الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: الجانب الصرفي:
الجانب الصرفي لمادة "دَرَكَ" يأتي على عدة أوزان لازمة ومتعدية (1)، والذي يناسب ما نحن بصدده من تقرير هو المعنى المتعدي، فتقول: استدرك كذا بكذا واستدرك عليه كذا.
ومن الأوزان المتعدية لمادة "درك": افتعل، تفاعل، استفعل، فأدْرك الشيء وتداركه واستدركه بمعنى واحد؛ وهو: لحقه ووصل إليه. (2)
ولكل وزن معانٍ متعددة أذكر منها ما يناسب ويضيف فائدة للمعنى:
1 -
وزن "افْتَعَلَ"، ومنه ادَّرَك، واشتهر في هذا الوزن ستة معان، وما يناسب البحث:
- الاجتهاد والطلب: فالمستدرِك اجتهد وطلب الصواب ليُظهره في المستدرك فيه. (3)
- الإظهار: فالمستدرِك يظهر بالمستدرك به الصواب، فيُكمل نقصًا كان مخفيًا، ويظهر إيضاحًا من قول مبهم ونحو ذلك مما يُظهره المستدرِك بالعملية الاستدراكية. (4)
2 -
وزن "تَفَاعَلَ"، ومنه تدارك، واشتهر فيه أربعة معان، وما يناسب البحث:
- مطاوعة فاعل: داركته فتدارك (5)، ويأتي "تدارك" بمعنى الطلب (6).
(1) يُنظر: تهذيب اللغة (10/ 133)؛ لسان العرب (5/ 249)؛ تاج العروس (27/ 140) مادة: (درك)؛ ويُنظر كذلك: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: 276).
(2)
يُنظر: تهذيب اللغة (10/ 113)؛ أقرب الموارد (1/ 330) مادة: (درك).
(3)
شذا العرف في فن الصرف (ص: 25)؛ دروس التصريف (ص: 77).
(4)
يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: 25).
(5)
يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: 26)؛ دروس التصريف (ص: 80).
(6)
يُنظر: أقرب الموارد (1/ 330).
3 -
وزن "استَفْعَلَ"، ومنه استدرك، اشتهر فيه ستة معان، وما يناسب البحث:
- الطلب، والطلب في "استَفْعَلَ" طلب حقيقي ومجازي، والمراد به هنا الطلب المجازي؛ كقولك: استدركت المسألة، أو استدركت القول، وسميت الممارسة والاجتهاد في الحصول عليه طلبًا؛ حيث لا يمكن الطلب الحقيقي. (1)
- مُطاوعة "أفعل": أدركته فاستدرك. (2)
هذا حاصل ما يُقال في معنى الاستدراك لغة.
أما الاستدراك اصطلاحًا:
فقد عرف بعدة تعريفات، يمكن إرجاعها إلى منهجين:
الأول: تعريف الاستدراك مصطلح عام.
الثاني: تعريف الاستدراك مصطلح خاص بعلم معين.
ولما كان العلم بالخاص موقوفًا على العلم بالعام (3)؛ ناسب أن أبدأ بذكر تعريف الاستدراك مصطلح عام، وله عدة تعريفات:
التعريف الأول: رفع توهُّمٍ تولَّد من كلام سابق (4).
التعريف الثاني: تعقيب الكلام برفع ما يوهم ثبوته (5).
ويلحظ على هذين التعريفين أنهما غير جامعين؛ حيثُ قصرا موضوع الاستدراك على الكلام، وذكرا سببًا من أسباب الاستدراك؛ وهو: رفع التوهم، في حين أن
(1) يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: 27)؛ دروس التصريف (ص: 83).
(2)
يُنظر: دروس التصريف (ص: 83).
(3)
يُنظر: شرح الشمسية في المنطق للتفتازاني (ص: 113)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 33).
(4)
التعريفات (ص: 34)؛ وبنحوه في الكليات (1/ 175)؛ دستور العلماء (ص: 77).
(5)
التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 56).
الاستدراك له أسباب أخرى كما سيأتي بيانها.
التعريف الثالث: تعقيب اللفظ بما يشعر بخلافه (1).
وهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على اللفظ. وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغايير في اللفظ، في حين أن موضوع الاستدراك يشمل اللفظ وغيره كما سيأتي.
التعريف الرابع: ما ذكره أهل العلم -بطلب أو بدون طلب- مخالفة للطعن في رأي المخالف (2).
وهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على الاستدراك العلمي -وإن كان هو المقصود في البحوث العلمية إلا أن المراد تعريف الاستدراك مصطلح عام-، وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغاير في الرأي.
التعريف الخامس: إتباع القول الأول بقول ثانٍ يُصلح خطأه، أو يكمل نقصه، أو يُزيل عنه لَبسًا (3).
التعريف السادس: إصلاح خطأ، أو إكمال نقص، أو إزالة لبس وقع فيه الغير؛ بغية الوصول إلى الصواب (4).
والتعريف الخامس والسادس ذكرا عددًا من أسباب الاستدراك؛ وهي: إصلاح خطأ، إكمال نقص، إزالة لبس.
وموضوع الاستدراك في التعريف الخامس خاص بالأقوال، فهو غير جامع.
(1) المطلع على أبواب المقنع (ص: 416).
(2)
استدراكات الإمام القرطبي على ابن العربي في التفسير (ص: 16).
(3)
استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى دراسة نقدية مقارنة (ص: 16).
(4)
كشف الغطاء عن استدراكات الصحابة النبلاء رضي الله عنهم بعضهم على بعض من خلال الكتب الستة جمعًا ودراسة (ص: 4).
وأما التعريف السادس فموضوع الاستدراك فيه عام من وجه وخاص من وجه، فهو عام للأقوال والأفعال؛ حيثُ عبر بـ"وقع فيه الغير"، وخاص من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم؛ إذ قد يكون المُستدرِك هو نفسه المُستدرَك عليه، فاللغة والواقع لا يمنعان ذلك.
أما اللغة فكقول القائل: استدركت ما فات وتداركته (1)، وتدارك الخطأ بالصواب، والذنب بالتوبة (2).
وأما الواقع الشرعي: فإن المسلم يستدرك الخلل الواقع في صلاته بسجود السهو، ويستدرك كذلك الخلل في الحج بالفدية، ونحو ذلك.
وكذلك الواقع العلمي لا ينافي كون المستدرِك نفس المستدرَك عليه، فكثيرًا ما تجد عالمًا يستدرك على قولٍ سابقٍ له. (3)
التعريف السابع: عملية يقوم بها شخص تكون مكملة لنشاط قام به غيره في المجال نفسه (4).
وموضوع الاستدراك في هذا التعريف عام في الأقوال والأفعال؛ حيث عبرَ بـ"قام به غيره"، وخاص بتكميل نشاط في المجال نفسه، وبالتالي تكميل النشاط في التعريف يكون في الأقوال والأفعال في المجال نفسه.
وخاص أيضًا من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم -كما ذكرت سابقًا-.
(1) يُنظر: الصحاح (ص: 340)؛ المصباح المنير (1/ 193) مادة: (درك).
(2)
يُنظر: المعجم الوسيط (ص: 281).
(3)
وسأذكر لك نماذج من استدراك علماء الأصول على أنفسهم في الفصل الثالث (ص: 338)
(4)
قراءة في استدراكات أم المؤمنين عائشة على روايات الصحابة، (ص: 191)، بحث منشور في مجلة إسلامية المعرفة للباحثة ليلى رامي، السنة العاشرة، العدد 39.
