل وضلال، وأنه من أكبر الكبائر؛ لأنه إن لم يكن شركًا فهو يؤدي إليه؛ إذ لا ينفع ويضر ويمنع ويدفع إلا الله تعالى"
(1)
.
التقويم:
التمائم: جمع تميمة، وهي العِوَذ التي تعلّق على الإنسان وغيره لدفع الآفات عنه من أي شيء كانت
(2)
.
وهي ضربان:
الأول: التمائم من غير القرآن: وهي ما كانت من خرزات، أو حلقات، أو عظام، أو خرق، ونحو ذلك.
ويلحق بها ما عبر عنه ابن حجر رحمه الله بكونه مشتملًا على أسماء لا يعرف معناها، ويدخل في ذلك ما كانت مشتملة على الأبيات الشركية والأرقام والأحرف المجهولة من باب أولى
(3)
.
فهذا الضرب من التمائم محرم باتفاق، والحكم بكونه شركًا أكبر أو أصغر يختلف باختلاف حال معلقها من جهة، وحال التميمة نفسها وما تتضمنه من جهة أخرى.
فأما اختلاف حكمها باختلاف حال معلقها، فالمراد به: أن معلق التميمة إن كان يعتقد أن التميمة تنفع وتضر بنفسها فإن تعليقه لها شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب لدفع الأذى أو رفعه فحسب وأنها لا تستقل
(1)
انظر: الزواجر (1/ 116).
(2)
انظر: تهذيب اللغة (1/ 453)، والصحاح (5/ 1878)، ولسان العرب (12/ 69 - 70)، والقاموس المحيط (1400).
وانظر: النهاية لابن الأثير (1/ 197)، وفتح الباري (10/ 196)(6/ 142)، تيسير العزيز الحميد (ص 167).
(3)
انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 166)، فتح المجيد (1/ 243)، القول السديد لابن سعدي (ص 40، 41)، معارج القبول (2/ 512)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص 227)، التمائم في ميزان العقيدة د. علي العلجاني (ص 11).
بالنفع والضر فتعليقه لها شرك أصغر
(1)
.
وأما اختلاف حكمها باختلاف حال التميمة نفسها وما تتضمنه، فالمراد به: أن التميمة إن كانت تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين، فهي شرك أكبر بكل حال، وإن كانت تشتمل على أسماء لا يفهم معناها فهي محرمة، والحكم بكونها شركًا أكبر أو أصغر يرجع إلى حال معلقها كما سبق
(2)
.
وما قرره ابن حجر في هذا الضرب من التمائم من كونه محرمًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة
(3)
، ولكن يؤخذ عليه كونه حمل الأحاديث المصرحة بكون هذا الضرب من التمائم شركًا على ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها تنفع وتضر بنفسها دون اعتقاد كونها سببًا، وأعجب منه اضطرابه بعد ذلك في الحكم عليها بكونها شركًا وتردده في ذلك كما هو ظاهر كلامه السابق! !
والصحيح أنها شرك -كما وردت بذلك الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم وأن المراد بالشرك فيها يختلف باختلاف حال معلقها، وحال التميمة نفسها -كما سبق-.
والثاني: التمائم من القرآن: ويلحق بها ما كان مشتملًا على دعائه سبحانه والتضرع إليه بأسمائه وصفاته.
فهذا الضرب من التمائم اختلف أهل العلم في جوازه، والخلاف فيه جار في أقوال السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم
(4)
.
(1)
انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص 268)، تيسير العزيز الحميد (ص 154، 158، ص 162)، القول السديد (ص 37)، معارج القبول (2/ 512)، أحكام الرقى والتمائم (ص 238)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 33).
(2)
انظر: القول السديد (ص 40، 41).
(3)
انظر: المصادر السابقة.
(4)
انظر: مصنف ابن أبي شيبة (7/ 374) وما بعدها، سنن البيهقي (6/ 219) وما بعدها، شرح السنة (12/ 158)، التمهيد (17/ 160 - 161)، الفتاوى (19/ 64 - 65)، زاد المعاد لابن القيم (4/ 212، 358)، الآداب الشرعية (2/ 459)(3/ 81)، فتح الباري (6/ 142)، تيسير العزيز الحميد (ص 168)، فتح المجيد، معارج القبول (2/ 510) =
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته.
فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر
(1)
، وأحمد في رواية
…
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم رضي الله عنه وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون"
(2)
.
والذي يظهر لي أن القول الراجح هو قول الطائفة الثانية القائلة بعدم الجواز "لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم.
والثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
والثالث: أنه إذا عُلق فلا بد أن يمتهنه المُعلِّق، بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك
…
"
(3)
.
وعليه فإن ما ذهب إليه ابن حجر من تجويز التمائم من القرآن وأسماء الله وصفاته وإن كان خلافًا للقول الراجح، إلا أنه قول مأثور عن بعض السلف.
= وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم (ص 243)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 43).
(1)
هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان من فقهاء المدينة، توفي سنة 114 هـ.
انظر: طبقات ابن سعد (5/ 32)، سير أعلام النبلاء (4/ 401).
(2)
انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 167 - 168).
(3)
فتح المجيد (1/ 244)، وانظر: قرة عيون الموحدين (ص 62)، القول السديد (ص 41)، معارج القبول، أحكام الرقى والتمائم (ص 245 - 247)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 46).