الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: أقسام البدعة:
لما عرف ابن حجر - عفا الله عنه - البدعة بأنها ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله، بين المراد بالمحدث، وأقسامه، فقال:
"المراد بالمحدث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصل في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة فهذا باطل قطعًا، بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومن ثم قال عمر رضي الله عنه به في التراويح: نعمت البدعة هي
(1)
، فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث في أول سورة الأنبياء وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعائه إلى الضلالة"
(2)
.
وقال في شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
(3)
.
"قوله: (من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قبل نفسه.
(في أمرنا هذا ما ليس منه): مما ينافيه أو لا يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة.
(فهو رد): أي مردود على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال ومن ثم أبطل صلى الله عليه وسلم نذر ذلك، أو للإخلال بشرطه أو ركنه عبادة كانت أو عقدًا
…
أو للزيادة على المشروع فيه في نحو الصلاة دون الوضوء أو لارتكاب منهياته كالصلاة بنحو مغصوب
…
(1)
أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فصل من قام رمضان (2/ 595) برقم (2010).
(2)
فتح المبين (ص 221).
(3)
أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الأقضية، باب نقص الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/ 1343) برقم (1718).
أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده فليس يرد على فاعله بل هو مقبول منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبيل وسائر أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها
…
وككتابة القرآن في المصاحف ووضع المذاهب وتدوينها
…
ومن ثم استجاز كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضي الله عنهم لَمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه
…
وكما وقع لعمر رضي الله عنه في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال - أعني: عمر -: نعمت البدعة هي، أي لأنها وإن أحدثت ليس فيها رد لِمَا مضى بل موافقة له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم.
وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: "ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة"
(1)
.
والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وهي ما وافق شيئًا مما مرّ ولم يلزم من فعله محذور شرعي
…
وأن البدعة السيئة هي ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا
…
"
(2)
.
(1)
أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (1/ 226) برقم (253)، ومناقب الشافعي له (1/ 469). وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية (9/ 113).
(2)
فتح المبين (ص 107 - 108).
التقويم:
دلّت النصوص الشرعية على أن البدع كلها سيئة، وليس فيها شيء حسن، ومنها:
قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
قال الإمام مالك رحمه الله: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا"
(1)
.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"
(2)
.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين"
(3)
.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
(4)
.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: "هذا الحديث من قواعد الدين، لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصْرَحَهُ وأدَلّه على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل"
(5)
.
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ذم البدع صغيرها وكبيرها، وتقبيحها والتحذير منها، والنهي عن مجالسة أصحابها، بل والتنفير من الذرائع المؤدية إليها، ولم يُعلم عن السلف توقف في شأن شيء من البدع فضلًا عن القول باستحسانها، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن
(6)
.
(1)
ذكره الشاطبي عن الإمام مالك في الاعتصام (2/ 18).
(2)
سبق تخريجه (ص 7).
(3)
جامع العلوم والحكم (2/ 128).
(4)
سبق تخريجه (ص 703).
(5)
نيل الأوطار (2/ 69).
(6)
انظر: الاعتصام (1/ 42)، وانظر: في سياق أقوال السلف رحمهم الله كتاب ما جاء =
وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما، النقض: بأن يقال:
أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح، ومنه ما يذم؛ إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع
(1)
.
ثانيًا: أن القول بذلك يفتح باب الابتداع على مصراعيه، ولا يمكن معه رد أي بدعة؛ لأن كل صاحب بدعة سيدعي أن بدعته حسنة.
ثالثًا: أن قول ابن حجر - غفر الله له - بذلك مناقض لِمَا قرره قبل من كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين
(2)
.
رابعًا: أن ما احتج به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
1 -
أن الأمثلة التي ساقها للبدعة الحسنة وقرر عمل الأمة بها، وادعى أنها لم تعهد في الصدر الأول لا تسلم له؛ إذ الأربطة والمدارس وكتابة القرآن وتصنيف الكتب ونحوها من أعمال البر مسبوقة بالصفة ودار الأرقم وكتابة القرآن والحديث في الصدر الأول، وهي أصل مشروعيتها
(3)
.
"وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع
…
فعلى هذا لا ينبغي أن تسمى
…
بدعة أصلًا"
(4)
.
2 -
أن فعل عمر رضي الله عنه وقوله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر، وذلك من وجهين:
= في البدع لابن وضاح (ص 25) وما بعدها، جزء في اتباع السنن واجتناب البدع للضياء المقدسي (ص 31) وما بعدها، التمسك بالسنن والتحذير من البدع للذهبي (ص 93) وما بعدها، الأمر بالاتباع والنهي عن الإبداع للسيوطي (ص 57) وما بعدها.
(1)
انظر: الاعتصام (1/ 142).
(2)
انظر: (ص 601).
(3)
انظر: جامع العلوم والحكم (2/ 131)، حوار مع المالكي للمنيع (ص 104).
(4)
الاعتصام (1/ 38 - 39).
أ - أنه قال ذلك عندما جمع الناس في صلاة التراويح وصلاة التراويح ليست ببدعة، بل هي عين السنة، بدليل ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمع من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال:"قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان"
(1)
.
فبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلة التي من أجلها ترك الجماعة في صلاة التراويح، فلما رأى عمر رضي الله عنه أن العلة قد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أعاد صلاة التراويح جماعة، فالذي فعله عمر رضي الله عنه ليس بدعة وإنما هو عين السنة
(2)
.
ب - أن المراد بالبدعة في قول عمر رضي الله عنه البدعة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي؛ إذ صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها في عهده صلى الله عليه وسلم كما سبق - فإطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه الشرعي لا يصح، ولكن لَمّا كانت قد تركت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للعلة المذكورة وفي عهد أبي بكر وصدر عهد عمر رضي الله عنهما ثم فعلت بعد صح إطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه اللغوي إذ ليس لها مثال سابق
(3)
.
3 -
أن قول الإمام الشافعي رحمه الله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - وذلك من وجهين:
أ - أن الإمام الشافعي رحمه الله لا يمكن أن يقول بتقسيم البدعة بمعناها الشرعي إلى قسمين حسنة وسيئة؛ إذ ذلك معارض لأصوله، ومنها إنكاره
(1)
أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل (1/ 337) برقم (1129).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (22/ 234)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 588، 591)، جامع العلوم والحكم (2/ 128)، الاعتصام (1/ 194).
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (10/ 371)(22/ 224، 234)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 589 - 590)، الاعتصام (1/ 195)، جامع العلوم والحكم (2/ 128).