ويظهر لي أن عبارة (مكملة لنشاط) يُراد بها إتمام النقص؛ لأن التكميل والإكمال هو: الإتمام (1)، فهو قد أتى بنشاط ولكنه ناقص يحتاج لإتمام؛ بيد أن تكميل النقص لا يكون دائمًا استدراكاً؛ كوفاة المصنف قبل تمام تصنيفه، فإكماله من مصنف آخر لا يعد استدراكًا؛ فمثلاً: كتاب "الإبهاج شرح المنهاج" صنفه علي بن عبدالكافي السبكي (2) في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي عبدالله بن عمر البيضاوي (3)؛ ولكن المنية وافته قبل إتمام الكتاب؛ حيثُ وصل فيه إلى "مقدمة الواجب"(4)، فأكمله ولده تاج الدين عبدالوهاب السبكي؛ حيث قال: "
…
وقد وصل والدي الشيخ الإمام - جزاه الله الخير- إلى مسألة: مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه" (5). فإكمال التاج السبكي لشرح المنهاج لا يُعد استدراكًا على والده.
وإذا تقرر هذا فينبغي تقييد الإكمال في الاستدراك إذا كان الإتمام متعلقًا بالمستدرك فيه، فالإكمال في المصنفات العلمية إذا كان لذات عبارة المصنف؛
(1) يُنظر: الصحاح (ص: 924)؛ المصباح المنير (2/ 541)؛ القاموس المحيط (ص: 1054) مادة: (كمل).
(2)
هو: علي بن عبدالكافي بن علي السبكي، تقي الدين، شيخ الإسلام، كان متكلمًا فقيهًا أصوليًا ومحدثًا ومفسرًا، من أهم مصنفاته:"أول الإبهاج في شرح المنهاج"، "الدرر النظيم في تفسير القرآن العظيم"، (ت: 756 هـ).
تُنظر ترجمته في: معجم المحدثين (ص: 166)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (10/ 139)؛ بغية الوعاء (2/ 176).
(3)
هو: أبو الخير، عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي، ناصر الدين، كان إمامًا عابدًا، تولى قضاء شيراز، تفوق في الأصول والفقه، وجمع بين المعقول والمنقول. من مصنفاته:"أنوار التنزيل"، " شرح المطالع"، " منهاج الوصول إلى علم الأصول". وأثنى العلماء على كتابه " المنهاج " فقالوا: لو لم يكن له غير المنهاج لكفاه، (ت: 685 هـ) بتبريز.
تُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 273)؛ بغية الوعاة (2/ 50)؛ طبقات المفسرين للداوودي (1/ 248).
(4)
يُنظر: الإبهاج شرج المنهاج (2/ 288).
(5)
الإبهاج شرح المنهاج (2/ 301).
كتكميل النقص في الأقوال والمذاهب التي اقتصر المصنف على البعض منها؛ سمي استدراكًا، أما إذا كان تكميل شيء لم يذكره المصنف فهذا لا يسمى استدراكًا.
التعريف الثامن: تلافي خلل واقع أو مقدر؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (1).
فكلمة: "تلافي" غير جامع؛ لأن الاستدراك لا يشترط فيه التلافي، فقد يكون كذلك، وقد لا يكون؛ كالاستدراك النقدي (2)، والاستدراك لإضعاف دليل الخصم ببيان خطئه (3) وتخليطه ومغالطته.
موضوع الاستدراك في التعريف: "الخلل الواقع أو المقدر"؛ فهو عام في الأقوال والأفعال الواقعة والمقدرة؛ ولكن لفظة "الخلل" لا أرها مناسبة في تعريف الاستدراك كمصطلح عام يشمل جميع العلوم؛ لأن الاستدراك بمعناه البلاغي ثبت في القرآن والسنة فلا يليق تعريف الاستدراك كمصطلح عام بأنه "تلافي خلل"، فالاستدراك
(1) الاستدراك الفقهي تأصيلاً وتطبيقًا (ص: 40).
(2)
والباحثة في موضوع الاستدارك الفقهي ترى أن الاستدراك إصلاح وتلافٍ يقتضي وجود نقد قبله، أما النقد فلا يقتضي تلافيًا في ذاته وإن كان ينبغي أن يكون هدفًا له، وعليه فكل استدراك يلزم نقد، ولا يلزم من النقد استدراك، فالنقد خطوة سابقة للاستدراك، ولازمة له، ولا يلزم من النقد أن يلحقه استدراك. (ص: 52).
وأرى أن كل نقد يلزم استدراكًا؛ وليس كل استدراك يلزم نقدًا، فالاستدراك خطوة سابقة للنقد، وهذا ما يؤكده المعنى اللغوي؛ فإن الاستدراك معناه: اللحوق والتتبع والتعقيب، والنقد بمعنى: ناقش، يقال: نقدت فلانًا إذا ناقشته في الأمر. ويأتي أيضًا بمعنى إبراز المعايب؛ وهذا لا يكون إلا بعد التتبع للقول المراد نقده. فكل نقد فيه تتبع وتعقيب؛ وليس كل استدراك فيه نقد. يُنظر: لسان العرب (14/ 334)؛ تاج العروس (9/ 234 - 235)؛ المعجم الوسيط (ص: 944) مادة: (نقد). وبالمثال يتضح المراد، فكتاب " المستدرك على الصحيحين " للحاكم النيسابوري استدرك فيه ما فات البخاري ومسلمًا من الأحاديث الصحيحة، فتتبع ذلك وأثبته، ولا يقال إنه نقدهما. فمصطلح (الاستدراك) أعم من مصطلح (النقد)، فكل نقد استدراك؛ وليس العكس - والله أعلم -.
(3)
ومن ذلك: استدرك عليه قوله: خطّأه، فهو مستدرك عليه. يُنظر: أقرب الموارد (1/ 330) مادة: (درك).
يستخدمه العرب كمحسن بلاغي (1).
كما أن تقييد موضوع الاستدراك بالخلل يخرج الاستدراك بصيغة (أفعل) للتفضيل؛ كقولهم: الأصوب، الأرجح، الأولى.
وقولها: "في نظر المتلافي" هذا القيد غير لازم؛ لأن المستدرِك قد يستدرك على المستدرَك عليه بلازم له في مذهبه وهو لا يرى ذلك اللازم، بعبارة أخرى: الخصم قد يستدرك على المستدل في دليله بلازم مذهبه -أي مذهب المستدل-، فإن نفى المستدل هذا اللازم انتفى مذهبه؛ لأن انتفاء اللازم انتفاء للملزوم، في حين أن هذا اللازم لو نفاه الخصم لا يترتب عليه شيء؛ لأنه ليس بلازم في مذهب الخصم، وبعبارة الباحثة هذا اللازم خلل للمستدل، وليس بخلل للخصم، وبالتالي ثبت أن تلافي الخلل لا يشترط فيه نظر المتلافي؛ لأن المتلافي هنا الخصم.
كما أن صور الاستدراك الفقهي في العبادات التلافي فيها ليس من نظر المتلافي؛ بل من نظر الشارع؛ فمثلاً: سجود السهو والفدية والكفارات استدراك في نظر الشارع؛ وليس من نظر المتلافي.
(1) ومن ذلك: قول زهير: أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله
…
ولكنه قد يُهلك المالَ نائلُه
فلو اقتصر زهير في بيته على صدر البيت لدل على أن ماله موفور ولأوهم البخل وهي صفة ذم؛ ولكنه استدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح بالشطر الثاني. يُنظر: عقود الجمان (ص: 132)؛ معجم المصطلحات البلاغية (1/ 125).
