الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني
(1)
، ومن أشهرها تعريفا الماوردي
(2)
وابن خلدون - رحمهما الله -.
يقول الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"
(3)
.
ويقول ابن خلدون: "الإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"
(4)
.
وبالنظر فيما ذكراه في تعريف الإمامة يلاحظ متابعة ابن حجر رحمه الله لهما في تعريفه لها.
ثانيًا: حكم الإمامة:
يرى ابن حجر رحمه الله وجوب نصب الإمام، ويرد على من قال بخلافه.
يقول في ذلك: "اعلم أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور
…
ثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع أي: من جهة التواتر والإجماع المذكور، وقال كثير بالعقل.
ووجه ذلك الوجوب: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور،
(1)
انظر: غياث الأمم في اجتياث الظلم للجويني (ص 152)، المواقف (ص 395)، شرح الأصول الخمسة (ص 750)، التعريفات (ص 35)، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن (ص 17).
(2)
هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أبو الحسن، البصري الشافعي، من مؤلفاته: أعلام النبوة، الأحكام السلطانية، النكت والعيون في تفسير القرآن الكريم وغيرها، توفي سنة 450 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 64)، شذرات الذهب (3/ 285).
(3)
الأحكام السلطانية (ص 5).
(4)
المقدمة (ص 190).
وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الاسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا
…
وأما مخالفة الخوارج
(1)
ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها؛ لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه.
ودعوى أن في نصبه ضررًا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به، فيؤدي إلى الفتنة، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضر بالناس، وإن عُزل أدى إلى محاربته، وفيها ضرر أي ضرر، باطلة لا ينظر إليها؛ لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح، بل لا نسبة بينهما، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب، وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة، كما هو مشاهد"
(2)
.
التقويم:
نصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية
(3)
.
(1)
الخوارج طائفة من أهل الباع، حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن فتنتهم، وأمر بقتلهم، وأخبر بمروقهم من الإسلام، خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقاتلهم، وقتل كبيرهم ذا الثدية، وهم فرق شتى يُكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، يجمعهم القول بإكفار عثمان وعلي والحكمين وأصحاب الجمل، وكل من رضي بالتحكيم، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر.
انظر: التنبيه والرد (ص 51)، مقالات الإسلاميين (1/ 167)، الفرق بين الفرق (ص 72)، الملل والنحل للبغدادى (ص 57)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 114)، التبصير في الدين (ص 38)، اعتقادّات فرق المسلمين والمشركين (ص 51)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص 17).
(2)
الصواعق المحرقة (1/ 25 - 26)، وانظر: غرر المواعظ (ص 49)، التعرف (ص 124)، تحفة المحتاج (4/ 102).
(3)
انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص 5)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 19)، =
فمن الكتاب: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
فالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده.
وقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، وقوله:{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48].
فهذا الأمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي: بشرعه - وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، ولا دليل هنا على التخصيص فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله وذلك لا يتحقق إلا بنصب الإمام.
ومن السُّنّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"
(1)
.
وفعله صلى الله عليه وسلم حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى.
وأما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات
(2)
من
= غياث الأمم (ص 15)، المقدمة الزهراء في إيضاح الإمامة الكبرى للذهبي (ص 69)، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة (ص 48)، إكليل الكرامة (ص 11، 103).
(1)
أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء بييعة الخلفاء (3/ 1478) برقم (1851) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما به.
(2)
النجدات: فرقة من فرق الخوارج، وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، من بني حنيفة من بكر بن وائل، انفرد عن سائر الخوارج بآراء عدّة، قدم مكة، واستقل باليمامة سنة 66 هـ أيام أمير المؤمنين ابن الزبير إلى أن قتله أتباع ابن الزبير سنة 69 هـ.
انظر: التنبيه والرد (ص 67)، مقالات الإسلاميين (1/ 174)، الفرق بين الفرق (ص 87)، الملل والنحل للبغدادي (ص 65)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 122)، التبصير في الدين (ص 43)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 55)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص 25).
الخوارج ونفر من المعتزلة
(1)
.
يقول العلامة ابن حزم رحمه الله: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم"
(2)
.
ولهذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم على الاشتغال بها قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم
(3)
.
ولَمّا كان الاستدلال بالإجماع على وجوب نصب الإمام أظهر من الاستدلال بغيره، اعتمد عليه غير واحد من أهل العلم، وأغفلوا ما سواه
(4)
، ومنهم ابن حجر رحمه الله في كلامه السابق.
وأما دلالة القواعد الشرعية:
فهي متقررة بقاعدتي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، و"رعاية الشريعة لجلب المنافع ودفع المضار".
وهي ما أشار إليه ابن حجر رحمه الله في كلامه السابق في تقرير وجه القول بوجوب نصب الإمام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا
(1)
يُعزى القول بذلك إلى عبد الرحمن بن كيسان المشهور بأبي بكر الأصم وهشام بن عمرو الفوطي من كبار المعتزلة.
انظر: مقالات الإسلاميين (2/ 149)، الفرق بين الفرق (ص 163).
(2)
الفصل (4/ 149).
(3)
انظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص 144)، الأحكام السلطانية للماوردي (ص 5)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 19)، شرح السنة للبغوي (10/ 84)، تفسير القرطبي (1/ 264)، شرح صحيح مسلم (12/ 205)، فتح الباري (13/ 208).
(4)
انظر: المصادر السابقة.