الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ولقائل أن يقول) تمييزًا لها عما ورد في الكتاب (1)، وعبارته هذه تدل على ذوق سليم وأدب رفيع كان يتحلى به القاضي سراج الدين الأرموي؛ حيث إنه ينسب الملاحظة أو الاستدراك لمجهول تواضعًا منه، ووأدًا لغريزة حب الظهور؛ لأن العلم لا يتعلم ليُمارى به العلماء، ولا يُقال فلان أعلم من فلان" (2).
•
سادسًا: الاعتراف بفضل المستدرَك عليه
.
إذا انتهى من الاستدراك فلا ينسى الاعتراف بفضل المستدرَك عليه؛ فإن هذا الخلل مغموس في محاسن علمه، ولا ينقص من منزلته ومكانته العلمية.
وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا
…
كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ (3)
وهذا منهج نبوي، فعن علِيٍّ رضي الله عنه قال: «بعَثَنِي رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وأَبَا مرْثَدٍ الْغنَوِيَّ (4)
والزُّبَيْرَ بن الْعوَّامِ (5) -وكُلُّنَا فارِسٌ- قال: انْطلِقُوا حتى تأْتُوا
(1) يقصد بالكتاب: المحصول للرازي.
(2)
يُنظر: مقدمة تحقيق الحاصل (1/ 131).
(3)
البيت ليزيد بن خالد المهلبي. يُنظر: زهرة الآداب (1/ 63)؛ نهاية الأرب في فنون الأدب (3/ 90)؛ خزانة الأدب وغاية الأرب (1/ 456). وقيل: لعلي بن الجهم. يُنظر: المنتحل (ص: 100).
(4)
هو: أبو مرثد، كناز بن الحصين الغنوي، ويقال: حصين بن كناز، وقيل: اسمه: أيمن، والمشهور الأول، صحابي اشتهر بكنيته، حليف لحمزة بن عبدالمطلب، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآخى الرسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبادة ابن الصامت، (ت: 12 هـ) في خلافة أبي بكرالصديق رضي الله عنهم.
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (4/ 1754)؛ الإصابة (7/ 369)؛ الوافي بالوفيات (24/ 278).
(5)
هو: أبو عبدالله، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزي بن قصي بن كلاب القرشي، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفية، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: ثمان سنين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ت: 36 هـ) بعد أن انصرف يوم الجمل وترك القتال، فلقيه ابن جرموز فقتله.
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (2/ 510)؛ سير أعلام النبلاء (1/ 41)؛ الإصابة (2/ 553).
روْضَةَ خَاخٍ (1)؛ فإن بها امْرأَةً من الْمشْرِكِينَ معَهَا كتَابٌ من حَاطبِ بن أبي بَلتَعَةَ (2) إلى الْمشْرِكِينَ. فَأَدرَكْنَاهَا تَسيرُ على بَعيرٍ لها حَيثُ قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقلْنَا: الْكتَابُ؟ فقالت: ما معَنَا كتَابٌ. فَأَنَخنَاهَا فَالتَمَسْنَا فلم نرَ كتَابًا، فَقلْنَا: ما كذَبَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَتخْرِجِنَّ الْكتَابَ أو لَنجَرِّدَنَّكِ، فلما رأَتْ الْجدَّ أَهوَتْ إلى حجْزَتِهَا -وَهيَ محْتَجِزَةٌ بكِسَاءٍ- فَأَخرَجَتْهُ، فَانطَلَقْنَا بها إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال عمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، قد خانَ اللهَ وَرَسولَهُ وَالْمؤْمِنِينَ، فَدَعْني فَلأَضْرِبَ عنُقَهُ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حمَلَكَ على ما صَنَعتَ؟ قال حَاطبٌ: والله ما بي أنْ لا أَكونَ مؤْمِنًا باللهِ وَرَسولِهِ صلى الله عليه وسلم، أَرَدتُ أنْ يَكونَ لي عنْدَ القَوْمِ يدٌ يَدفَعُ الله بها عن أَهْلي وَمَالي، وَلَيسَ أحَدٌ من أَصْحَابكَ إلا له هنَاكَ من عَشيرَتِهِ من يَدفَعُ الله بهِ عن أَهْلهِ وَمَالهِ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدَقَ ولا تقُولُوا له إلا خيْرًا. فقال عُمرُ: إنه قد خانَ اللهَ ورَسُولَهُ وَالْمُؤْمنِينَ، فَدَعْني فَلأَضْرِبَ عُنُقهُ. فقال: ألَيْسَ من أهْلِ بدْرٍ؟ فقال: لعَلَّ اللهَ اطلع إلى أهْلِ بدْرٍ فقال: أعملوا ما شئْتُمْ؛ فقَدْ وجَبَتْ لكُمْ الْجنَّةُ -أو فقَدْ غفَرْتُ لكُمْ-. فدَمَعَتْ عيْنَا عُمرَ وقال: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ" (3).