ودليل وقوع الاستدراك كمحسن بلاغي في القرآن قول السيوطي رحمه الله: "الاستدراك والاستثناء شرط كونهما من البديع: أن يتضمَّنا ضربًا من المحاسن زائدًا على ما يدلُّ عليه المعنى اللُّغوي؛ مثال الاستدراك: {* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]؛ فإنه لو اقتصر على قوله: {لَّمْ تُؤْمِنُوا} لكان منفرًا لهم؛ لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانًا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك لِيُعلمَ أن الإيمان موافقة القلب واللسان، وأن انفراد اللسان بذلك يُسمَّى إسلاماً؛ ولا يُسمَّى إيمانًا، وزاد ذلك إيضاحًا بقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عُدَّ من المحاسن". الإتقان في علوم القرآن (5/ 1746).
المنهج الثاني: تعريف الاستدراك كمصطلح خاص بعلم معين:
تعريفه عند النحويين:
رفع التوهم المتولد من كلام سابق بلفظة (لكنّ) أو (لكنْ) أو (على) أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء (1). (2)
تعريفه عند البلاغيين:
رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء؛ وهو معنى (لكن)، على أن تكون هناك نكته طريفة لتحسنه وتدخله في البديع؛ وإلا فلا يُعد منه (3).
وقيل: هو العود على الكلام السابق بالنقض (4).
وبعض علماء البلاغة يسمي هذا النوع من البديع بالرجوع (5)، ومنهم من يطلق عليه الاسمين-الاستدراك والرجوع- (6)، ومنهم من يجمع بين الاستدراك والاستثناء ويذكر الفرق بينهما (7).
(1) موسوعة النحو والصرف والإعراب (ص: 47)؛ وبنحوه في: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 150).
(2)
يُنظر: مغني اللبيب (1/ 383)؛ الجنى الداني (ص: 105)؛ رصف المباني (ص: 274 - 278).
(3)
يُنظر: معجم المصلحات البلاغية (1/ 124).
(4)
كأن يثبت المنفي، أو ينفي المثبت؛ لنكتة تزيد المعنى حسنًا. يُنظر: كتاب الصناعتين (ص: 395)؛ القول البديع في علم البديع (ص: 130).
(5)
كابن المعتز في البديع (ص: 60)؛ والعسكري في كتاب الصناعتين (ص: 395)؛ والشيخ مرعي الحنبلي في القول البديع (ص: 130).
(6)
كالتبريزي في الوافي (ص: 280)؛ وابن المصري في بديع القرآن (ص: 117)؛ وفي تحرير التحبير (ص: 331).
(7)
كابن الأثير في جوهر الكنز (ص: 247)؛ والسيوطي في معترك الأقران (1/ 390)؛ والإتقان (2/ 88)؛ إلا أن السيوطي فصل بينهما - أي الاستدراك والاستثناء- في شرح عقود الجمان (ص: 132).
تعريفه عند الأصوليين (1):
رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق (2).
وقيل أيضًا في حده: أنْ تنسب لما بعد "لكن" حكمًا مخالفًا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها (3).
تعريفه عند الفقهاء:
إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل، أو قصور، أو فوات (4).
ويُلاحظ من التعريف السابق أن الاستدراك عند الفقهاء على قسمين: قولي وعملي.
•فالاستدراك العملي يذكره الفقهاء في باب العبادات، وله عدة صور؛ كاستدراك القضاء والإعادة والفدية والكفارة وسجود السهو (5).
ومن أمثلة ذلك ما جاء في البحر الرائق (6):
"فالحاصلُ أَنَّ قولهم: إنَّ الْمُعتَمِرَ يُعِيدُ الطَّواف مَحَلُّهُ ما إذا لم يكن قَارِنًا، أَمَّا في الْقَارِنِ إذا دخل يوم النَّحرِ فلا إعادة،
(1) يذكر الأصوليون الاستدراك عند حديثهم عن معاني الحروف -حرف لكن -. يُنظر: قواطع الأدلة (1/ 59)؛ أصول السرخسي (1/ 221)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 266).
(2)
مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو. يُنظر: البحر المحيط (1/ 305)؛ كشف الأسرار للنسفي (1/ 305)؛ مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت (1/ 237).
(3)
التحبير شرح التحرير (1/ 665)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 266).
(4)
الموسوعة الفقهية الكويتية (3/ 269) مادة: "استدراك".
(5)
يُنظر وسائل استدراك النقص في العبادة بالأمثلة في: الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 275).
(6)
(3/ 24).
وعلَّل له مُحَمَّدٌ (1) كما نَقَلَهُ ابن بَدَّارٍ (2) في شرح الجامع الصغير بأنه لو أعاده لانتقضت عمرته؛ لأنه يصير رَافِضًا لها بالوقوف وقد تأكَّدت، فلا يمكن استدراك النَّقص بجنسه فيُجبَرُ بالدَّمِ" (3).
وما جاء أيضًا في شرح منتهى الإرادات (4): "فصلٌ: ومَنْ ترك ركنًا غير تكبيرة الإحرام سهوًا؛ كركوع، أو سجود، أو رفع من أحدهما، أو طمأنينة، فذكره - أي الركن المتروك- بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى غير التي تركه منها؛ بطلت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها؛ لأنه لا يمكنه استدراك المتروك؛ لتلبسه بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته".
• وأما الاستدراك القولي فيذكره الفقهاء في باب المعاملات والأحوال الشخصية والعقوبات.
فنجدهم في هذه الأبواب يذكرون لفظ (استدراك المكلف) وأثر استدراكه على
(1) هو: أبو عبدالله، محمد بن الحسن بن فَرْقَد الشيباني بالولاء، صاحب الإمام أبي حنيفة، وناشر مذهبه، وأخذ أيضًا عن الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأخذ عنه الشافعي، إمام في الفقه والأصول، له مصنفات جليلة أعتنى بها الحنفية منها:"المبسوط"، و" الجامع الصغير"، و" الزيادات"، (ت: 189 هـ).
تُنظر ترجمته في: أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: 125)؛ الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء (ص: 175)؛ تاج التراجم (ص: 237).
(2)
لم أقف له على ترجمة.
(3)
توضيح المسألة: أن المحرم عند الحنفية إذا طاف لعمرته محدثًا ولم يعدها حتى رجع إلى بلده لازمته شاه؛ لترك الطهارة في طواف الفرض، فيجبر هذا النقص بالدم، أما لو كان بمكة فيعيد الطواف. وإعادة الطواف في حالة لو كانت هذه العمرة ليست عمرة المحرم بالحج قارن؛ أما القارن إذا أحرم بالطواف لعمرته وهو محدث؛ يعيد طواف العمرة قبل يوم النحر، ولا شيء عليه؛ لجبر الطواف بجنسه في وقته، فإن لم يعيد الطواف حتى طلع فجر يوم النحر لزمه دم لفوات وقت القضاء؛ وذلك لأنه لو أعاد عمرته بعد الوقوف بعرفة أصبح رافضًا لها؛ لأنه أدخل العمرة على الحج، والقارن يدخل الحج على العمرة.
(4)
(1/ 226)، ومثله في مطالب أولي النهى (1/ 521).
عقده؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره السَرَخْسِي (1): "ولو قال: مئة درهم؛ لا بل مائتان؛ في القياس يلزمه ثلاثمائة، وبه قال زفر (2) رحمه الله. وفي الاستحسان يلزمه مائة درهم.
