الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مما سبق يمكن حد استدراك التنقيح بأنه: تعقيب مُصلِح بعبارة موجزة واضحة.
شرح التعريف:
تعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.
مُصلح: نوع هذا التعقيب إصلاح الخلل في عبارة المستدرَك عليه، وليس مجرد التنبيه عليه.
بعبارة موجزة: قيد، فيخرج به التعقيبات المطولة. ومن صور الإصلاح الموجز: حذف المكرر والمطول في عبارة المستدرك عليه والتي تسبب اللَّبْس في الفهم.
واضحة: يشمل وضوح منطوقها ومفهومها.
• تنبيه:
التعريف ليس خاصًّا بالكتب التي حملت اسم (تنقيح)؛ بل يعم جميع كتب الأصول التي يذكر فيها تنقيح المسائل الأصولية.
أمثلة استدراك التنقيح:
يمكن أن يذكر من أمثلة استدراك التنقيح ما قام به المنقحون من العدول عن عبارات المتن إلى عبارات أخرى يرون أنها أصلح وأبعد عن الاعتراضات؛ ومن أمثلة ذلك:
• المثال الأول:
مخالفة التبريزي للفخر الرازي في حد الواجب؛ حيث عرفه الإمام بأنه: "ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه"(1).
(1) المحصول (1/ 95).
وعرفه التبريزي بأنه: "المأمور المهدد بالعقاب على تركه"(1).
وذكر القرافي على حد الإمام ثمانية أسئلة، ثم أورد حد التبريزي وقال: "
…
فاندفع عنه السؤال الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، والثامن، ولا يرد عليه غير السادس فقط" (2).
فإعراض التبريزي عن حد الرازي إلى حد آخر كان تنقيحًا منه لحد الواجب؛ حيث سلم حده من سبعة اعتراضات ذكرت على حد الرازي.
• المثال الثاني:
ما قام به التبريزي من حذف الأدلة التي ذكرها الإمام في مسألة الحسن والقبح (3)، وتلخيص هذه الأدلة بعبارات موجزة، فقال: "وقد اعتمد المؤلف في الرد عليهم (4)
على سلب خيرة الفعل، وحصر الأفعال الإنسانية في الاضطرار أو الاتفاق،
(1) تنقيح المحصول للتبريزي (1/ 16)
(2)
نفائس الأصول (1/ 241، 263).
(3)
يُنظر هذه المسألة في المحصول (1/ 105 - 108).
(4)
أي المعتزلة. والخلاف في مسألة: الحسن والقبح إنما هو في الحسن والقبح الشرعي، أما كون الفعل حسنًا وقبيحًا بمعنى الملاءمة والمنافرة؛ كالعسل حلو، والليمون حامض، أو الكمال والنقصان؛ كعلو العلم ونقصان الجهل؛ فلا نزاع في كونهما عقليين.
فاختلف العلماء في الحسن والقبح الشرعي على أقوال:
القول الأول للمعتزلة: قالوا: العقل يُعلم به حسن الأفعال وقبحها في حق الله والعباد، ومن لم يحقق دليل العقل فهو معاقب ولو لم يأته رسول.
القول الثاني للأشاعرة: أنكروا الحسن والقبح العقليين مبالغة منهم في مخالفة المعتزلة، فقالوا: العقل لا يعلم به حسن الأفعال وقبحها في حق الله ولا العباد.
القول الثالث لإمام الحرمين الجويني: قال بالتحسين والتقبيح في حق العباد دون أفعال الله.
القول الرابع وهو رأي أهل السنة من السلف: أن حسن الأفعال وقبحها ثابت بالعقل؛ لكن الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع، فلا يعذب من خالف قضايا العقول حتى يبعث إليهم رسول.
يُنظر: المعتمد (2/ 323)؛ البرهان (1/ 87 - 94)؛ البحر المحيط (1/ 134 - 147)؛ ويُنظر كذلك المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: 74 - 82).
وبناه على تقسيم لا طائل تحته فقال: (فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك أو لا، فإن لم يتمكن ثبت الاضطرار، وإن تمكن فرجحان فاعليته على تاركيته إما أن يتوقف على مرجح أو لا، فإن لم يتوقف ثبت الاتفاق، وإن توقف فالمرجح إما أن يكون منه، أو من غيره، أو لا منه ولا من غيره، والأول تسلسل، والثاني والثالث اضطرار؛ لأن المرجح يجب أن يكون وقوع الفعل عنده؛ وإلا عاد التقسيم إلى أن ينتهي إلى اضطرار أو اتفاق). هذا محصول تطويله" (1).
• بيان الاستدراك:
اعتمد الرازي على نفي التحسين والتقبيح العقليين على أن فعل العبد اضطراري، وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنًا وقبيحًا عقلاً بالاتفاق؛ لأن القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان اختياريًا. واعتمد الرازي في نفي التحسين والتقبيح العقليين على تقسيم طويل، واختصره التبريزي في أن فعل العبد بين الاضطرار (2) أو الاتفاق (3).
فقال: فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك، أو لا. فإن لم يتمكن من ترك القبيح ثبت الاضطرار. وإن كان متمكنًا من فعل القبيح وتركه فهذا يفضي إلى افتقار ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أو لا، فإن لم يفض كان الفعل اتفاقيًا، والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه، فإن كان المرجح
(1) تنقيح المحصول للتبريزي (1/ 28).
(2)
أي: أن العبد مسلوب الاختيار.
(3)
المراد بالاتفاق: أي يفعله الفاعل أو يتركه من غير سبب؛ من قولهم: كيفما اتفق. استفدت هذا المعنى من فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبدالرحمن القرني - حفظه الله-.
من العبد لزم التسلسل؛ وذلك لأن التقسيم سيعود إلى أن فعل العبد بين الاضطرار أو الاتفاق، وإن كان المرجح من غيره، أو كان المرجح لا منه ولا من غيره؛ لزم الاضطرار؛ لأن فعله يكون حينئذ غير اختياري.