الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقول ابن حجر بجواز ما استعمل منه لغرض مباح دون ما استعمل لغرض محرم مردود بكونه حرامًا مطلقًا سواء استعمل في غرض مباح أو غرض محرم، إذ هو مبني على الشعبذة والخرافة.
وكتابة الحروف والأعداد على الأوفاق لم يجعلها الله سببًا للشفا وحصول المنافع لا شرعًا ولا قدرًا، وكون الانتفاعٍ بها قد يحصل أحيانًا لا يقضي بجوازها؛ إذ قد يقع ذلك مصادفة واتفاقا، أو استدراجًا وفتنة من الشياطين.
5 - الكهانة والعرافة وما ألحق بهما:
عرف ابن حجر رحمه الله الكهانة بقوله: " [الكَهَانَة] بالفتح مصدر كَهُنَ بضم الهاء، إذا صار كاهنًا، أي: مخبرًا بالأمور الخفية، والمغيبات البعيدة -أي: علاماتها- وهي ما كانت تأتي من الكهان وتذكره من المغيبات التي تلقيها إليهم الشياطين بواسطة استراقهم لبعض كلام الملائكة، ثم إلقائه إليهم مع ما يضمونه إليه من الكذب"
(1)
.
كما عرف الكاهن والعراف بقوله: "الكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضًا ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك
…
والعَرّاف: بفتح المهملة وتشديد الراء
…
هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك"
(2)
.
وقال في الفرق بينهما: "الكاهن هو المخبر عن مستقبل أو ماضٍ أو عن نحس طالع أو سعده، بخلاف العراف فإنه إنما يخبر عن مسروق أو ضال
…
وقصر بعضهم الكاهن على من يخبر عما يكون في المستقبل ويؤيد الأول قول بعضهم: يزعم بعض الكهان أن الجن يلقون إليهم الأخبار، وبعضهم أنهم يعرفون ذلك، وبعضهم أعطوه، وبعضهم أنهم يعرفون الأمور بمقدماتها وأسبابها"
(3)
.
(1)
المنح المكية (1/ 303)، وانظر: الزواجر (2/ 109).
(2)
الزواجر (2/ 109).
(3)
فتح الإله بشرح المشكاة (ص 384).
ويرى ابن حجر -غفر الله له- أن الكهانة والعرافة من الكبائر، وأن إتيان الكاهن والعراف وتصديقهما من الكبائر أيضًا، حيث عدهما من الكبائر
(1)
.
كما يرى أن الكهانة والعرافة يشتركان في الأحكام فقال: "وكالعراف في هذا الكاهن فالأحكام ثلاثة جارية في كل منهما: حرمة المجيء، وحرمة الإخبار، وعدم قبول الصلاة أربعين يومًا"
(2)
.
ويقيس ابن حجر رحمه الله على الكهانة والعرافة ما يشاركهما في دعوى علم الغيب كالطَّرْق
(3)
، والعيافة
(4)
، ويعلل ذلك بكونه "ظاهرًا؛ لأن الملحظ في الكل واحد"
(5)
.
ولهذا عدّ من الكبائر: "الكهانة والعرافة والطِّيَرَة والطَّرْق والتنجيم والعيافة، وإتيان كاهن وإتيان عرّاف، وإتيان طارق، وإتيان منجم، وإتيان ذي طير ليتطير له، أو ذي عيافة ليخط له"
(6)
.
التقويم:
الكهانة والعرافة ضرب من ادعاء علم الغيب، وقد اختلف أهل العلم فيهما وفيمن يتعاطاهما هل هما بمعنى واحد أم بينهما تغاير؟
(1)
انظر: الزواجر (2/ 109)، والإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(2)
فتح الإله بشرح المشكاة (ص 384).
(3)
الطرق: ضرب من ضروب الكهانة، وقد ذكر أهل العلم له تفسيرات منها: أنه الخط يخط في الأرض، وأنه الضرب بالحصى بطريقة مخصوصة فيتوصل الكاهن بزعمه عن طريقها إلى معرفة الغيب.
انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 403)، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 62)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/ 32).
(4)
العيافة: هي زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، والاستدلال بذلك على الحوادث، واستعلام ما غاب.
انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 403)(2/ 515)، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 45)، والفائق في غريب الحديث للزمخشري (3/ 44)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/ 330).
(5)
الزواجر (2/ 109).
(6)
المصدر السابق (2/ 109).
فمنهم من قال: هما بمعنى واحد
(1)
.
ومنهم من قال: بالتفريق بينهما، واختلف هؤلاء في تحديد وجه الفرق بينهما:
فمنهم من قال بأن الكاهن أعم من العراف فهو يطلق عليه وعلى غيره ممن يدعي علم الغيب؛ وذلك لكون الكاهن يخبر عن المستقبل والماضي بخلاف العراف فهو إنما يخبر عن الواقع، ومن هؤلاء ابن الأثير
(2)
(3)
والحافظ ابن حجر العسقلاني
(4)
، وهو ما ذهب إليه ابن حجر في كلامه المتقدم.
ومنهم قال بأن العراف أعم من الكاهن، وأن "العراف اسم عام للكاهن والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغيبية"
(5)
، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية
(6)
، والشيخ سليمان بن عبد الله
(7)
، والشيخ عبد الرحمن بن حسن
(8)
(9)
-رحمهم الله تعالى-.