وجه القياس: أن كلمة (لا بل) لاستدراك الغلط بالرجوع عن الأول وإقامة الثاني مقام الأول، فرجوعه عن الإقرار بالمائة باطل، وإقراره بالمائتين على وجه الإقامة مقام الأول صحيح، فيلزمه المالان؛ كما لو قال: له علي مائة درهم؛ لا بل مائة دينار، أو قال لامرأته: أنت طالق واحدة؛ لا بل اثنين، يقع ثلاث تطليقات.
وجه الاستحسان: أن الإقرار إخبار، والغلط يتمكن في الخبر، والظاهر أن مراده بذكر المال الثاني استدراك الغلط بالزيادة على المال الأول؛ لا ضم الثاني إلى الأول .... " (3).
وقال المرداوي (4): "قوله: وإِنْ قال: غصبت هذا العبد من زيد؛ لا بل من
(1) هو: أبو بكر، محمد بن أحمد بن سهل السرخسي، يلقب بشمس الأئمة، كان فقهيًا أصوليًا مجتهدًا، سجن في جب بأوزجند بسبب نصيحة لبعض الأمراء، فأملى" المبسوط " من خاطره وهو في السجن وأصحابه في أعلى الجب. من مصنفاته:"المبسوط"، " شرح السير الكبير " وكلاهما في الفقه، " أصول الفقه " واشتهر باسم " أصول السرخسي"، (ت: 483 هـ)، وقيل غير ذلك.
تُنظر ترجمته في: الجواهر المضيئة (3/ 78)؛ تاج التراجم (ص: 234 - 235)؛ الفوائد البهية (ص: 206 - 207).
(2)
هو: أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس العنبري، كانت ولادته عام (110 هـ)، فقيه كبير من أصحاب أبي حنيفة، ولي القضاء بالبصرة، وتوفي بها سنة (158 هـ).
تُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 141)؛ تاريخ أصبهان (1/ 373)؛ تاج التراجم (ص: 169).
(3)
المبسوط (18/ 9).
(4)
هو: أبو الحسن، علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، العلامة المحقق، شيخ المذهب، وإمامه، ومصححه، ومنقحه، صنف التصانيف الكثيرة منها؛ " الإنصاف"، و" التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، و" التحبير شرح التحرير" في أصول الفقه، (ت: 885 هـ).
تُنظر ترجمته في: مختصر طبقات الحنابلة (ص: 76)؛ شذرات الذهب (7/ 340).
عمرو، أو ملكه لعمرو وغصبته من زيد؛ لا بل من عمرو؛ لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو على الصَّحيح من المذهب .... وقيل: لا إقرار مع استدراك متصل، واختاره الشيخ تَقِيُّ الدِّينِ (1) رحمه الله، وهو الصواب" (2).
وقال المَاوَرْدِيُّ (3): "فأما إن قال: لا والله، وبلى والله، فجمع بينهما؛ كان الأول لغوًا؛ لأنها غير مقصودة، وكانت الثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة"(4).
وأيضًا جاء في تعريف الاستدراك الفقهي: أنه تلافي خلل واقع أو مقدر بعمل فقهي؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (5).
(1) هو: أبو العباس، أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله النميري الحراني ثم الدمشقي، الإمام الحافظ المجتهد شيخ الإسلام، أفتى ودرس وهو دون العشرين؛ من أهم مصنفاته:"اقتضاء الصراط المستقيم"، و"العقيدة الواسطية"، و"منهاج السنة" وغيرها كثير، (ت: 728 هـ) معتقلاً بقلعة دمشق.
تُنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 387)؛ تذكرة الحفاظ (2/ 1496)؛ الأعلام (1/ 140 - 141).
(2)
الإنصاف (12/ 197).
(3)
هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، شيخ الشافعية، تفقه على أبي حامد الإسفراييني، وحدث عنه أبو بكر الخطيب. له مصنفات كثيرة في الفقه، والتفسير، والأصول، والأدب، ولي القضاء ببلاد كثيرة، ودرس بالبصرة وبغداد سنين. من مصنفاته:"الأحكام السلطانية"، و" الإقناع"، و"الحاوي"، (ت: 450 هـ).
تُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 138)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 267)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (ص: 83).
(4)
الحاوي (15/ 289)؛ ونقله عنه الشربيني في الإقناع (2/ 603)؛ وفي مغني المحتاج (4/ 325).
(5)
الاستدراك الفقهي تأصيلاً وتطبيقًا (ص: 47).
الفرق بين استخدام الاستدراك عند الأصوليين والفقهاء (1):
هناك تباين في المنهجين:
فالأصوليون: يُريدون الاستدراك في النصوص الشرعية؛ فالبحث الأصولي لكلمة (الاستدراك) يُراد به الاستدارك في النص الشرعي؛ كصيغة (لكن) ونحوها.
أما الفقهاء: يستعملون كلمة (الاستدراك) الذي هو من عمل المكلف.
تعريفه عند المفسرين:
اتباع المفسر قولاً يذكره في بيان معنى في القرآن بقول آخر يصلح خطأه، أو يكمل نقصه (2).
وعرفوه أيضًا بأنه: تعقب مفسر متأخر مفسرًا متقدمًا في بعض آرائه المتعلقة بالتفسير، ويُتبع ذلك التعقيب -غالبًا- بالتصحيح وترجيح ما يراه المتأخر، وقد يرد المستدرِك على المستدرَك عليه، وقد لا يرد (3).
ومن خلال ما تقدم من التعريفات يتضح لنا أن سمات الاستدراك هي:
1 -
ارتباط عمل المستدرِك بعمل سابق، فلا بد من وجود سابق مستدركٍ عليه، ولاحق مستدركٍ به.
2 -
المخالفة بين المستدرك فيه -العمل الأول- والمستدرك به -العمل اللاحق-، فالاستدراك لا يكون على مطابق.
3 -
اتحاد متعلق المستدرك به بالمستدرك فيه، فمورد الاستدراك يكون على محل واحد.
(1) ذكر هذا الفرق معالي الشيخ سعد الشثري - حفظه الله تعالى -.
(2)
يُنظر: استدراكات السلف في التفسير (ص 34).
(3)
استدراكات ابن عاشور على الرازي والبيضاوي وأبي حيان في تفسيره التنوير والتحرير دراسة نظرية تطبيقية (ص: 72).
4 -
تعدي فعل الاستدراك.
وعلى هذا فأي تعريف تحققت فيه هذه السمات فهو مؤد للمقصود.
التعريف المختار للاستدراك في الاصطلاح:
قبل ذكر التعريف المختار لمصطلح (الاستدراك) أحدد ضوابطه:
الضابط الأول: لم أَتَكَلَّفْ إنشاء هذا الحد على ما يرسمُه المناطقة (1)؛ فرارًا من التَّعَقُّبِ اللامتناهي أولاً، ولأن الغرض - وهو التصوير- يحصل بما ذكرت ثانيًا. (2)
الضابط الثاني: راعيتُ تعدية فعل (الاستدراك).
الضابط الثالث: جعلت موضوع الاستدراك عامًا، ليشمل الاستدراك الأقوال والأفعال.
الضابط الرابع: جعلت سبب الاستدراك عامًا، فيشمل جميع أسباب الاستدراك.
الضابط الخامس: راعيت لازم تأخير الاستدراك عن المستدرك عليه.
الضابط السادس: راعيتُ ما أفاده الجانب الصرفي من معانٍ.
ومن خلال الضوابط السابقة وما تقدم من التعريفات اللغوية والاصطلاحية يمكن صياغة تعريف للاستدراك - بعد الاستعانة بالله - بأنه:
تعقيب الشيء بما يخالفه في نفسه.