(1) روضة خَاخ: موضع بين الحرمين، بقرب حمراء الأسد من جهة المدينة النبوية، وهي من أحماء المدينة التي حماها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده لرعي خيل وإبل وأغنام بيت أموال المسلمين.
يُنظر: الأماكن ما اتفق لفظه وافترق مسماه (ص: 391)؛ معجم البلدان (2/ 335). ويُنظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D 8%B 1%D 9%88%D 8%B 6%D 8%A 9_%D 8%AE%D 8%A 7%D 8%AE
(2)
هو: أبو محمد، حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي المكي، حليف بني أسد بن عبدالعزى ابن قصي، من مشاهير المهاجرين، شهد بدرًا والمشاهد، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وكان حاطب من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ت: 30 هـ)، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنهم.
تُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (1/ 21)؛ الطبقات الكبرى (3/ 114)؛ سير أعلام النبلاء (2/ 43).
(3)
يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: فضل من شهد بدرًا، (4/ 1463/ح: 3762)؛ صحيح مسلم، ك: فضائل الصحابة، ب: من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم
…
، (4/ 1942/ح: 2494).
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما استدرك فعلة حاطب رضي الله عنه عرض عمر رضي الله عنه قتله؛ لأنه بخطئه هذا خان الله ورسوله؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس فضل حاطب وجهاده، فجمع حسناته، وذكر بصنيعه يوم بدر، فانغمر خطأ حاطب في بحر حسناته، فقال صلى الله عليه وسلم:«ألَيْسَ من أهْلِ بدْرٍ؟ فقال: لعَلَّ الله اطلع إلى أهْلِ بدْرٍ فقال: اعملوا ما شئْتُمْ؛ فقَدْ وجَبَتْ لكُمْ الْجنَّةُ -أو فقَدْ غفَرْتُ لكُمْ-» .
وهذا المنهج في التعامل مع المستدرَك عليه علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حتى في حياتهم الشخصية، فعن أبي هُريْرَةَ قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يفْرَكُ مُؤْمنٌ مُؤْمنَةً؛ إن كَرهَ منها خلُقاً رضي منها آخرَ» (1). فالاستدراك على خلل الفعل الأول لا يعني هذا نكران فضل المستدرَك عليه في أُموره الأخرى، فتذكر حسناته.
ومثاله في الأصول: قول السمعاني في مسألة (جواز النسخ في الشرعيات): "واعلم أنَّ الأصوليين قد ذكروا الخلاف في هذا مع طائفة من اليهود وشرذمة من المسلمين، ونسبه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله في كتابه (2) إلى أبي مسلم محمد بن بحر الأصبهاني (3)،
وهذا رجل معروف بالعلم وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ويعد منهم، وله كتاب كبير من التفسير وكتب كثيرة، فلا أدرى كيف وقع هذا الخلاف منه؟ ! " (4).
(1) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الرضاع، ب: الوصية بالنساء، (2/ 1091/ح: 1469).
(2)
يُنظر: التبصرة (ص: 153).
(3)
هو: أبو مسلم، محمد بن بحر الأصفهاني، المعتزلي، من الطبقة الثامنة، كان نحوياً كاتباً بليغاً، مترسلاً جدلاً متكلماً، عالماً بالتفسير وغيره من صنوف العلم، وصار عالم أصبهان وفارس. من مصنفاته:"جامع التأويل لمحكم التنزيل "أربعة عشر مجلداً على مذهب المعتزلة، و"الناسخ والمنسوخ"، وكتاب في النحو وجامع رسائله، (ت: 322 هـ).
تُنظر ترجمته في: بغية الوعاة (1/ 59)؛ فضل الاعتزال (ص: 299، 323)؛ طبقات المعتزلة (ص: 91).
(4)
يُنظر: قواطع الأدلة (3/ 80 - 81).