ومما يؤيد ذلك أن العرّاف مبالغة من المعرفة، وعليه فإنه يشمل كل
(1)
شرح صحيح مسلم للنووي (14/ 227)، تيسير العزيز الحميد (ص 412)، فتح المجيد (2/ 493 - 494).
(2)
هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري ثم الموصلي، أبو السعادات، المشهور بابن الأثير، من مؤلفاته: النهاية في غريب الحديث، البديع، شرح غريب الطوال. وغيرها، توفي سنة 606 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 488)، شذرات الذهب (5/ 22).
(3)
انظر: النهاية (3/ 218).
(4)
انظر: فتح الباري (10/ 216 - 217).
(5)
مجموع الفتاوى (35/ 173).
(6)
انظر: المصدر السابق (35/ 173).
(7)
انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 412).
(8)
هو عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المجدد الثاني، وحفيد إمام الدعوة، من مؤلفاته: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، والقول الفصل النفيس، والمورد العذب الزلال، توفي سنة 1285 هـ.
انظر: الأعلام (3/ 304)، علماء الدعوة (ص 40).
(9)
انظر: فتح المجيد (2/ 493).
من تعاطى هذه الأمور الغيبية وادعى المعرفة بها
(1)
.
وعلى كل حال فإن الكاهن والعراف بمعنى متقارب، وكلاهما يشتركان في ادعاء علم الغيب.
ولهذا نُقل عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن الكاهن فقال: "هو نحو العراف"
(2)
.
وما قرره ابن حجر في الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من كونها مما ينافي التوحيد هو مما وافق فيه أهل السنة والجماعة
(3)
.
ولا يعارض ذلك كونه عد الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من الكبائر؛ وذلك لأنه عد في الكبائر أمورًا صرح بكونها كفرًا لا كبيرة كالشرك
(4)
، والنفاق
(5)
، وتعمد الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم
(6)
وغير ذلك؛ معللًا ذلك بأن مقصوده استيفاء الكلام على سائر ما قيل إنه كبيرة وإن لم يكن كذلك عنده
(7)
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه عرف الكهانة والعرافة بما يدل على كونهما من ادعاء علم الغيب
(8)
وجعل ما يلحق بهما مقيسًا عليهما لاشتراكه في هذا الملحظ
(9)
-كما سبق-، وقد صرح في غير موضع من كتبه بكفر من ادعى علم الغيب
(10)
.
وأما قوله باشتراك الكهانة والعرافة وما ألحق بهما من الطرق والعيافة في الأحكام فهو متجه؛ خاصة مع كون بعض أهل العلم لا يرى التفريق بين الكاهن والعراف، ومن فرق منهم جعل أحدهما أعم من الآخر فهو يتضمنه وزيادة -كما سبق-.
(1)
انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (2/ 48).
(2)
أحكام أهل الملل للخلال (2/ 533).
(3)
انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 182)، الكافي لابن قدامة (4/ 166)، الفتاوى لابن تيمية (35/ 173، 193)، تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان (ص 405 - 416)، فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن (2/ 487 - 498).
(4)
انظر: الزواجر (1/ 27).
(5)
انظر: المصدر السابق (1/ 79).
(6)
انظر: المصدر السابق (1/ 97).
(7)
انظر: المصدر السابق (1/ 27).
(8)
انظر: المصدر السابق (2/ 109).
(9)
انظر: المصدر السابق (2/ 109).
(10)
انظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 224)، والفتاوى الحديثية (ص 160).
يقول الإمام الخطابي رحمه الله: "وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم [يعني: العرّاف وما في معناه] وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم"
(1)
.
وهذه الأحكام التي ذكرها ابن حجر يدل عليها أحاديث كثيرة منها:
ما جاء عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا"
(2)
.
وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرّافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"
(3)
.
وما رواه عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكَهَّن أو تُكُهّن له"
(4)
.
فقد تضمنت هذه الأحاديث ثلاثة أحكام:
الأول: حرمة إتيان الكهان والعرافين ومن في معناهم وسؤالهم سواء صدقهم أو لم يصدقهم أو شك في خبرهم، بخلاف من أتى إليهم وسألهم
(1)
معالم السنن (5/ 371).
(2)
أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (4/ 1751) برقم (2230).
(3)
أخرجه أحمد (15/ 331) برقم (9536)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (1/ 430) برقم (503)، والحاكم (1/ 8)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 135).
قال الحاكم: "صحيح على شرطهما جميعًا، ولم يخرجاه".
وقال الهيثمي في المجمع (5/ 117): "رجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وجَوَّدَ إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 217).
(4)
أخرجه البزار في مسنده (9/ 52) برقم (3578)، والدولابي في الكنى (2/ 166)، والطبراني في الكبير (18/ 162) برقم (355) من طريق إسحاق بن الربيع أبي العطار عن الحسن عن عمران بن حصين به.
قال الهيثمي في المجمع (5/ 103 - 104): "رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن الربيع، وثقه أبو حاتم، وضعفه عمرو بن علي، وبقية رجاله ثقات".
وجَوَّدَ إسناده الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (4/ 33)، والحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 224).
والحديث له شواهد فقد روي مرفوعًا من حديث ابن عباس وعلي رضي الله عنهم.