(1) قسم المناطقة المعرِّفات إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: الحدود، وهي التي تشتمل على الذاتيات، وأما القسم الثاني: فالرسم، وهو الذي يشتمل على العرضيات - اللوازم الخارجية-. وكل منهما ينقسم إلى تام وناقص. يُنظر: شرح الحضري على السلم المنورق (ص: 28)؛ شرح التفتازاني على شمسية المنطق (ص: 194 - 195)؛ حاشية الصبان على شرح السلم المنورق (ص: 82 - 83)؛ ضوابط المعرفة (ص: 62 - 63).
(2)
وأشار إلى هذا المعنى أ. د. عبدالوهاب أبو سليمان في كتابه " منهج البحث في الفقه الإسلامي "(ص: 178).
شرح التعريف وبيان محترزاته:
التعريف بـ "التعقيب" للأسباب التالية:
1 -
أن الحد به أعم من الحد برفع التوهم، أو إصلاح الخطأ، أو إكمال النقص، أو تلافي الخلل؛ وذلك لما يلي:
أ- أن التعقيب لازم للاستدراك، فلا يخلو الاستدراك من التعقيب بمعنى التَّتَبُّع، بخلاف التعريفات المذكورة -رفع توهم، إصلاح خطأ، إكمال نقص، تلافي خلل-؛ لأنها وإن كانت مقصودة في بعض صور الاستدراك -كما سيأتي- إلا أنها غير لازمة للاستدراك؛ فالاستدراك النقدي والاستدراك على الخصم لا يحصل فيهما إصلاح، أو إكمال، أو تلافٍ.
ب- أن المعاجم تذكر معاني تلازم التعقيب زيادة على أصل المادة: من التَّتَبُّعِ، والطلب، والتدبر، والنظر ثانية، والتفحُّص (1)، وهذه المعاني من صفات المستدرِك، ولا توجد في التعريفات الأخرى؛ كرفع توهم، وإصلاح خطأ، وإكمال نقص، وتلافي خلل. كما أن هذه المعاني تحقق الإضافة التي أفادها الجانب الصرفي لمادة "درك".
2 -
المعاجم ذكرت في تعريف التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر (2)، فيتحقق في التعريف بالتعقيب لازم تأخير المستدرِك عن المستدرَك عليه.
3 -
عبرت بلفظ "التَّعقيب" بدلاً عن لفظ "التَّعَقُّب" لمراعاة الفرق الذي جاء في معجم لغة الفقهاء (3)؛ حيثُ عرف (التَّعقُّب) بـ"التتبع لإظهار الخطأ أو الخلل". وعرف (التَّعقيب) بـ"ما يُثبتُه بعد التتبع. وهو إصلاح الخطأ، أو سد الخلل". (4)
(1) يُنظر: لسان العرب (10/ 218) مادة: (عقب).
(2)
يُنظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 188). ويُنظر كذلك: الصحاح (ص: 722)؛ لسان العرب (10/ 214 - 215) مادة: (عقب).
(3)
(ص: 136).
(4)
الاستدراك يطلق على الفعل الذي هو المصدر، فيقال: استدراك فلان: أي وقت فعله؛ فيكون: تعقيبًا. كما يطلق أيضًا على المفعول؛ فيكون تعقيبًا. والمراد به هنا المفعول: أي آثر فعل الاستدراك.
4 -
الوزن الصرفي للتعقيب: (تَفعيل)، وهو وزن قياسي من الفعل (فعَّل)، ويأتي بعدة معانٍ، والمناسب للتعقيب: التكثير في الفعل (1). فالمستدرِك يُكثر من النظر والتدبر والتفحص في عبارة المستدرَك عليه.
فإن قلت: تعريف الاستدراك بالتعقيب تعريف الشيء بمرادفه، وهذا فيه الدَّوْر (2)، والدور لا يصح في التعريفات.
فالجواب: لا أسلم أن التعقيب مرادف للاستدراك؛ لأن الاستدراك لغة: اللُّحوق، واللُّحوق والتعقيب لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا ترادف بينهما وإن اشتركا في بعض اللوازم. (3)
وجواب ثانٍ: سلمتُ أن التعقيب مرادف للاستدراك، فيجوز تعريف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا شك أن لفظ (التعقيب) أوضح من لفظ (الاستدراك) بالنسبة للسامع، فعرف به زيادة في البيان والإيضاح (4)، وهذا يسمى (التعريف اللفظي)(5).
التعبير بـ" الشيء ": يعم القول والفعل، ويعم أيضًا الشيء الواقع والمقدر؛
(1) يُنظر: شذا العرف في معاني الصرف (ص: 24، 43)؛ دروس التصريف (ص: 73، 86).
(2)
الدَّوْرُ: توقف العلم بكل واحدٍ من الشيئين على العلم بالآخر. يُنظر: التعريفات (ص: 140) الكليات (ص: 447).
(3)
جاء في المعاجم تفسير كل من الاستدراك والتعقيب بعدة معانٍ مختلفة، واتفقوا في معنى: التتبع. يُنظر: مقاييس اللغة (4/ 79)؛ لسان العرب (10/ 218)؛ أقرب الموارد (2/ 806)؛ المعجم الوسيط (ص: 613) مادة: (عقب). ويُنظر: الصحاح (ص: 340)؛ لسان العرب (5/ 248)؛ المصباح المنير (1/ 192)؛ القاموس المحيط (ص: 938)؛ أقرب الموارد (1/ 330) مادة: (درك).
(4)
وممن عرف الاستدراك بالتعقيب: البعلي في المطلع (ص: 461)؛ والمناوي في التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 56).
(5)
التعريف اللفظي: تعريف اللفظ بلفظ آخر مرادف له، معلوم عند المخاطب؛ كتعريف البر بالقمح، والقسورة بالأسد، والعُقَارُ بالخمر. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (1/ 208)؛ إيضاح المبهم من معاني السلم في المنطق (ص: 9)؛ روضة الناظر (1/ 65)؛ ضوابط المعرفة (ص: 66).
وذلك لأن "الشيء"(1) مفرد محلى بـ" أل" وهو من صيغ العموم (2).
التعبير بـ"بما": "بما" جار ومجرور متعلق بالمصدر "تعقيب". و"ما" من صيغ العموم (3)، فتعم الاستدراك على الأقوال والأفعال، ولا مانع من تصور ذلك _أي وقوع الاستدراك على الأقوال والأفعال_ وجوازه؛ بدليل الوقوع في لغة العرب؛ إذ الوقوع دليل الجواز.
فمثال استعماله في القول عند أهل اللغة: قولهم: استدرك عليه القول: أصلح خطأه، أو أكمل نقصه، أو أزال لَبْسًا. (4)
وأما استعماله في الفعل عند أهل اللغة فمنه قول زهير:
تَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما
…
تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (5)
أي تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بالصلح بعدما تفانوا بالحرب. (6)
(1) مثل المعتزلة للعام المطلق - وهو العام الذي لا أعم منه - " بالشيء "؛ لأنه يعم الموجودات والمعدومات في نظرهم، واعترض عليهم الجمهور بأن " الشيء " لا يتناول المعدوم، فالأعم المطلق عندهم " المعلوم". وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يوجد عام مطلق؛ بل كل عام لابدَّ أن يكون هناك ما هو أعم منه. يُنظر: المستصفى (3/ 213)؛ المعتمد (1/ 192)؛ مختصر الروضة (2/ 461 - 462)؛ الكافي شرح البزدوي (1/ 208 - 209)؛ شرح الكوكب المنير (3/ 104 - 105). وعلى أية حال فالتعبير " بالشيء " في الاستدراك صحيح؛ لأن الاستدراك لا يتصور على المعدوم، فالمستدرِك إنما يستدرك على موجود.
(2)
يُنظر: التبصرة (ص: 64)؛ القواطع (1/ 312 - 315)؛ المسودة (ص: 84)؛ العقد المنظوم في الخصوص والعموم (2/ 19).
(3)
يُنظر: اللمع (ص: 69)؛ قواطع الأدلة (1/ 315 - 316)؛ المسودة (ص: 79)؛ العقد المنظوم في الخصوص والعموم (1/ 373).
(4)
يُنظر: المعجم الوسيط (ص: 281).
(5)
يُنظر: شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها (ص: 59)؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني (ص: 6)؛ العقد الفريد (2/ 266).
(6)
يُنظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني (ص: 6)؛ موسوعة الشعر العربي (الشعر الجاهلي)(2/ 316).
وكذلك التعبير بـ"ما" يشمل الاستدراك الواقع من الخصم، والمقدر من المستدِل، فالاستدراك الواقع من الخصم يكون بتعقيب يرفعه، وأما الاستدراك المقدر من المستدِل فيكون بتعقيب يدفعه.
والتعبير بـ"يخالفه" الهاء في الفعل "يخالف" ضمير يعود على "الشيء"، فلا يتصور الاستدراك بلا مخالفة بين المستدرك فيه والمستدرك به.
والتعبير بالفعل "يخالف" يدل على الإطلاق؛ لأن الأفعال نكرات (1)، فيصدق على مطلق المخالفة، وبالتالي يتناول جميع أسباب الاستدراك؛ وذلك لأن المخالفة قد تكون كلية؛ كتصحيح خطأ، أو دفع توهم في الفهم، أو نقد خصم، أو تخطئته، فالمستدرك به هنا مخالف بالكلية للمستدرك عليه. ومثالها في الأفعال الفقهية: الفدية والكفارة فهي استدراك مخالف لذات العمل.
وقد تكون المخالفة جزئية؛ كإكمال النقص، وما كان على صيغة "أفعل"؛ كبيان الأصوب والأولى، فالمستدرك به هنا موافق للمستدرك عليه في جزء - وهو المذكور-، مخالف له في جزء آخر - وهو ما ذكره بالتكميل وبصيغة أفعل-. ومثالها في الأفعال الفقهية: سجود السهو، استدراك لنقص واجب؛ كترك التشهد الأول، فسجود السهو إكمال نقص، وهو مخالف جزئي للتشهد الأول؛ لأنه ليس كهيئته؛ إلا أنه موافق له من حيث أنه من جنس الصلاة.
كما ينبه أيضًا بأن المخالفة قد تكون صورية (استدراك صوري (2))،
(1) قال الزجاجي: "
…
إجماع النحويين كلهم من البصريين والكوفيين على أن الأفعال نكرات، ولم يكونوا ليجتمعوا على الخطأ، ولايُعِيَّنَه واحد منهم على ذلك مع كثرة علماء الفريقين وفحصهم عن دقائق النحو وغوامض المسائل". الإيضاح في علل النحو (ص: 119). وقال أبو الحسن الوراق: "الأفعال مع فاعلها جُمَلٌ، والجمل نكرات". علل النحو (ص: 364).
(2)
استفدت عبارة " الاستدراك الصوري " من تصريح بعض علماء الشافعية لها في كتب الفقه ومن ذلك مثلاً قول النووي: "قوله: (لكن ينبغي إلخ) أي يجب، وهو استدراك صوري من كونها تصح منهم " يُنظر: روضة الطالبين (2/ 55). ويُنظر أيضًا هذه العبارة في: إعانة الطالبين (1/ 62)(2/ 154)؛ حاشية البجيرمي (2/ 241)(3/ 81)؛ حاشية الشرواني (6/ 357)؛ (7/ 253).
وهذا كالاستدراكات في المسائل ذات الخلاف اللفظي، وأذكر لتقرير هذا قول السمعاني (1) في آخر مسألة (الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء) بعد أن ذكر أدلة كل فريق والاستدراكات الواردة على أدلتهم قال: "واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى في هذه المسألة؛ وإنما الخلاف خلاف عبارة
…
" (2).
وقوله في الاستحسان: "واعلم أن مرجع الخلاف معهم (3) في هذه المسألة إلى نفس التسمية؛ فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به، ولا الذي يقولونه لتفسير مذهبهم: إنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا لا ننكره
…
وعلى الجملة: لا معنى لهذه التسمية، وهي تسمية لا يمكن حدّها بحدّ صحيح تختص به، وأما تفسيرهم الذي يفسرونه نحن قائلون بذلك؛ وليس مما يتحصل فيه خلاف" (4).
والتعبير بـ"في نفسه" جار ومجرور متعلق بالفعل "يخالف" والهاء ضمير يعود على الشيء. والمراد بـ"في نفسه": أي في نفس موضوع ومتعلق المستدرك فيه.
واحترزتُ بهذا القيد من أمرين:
(1) هو: منصور بن محمد بن عبدالجبار، أبو المظفر السمعاني، كان عالمًا زاهدًا ورعًا، إمام عصره، صنف التصانيف الكثيرة منها؛ "منهاج أهل السنة"، و"البرهان في الخلاف"، (ت: 489 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (19/ 114)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 335)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 273).
(2)
قواطع الأدلة (1/ 178). وممن قرر أن الخلاف في هذه المسألة خلاف عبارة: أبو الحسن البصري في المعتمد (1/ 87)؛ الشيرازي في اللمع (ص: 54)؛ الجويني في البرهان (1/ 268). ويُنصح في هذا الباب الاطلاع على كتاب الخلاف اللفظي عند الأصوليين للدكتور عبدالكريم النملة.
(3)
أي مع الحنفية.
(4)
قواطع الأدلة (4/ 520 - 522).
الأول: مطلق المخالفة، فالمخالفة في الاستدراك ليست مطلقة؛ بل مقيدة في نفس متعلق المستدرك فيه.
الثاني: تكميل التأليف لعمل سابق، لا يسمى استدراكًا؛ لأن التكميل ليس في نفس متعلق المستدرك فيه، بيد أن التكميل في الأقوال والمذاهب يدخل في مسمى الاستدراك؛ لأن التكميل لنفس المستدرك فيه.
وأما الكلمة الثانية من المركب فهي "الأصولي":
وأبحثها من الجانب اللغوي في نقطتين:
الأولى: الجانب الاشتقاقي: فالأصول: جمع أصل، وأرجعَ ابن فارس مادة الكلمة إلى الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض؛ أحدها: أساس الشيء، والثاني: الحيَّة، والثالث: ما كان من النهار بعد العشي. (1) والمراد به هنا المعنى الأول.
الثانية: جانب المعنى اللغوي: ذكرتْ المعاجم لجذر "أصل" معاني ومدلولات متعددة ومختلفة، أذكر منها ما يناسب المقصود في هذا المقام:
فالأصول جمع أصل؛ وهو أسفل الشيء وأساسه (2)، وأصل كل شيء: ما يستند وجود ذلك الشيء إليه (3).
إلا أن الأصوليين لما ذكروا تعريف الأصول في اللغة لم يذكروا هذا القول في كتبهم، ولا ضير في ذلك؛ فالأصوليون يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة،
(1) مقاييس اللغة (1/ 109).
(2)
يُنظر: لسان العرب (1/ 114)؛ القاموس المحيط (ص: 961) مادة: (أصل).
(3)
يُنظر: المصباح المنير (1/ 16).
وأما العرف فالأصل مستعمل في ذلك. (1)
فنجدهم عرفوا الأصل في اللغة بتعريفات كلية؛ منها:
1 -
ما ينبني عليه غيره. (2)
واستُدرك عليه بأنه منتقض بالوالد؛ فإنه أصل للولد ولا يقال: الولد ينبني عليه. (3)
2 -
المحتاج إليه. (4)
استدرك عليه بأنه إن أُريد بالاحتياج: ما يعرف في علم الكلام من احتياج الأثر إلى المؤثر، والموجود إلى الموجِد؛ لزم إطلاق الأصل على الله، وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء؛ لزم إطلاقه على الجزاء والشرط وانتفاء المانع، وإن أريد ما يفهمه أهل العرف من الاحتياج؛ لزم إطلاقه على الأكل واللُّبْس ونحوهما، وكل هذه اللوازم باطلة. (5)
3 -
ما منه الشيء. (6)
استُدرك عليه باشتراك "مِنْ" بين الابتداء والتبعيض، وبأنه لا يصحُّ هنا معنى
(1) يُنظر: التحبير شرح التحرير (1/ 150).
(2)
يُنظر: المعتمد (1/ 5)؛ شرح المحلى على الورقات (ص 31)؛ العدة (1/ 70)؛ التمهيد لأبي الخطاب (1/ 5)؛ نهاية السول (1/ 8)؛ فواتح الرحموت (1/ 8)؛ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (1/ 62).
(3)
يُنظر: الإبهاج (2/ 49)؛ البحر المحيط (1/ 15)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 148).
(4)
يُنظر: المحصول (1/ 91)؛ التحصيل (1/ 167).
(5)
وهذا اعتراض القرافي في نفائس الأصول (1/ 114)؛ ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط (1/ 15)؛ وذكره ابن السبكي والمرداوي دون نسبته للقرافي، يُنظر على التوالي: الإبهاج (2/ 50)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 149).
(6)
يُنظر: الحاصل (1/ 6)؛ نهاية الوصول (1/ 21)؛ شرح مختصر الروضة (1/ 123).
من معانيها. (1)
4 -
ما يتفرع عنه غيره. (2)
استُدرك عليه بأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، كدية الجنين والْقَسَامَةِ (3)،
وتحمل العاقِلةِ (4)، فهذه أصول ليست لها فروع. (5)
5 -
ما يقع التَّوصُّل به إلى معرفة ما وراءَه.
استدرك عليه بما استدرك على سابقه بوجود أصول في الشريعة لا يقعُ بها التَّوصُّل إلى ما وراءه بحال. (6)
(1) وهذا اعتراض القرافي في نفائس الأصول (1/ 115)؛ الإبهاج (2/ 49)؛ البحر المحيط (1/ 15)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 149).
(2)
يُنظر: الإبهاج (2/ 49)؛ البحر المحيط (1/ 16)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 148).
(3)
القسامة في اللغة: بمعنى القَسَم وهو اليمين، وأقسم بالله: حلف به، وتقاسم القومُ: تحالفوا. يُنظر: لسان العرب (12/ 104) مادة: (قسم).
وشرعاً: أيمان متكررة يقسم بها على أهل محلة أو دار وجد فيها قتيل به أثر، كل منهم يقول: مافعلت ولا علمت له قاتلاً. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: 295). وقال الأزهري: (إذا اجتمعت الجماعة من أهل القَتِيلِ فَادَّعَوْا على رَجُلٍ أنَّهُ قَتَلَ صاحبهم ومعهم دلائل دون البينة، فَحَلَفُوا خمسين يمينًا أنَّ المُدَّعَى عَلَيْه قَتَلَ صَاحِبَهُمْ؛ فهولاء الذين يُقْسِمُونَ على دَعْوَاهُمْ هم القَسَامَة. سموا قسامة بالاسم الذي أقيم مقام المصدر من أقسم وقسمًا وقسامة) الزاهر (ص: 372).
ويُنظر كتب الفقه: الوسيط (6/ 398)؛ بدائع الصنائع (7/ 286)؛ جامع الأمهات (ص: 508)؛ المحرر في الفقه (2/ 150).
(4)
العاقلة: جمعها عواقل، وعاقلة الرَّجل: عَصَبتُهُ؛ وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. يُنظر: لسان العرب (10/ 234)؛ المصباح المنير (2/ 422 - 423) مادة: (عقل)؛ القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا (ص: 259).
(5)
وهذا اعتراض الإمام السمعاني في قواطع الأدلة (1/ 12 - 13)؛ ونقله الزركشي عنه في البحر المحيط (1/ 16).
(6)
يُنظر: المرجعان السابقان.
و"الأصل" في الاصطلاح مشترك بين عدة معانٍ (1)؛ منها:
1 -
الدليل؛ كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسُّنَّةِ أي: دليلها، ومنه أصول الفقه أي: أدلته.
2 -
الراجح؛ كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.
3 -
القاعدة المستمرة؛ كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، أي: على خلاف الحالة المستمرة.
4 -
المقيس عليه؛ وهو ما يقابل الفرع في باب القياس.
5 -
استمرار الحكم السابق (المستصحب)؛ كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له.
والمراد بالأصول في موضوع البحث: علم أصول الفقه، وحيث اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه؛ لاختلاف زاوية النظر التي اعتبرها واضع كل تعريف، أذكر لك - أيها القارئ الكريم - أهمها في أربعة مناهج:
المنهج الأول: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى اللُّغوي
والمراد به التعريف بما جاء في المعنى اللُّغوي للأصل: ما ينبني عليه غيره، والضمير في " غيره " عائد إلى الفقه، ومن هذه التعريفات:
1 -
تعريف القاضي أبي يعلى (2)؛ حيث قال: "وأما أصول الفقه فهو: عبارة
(1) يُنظر هذه المعاني في: البحر المحيط (1/ 16 - 17)؛ نهاية السول (1/ 9)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 152 - 153)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 39 - 40)؛ إرشاد الفحول (1/ 46).
(2)
هو: أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، قاضي الحنابلة، وعالم زمانه، تفقه على أبي عبدالله بن حامد وغيره، انتشر على يديه مذهب الإمام أحمد، كان إمامًا في الأصول والفروع، زاهدًا ورعًا عفيفًا. من مصنفاته:"كتاب الروايتين"، و" العدة في أصول الفقه"، و" المجرد في المذهب"، (ت: 458 هـ) من شهر رمضان.
تُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (2/ 256)؛ العبر في خبر من غبر (3/ 245)؛ طبقات الحنابلة (2/ 193).
عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به" (1).
2 -
تعريف أبي الوليد الباجي (2): "أصول الفقه: ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية"(3).
3 -
تعريف ابن عقيل (4):
"وأصوله هي: ما تبنى عليه الأحكام الفقهية من الأدلة على اختلاف أنواعها ومراتبها"(5).
المنهج الثاني: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى الاصطلاحي
والمراد به التعريف بما جاء في المعنى الاصطلاحي للأصل: الدليل، ومن هذه التعريفات:
(1) العدة في أصول الفقه (1/ 70).
(2)
هو: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي، أحد علماء الأندلس وحفاظها، تتلمذ على أبي الأصبغ، ثم انتقل إلى المشرق، وبقي فيها ثلاثة عشر عامًا، درس فيها الفقه والحديث، ولقي أبا الطيب الطبري وأبا إسحاق الشيرازي، ودرس عليهما، حصلت بينه وبين الإمام ابن حزم مناظرات. من مصنفاته:"إحكام الفصول"، و"الحدود"، و" المنتقى"، (ت: 474 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (18/ 535)؛ الديباج المذهب (1/ 330)؛ نفح الطيب (2/ 67).
(3)
الحدود في الأصول (ص: 36).
(4)
هو: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبدالله البغدادي الظَّفَري الحنبلي، الأصولي المتكلم الفقيه الواعظ، وصف بالذكاء. من مصنفاته:"الفنون" وهو كاسمه، جمع فيه فنونًا كثيرة من الوعظ والتفسير والفقه وأصول الدين وأصول الفقه واللغة والنحو، " كفاية المفتي" في الفقه، " الواضح " في أصول الفقه، (ت: 513 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (19/ 443)؛ ذيل طبقات الحنابلة (1/ 142)؛ شذرات الذهب (4/ 35).
(5)
الواضح في أصول الفقه (1/ 7 - 8).
1 -
تعريف الشيرازي (1): "وأما أصول الفقه فهي: الأدلة التي ينبني عليها الفقه، وما يتوصل بها إلى الأدلة على سبيل الإجمال"(2).
2 -
تعريف الغزالي (3): "أصول الفقه: عبارة عن أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة؛ لا من حيث التفصيل"(4).
3 -
تعريف ابن بَرْهان (5): "أصول الفقه عبارة عن: جُمل أدلة الأحكام"(6).
(1) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفَيرُوزآباذي، جمال الدين، الفقيه الشافعي الأصولي، سكن بغداد، وصحب أبا الطيب الطبري، تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، كان ورعًا، وكان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة، تتلمذ عليه أبو الوليد الباجي. من مصنفاته:"اللمع وشرحه "، و" التبصرة " كلاهما في أصول الفقه، " المهذب " في الفقه، (ت: 476 هـ).
تُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (1/ 29)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (4/ 215)؛ طبقات الشافعية لقاضي شهبة (1/ 238).
(2)
اللمع (ص: 35).
(3)
هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد الغزالي - نسبته إلى صناعة الغزل عند من يقوله بتشديد الزاي، أو إلى غزالة من قرى طوس لمن قال بالتخفيف - الطوسي، حجة الإسلام، فيلسوف، متصوف، رحل إلى نيسابور، ثم إلى بغداد، فالحجاز، فبلاد الشام، فمصر، وعاد إلى بلدته. له نحو مئتي مصنف؛ منها:"المستصفى من علم الأصول "، و" المنخول من علم الأصول "، و" الوجيز " في الفقه، وله كتب بالفارسية، (ت: 505 هـ).
تُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (12/ 173)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (6/ 191)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 293).
(4)
المستصفى (1/ 9).
(5)
هو: أبو الفتح، أحمد بن علي بن محمد بن بَرهان بن الحامي البغدادي، الحنبلي، ثم الشافعي، تفقه على الغزالي، وإِلْكيَّا الهراسي، وبرع في المذهب والأصول حتى رجحوه على الشاشي، وكان حاذق الذهن، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه، وولي تدريس النظامية مدة يسيرة. من مصنفاته:"الأوسط"، و "الوجيز"، و" الوصول إلى الأصول"، (ت: 518 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (19/ 456)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (6/ 30)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 279).
(6)
الوصول إلى الأصول (1/ 51).
4 -
تعريف الطوفي (1): "أصول الفقه: أدلته"(2). ثم ذكر بعد ذلك مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللُّغوي فقال: "وهو موافق لما سيأتي - إن شاء الله- في تعريف الأصل من أنه: ما منه الشيء، أو استند الشيء في وجوده إليه؛ لأن الفقه مأخوذٌ من الأدلة، وهو مستندٌ في وجوده إليها"(3).
المنهج الثالث: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى موضوعه
والمراد به التعريف الحاصر لموضوع علم أصول الفقه؛ ومن هذه التعاريف:
1 -
تعريف الإمام الرازي (4): "أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها"(5).
2 -
تعريف السيف الآمدي (6): "فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات
(1) هو: أبو الربيع، سليمان بن عبدالقوي بن عبدالكريم، نجم الدين الطوفي الحنبلي، تفنن في شتى العلوم. من مصنفاته:"الإكسير في قواعد التفسير"، و"دفع التعارض عما يوهم التناقض"، و"مختصر روضة الناظر"، (ت: 716 هـ).
تُنظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (2/ 366)؛ الدرر الكامنة (2/ 249)؛ شذرات الذهب (6/ 39).
(2)
شرح مختصر الروضة (1/ 111).
(3)
شرح مختصر الروضة (1/ 111).
(4)
هو: أبو عبدالله، محمد بن عمر بن الحسين القرشي الطبري، الرازي، فخر الدين، ابن خطيب الري ضياء الدين، كان إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، برع في الفقه والتفسير والأصول والجدل. من أشهر مصنفاته:"التفسير الكبير "، و"المحصول في أصول الفقه"، و"المعالم في أصول الفقه"، (ت: 606 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (21/ 500)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (8/ 83)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (1/ 115).
(5)
وهذا تعريف الرازي في المحصول (1/ 80)؛ ومثله في التحصيل (1/ 168).
(6)
هو: أبو الحسن، علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي - نسبة إلى مدينة آمد-، الأصولي المتكلم أحد أذكياء العالم، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعية. من مصنفاته:"الأبكار في أصول الدين"، و"الإحكام في أصول الفقه"، (ت: 631 هـ).
تُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (8/ 308)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 79)؛ شذرات الذهب (5/ 144).
دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة؛ لا من جهة التفصيل" (1).
3 -
تعريف التاج الأرموي (2):
"معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية استفادة الأحكام منها، وحال المستفيد"(3).
المنهج الرابع: تعريف أصول الفقه بالنظر إلى فائدته
والمراد به التعريف لأصول الفقه بالنظر إلى ثمرته؛ ومن هذه التعريفات:
القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية (4).
• تنبيه:
ذهب بعض الأصوليين (5) إلى أن أصول الفقه: العلم بالقواعد، وليست القواعد أو الأدلة نفسها، ولكل منهما وجه. (6)
(1) الإحكام للآمدي (1/ 21).
(2)
هو: أبو الفضائل، محمد بن الحسين بن عبدالله الأرموي، تاج الدين، من أكبر تلاميذ الإمام الرازي، وكانت له حشمة وثروة ووجاهة، وفيه تواضع، قيل: إنه عاش ثمانين سنة. من مصنفاته: "الحاصل من المحصول في أصول الفقه " اختصر فيه المحصول للرازي، (ت: 653 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (23/ 334)؛ طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 451)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 120).
(3)
وهذا تعريف تاج الدين الإرموي في الحاصل (1/ 8)؛ ومثله في المنهاج (1/ 19).
(4)
يُنظر: أصول ابن مفلح (1/ 15)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 173)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 44).
(5)
كابن الحاجب والطوفي وصدر الشريعة المحبوبي. يُنظر بالترتيب المذكور: مختصر ابن الحاجب (1/ 201)؛ شرح مختصر الروضة (1/ 120)؛ التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (1/ 51).
(6)
يُنظر: الإبهاج (2/ 60)؛ التحبير شرح التحرير (1/ 173، 177 - 180)؛ التلويح على التوضيح (1/ 51 - 52).
ويُنصح بالنظر في هذه المسألة في كتاب: "كتاب أصول الفقه الحد والموضوع والغاية" للدكتور يعقوب الباحسين (ص: 95).