الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي الاصطلاح المنطقي: جعل محمول القضية موضوعًا، وموضوعها محمولاً، مع بقاء الصدق والكَيْف والكَم. (1)
مثال ذلك: بعض الإنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان.
فالقضية الأولى موجبة جزئية صادقة، والثانية كذلك.
ويستثنى من هذا الضابط: الموجبة الكلية؛ فإن عكسها موجبة جزئية؛ كقولنا: كل إنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان. (2)
•
أمثلة هذا القسم من الاستدراك:
• المثال الأول:
ذكر الرازي في مسألة (إجماع المدينة) استدراكًا مقدرًا على دليل الإمام مالك فقال: "حجة مالك قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (3) والخطأ خبث؛ فكان منفيًّا عنهم.
فإن قيل: وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودًا؛ لأن ظاهره أنَّ كلَّ من خرج عنها فإنه من الخبث الذي تنفيه المدينة، وذلك باطل؛ لأنه قد خرج منها الطيبون؛
(1) يُنظر: معيار العلم (ص: 83)؛ تحرير القواعد المنطقية (ص: 125 - 126)؛ إيضاح المبهم (ص: 11).
(2)
يُنظر: المراجع السابقة.
(3)
الحديث في الصحيحين روي بعدة ألفاظ من حديث جابر بن عبدالله: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: المدينة تنفي الخبث، (2/ 665/ح: 1784)، ك: الأحكام ب: بيعة الأعراب، (6/ 2636/ح: 6783)، ك: الأحكام، ب: من نكث بيعة
…
، (6/ 2638/ح: 6790)، ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم
…
(6/ 2670/ح: 6891)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: المدينة تنفي شرارها، (2/ 1006/ح: 1383).
ومن حديث أبي هريرة: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس، (2/ 662/ح: 1772)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: المدينة تنفي شرارها، (2/ 1005 - 1006 ح: 1381 - 1382).
ومن حديث زيد بن ثابت صحيح البخاري، ك: الحج، ب: المدينة تنفي الخبث، (2/ 666/ح: 1785).
كعلي وعبدالله رضي الله عنهما؛ بل ذكروا ثلاثمائةٍ ونَيِّفًا من الصحابة الذين انتقلوا إلى العراق وهم أمثل من الذين بقوا فيها؛ كأبي هريرة وأمثاله" (1).
ثم ذكر الرازي استدراكًا بصيغة جواب عن هذا الاستدراك المقدر فقال: "والجواب: قوله: (يقتضي أن كل من خرج من المدينة فهو خبث).
قلنا: لا نسلم؛ لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه؛ وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة فهو خبث" (2).
وقال القرافي في شرحه لاستدراك الرازي على الاستدراك المقدر: "قوله: (لا يقتضي الخبر أن كل ما خرج من المدينة فهو خبث) تقريره: أن الموجبة الكلية (3) لا يجب انعكاسها، فقولنا:(كل خبث خارج من المدينة) لا يقتضي: أن كل خارج خبث، كما إنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، لا يلزم: كل حيوان إنسان؛ بل تنعكس جزئية (4) لا كلية (5).
فيصدق أن بعض الخارج خبث، كما يصدق بعض الحيوان إنسان، وهو صحيح نقول به" (6).
(1) المحصول (4/ 162 - 163).
(2)
يُنظر: المرجع السابق (4/ 164 - 165).
(3)
القضية الكلية: ما كان الموضوع فيها - المحكوم عليه- كليًا مسورًا بسور كلي - أي: مقترنًا بما يدل على أن الحكم فيها يشمل جميع أفراد الكلي؛ مثل: كل، جميع، عامة، أل الاستغراقية-. وهي قسمان: كلية موجبة؛ ككل إنسان حيوان، وكلية سالبة؛ لا شيء من الإنسان حجر. يُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: 30)؛ شرح الملوي على السلم وحاشية الصبان (ص: 90 - 91)؛ ضوابط المعرفة (ص: 69 - 73).
(4)
القضية الجزئية: ما كان الموضوع فيها - المحكوم عليه- كليًا مسورًا بسور جزئي - أي: مقترنًا بما يدل على أن الحكم فيها يشمل بعض أفراد الكلي؛ مثل: كبعض، قسم، فريق، منهم، فئة، طائفة-. وهي قسمان: جزئية موجبة؛ كبعض الحيوان إنسان، وجزئية سالبة؛ ليس بعض الحيوان إنسان. يُنظر: المرجع السابق.
(5)
يُنظر: معيار العلم (ص: 84)؛ مختصر ابن الحاجب (1/ 212)؛ إيضاح المبهم (ص: 11).
(6)
يُنظر: نفائس الأصول (6/ 2711).
• بيان الاستدراك:
شرح القرافي وجه استدراك الرازي على المستدرك لدليل الإمام مالك؛ حيث إن المستدرك قال: إن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه - فهذه قضية كلية موجبة-، فعكسها بقوله: إن كل ما كان خبثًا فإن المدينة تخرجه - قضية كلية موجبة -.
فاستدرك الرازي على المستدرك المقدر: بأن القضية الكلية الموجبة لا تنعكس مثلها -قضية كلية موجبة-؛ بل تنعكس جزئية موجبة، فيقال في عكس القضية الكلية الموجبة -أن كل ما تخرجه المدينة خبث-: بعض الخارج من المدينة خبث.
وقول القرافي: "إن الموجبة الكلية لا يجب انعكاسها" أي لا تنعكس كمثلها، وليس المراد: لا تنعكس مطلقًا.
• المثال الثاني:
ذكر الهندي النوع الأول من الإيماء والتنبيه (1)؛ وهو أن يذكر حكمًا ووصفًا ويدخل الفاء على أحدهما، وذلك عند حديثه على الطرق النقلية الدالة على علية الوصف، فقال: "ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب (2) - على ما تقدم بيان ذلك في اللغات (3) -، فدخولها على الحكم بعد الوصف يقضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه. (4)
(1) قال ابن الحاجب: الإيماء هو: أن يقترن وصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل كان بعيدًا. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (2/ 1073).
والإيماء والتنبيه يدل على العلية بطريق الدلالة الالتزامية؛ لأنه تفهم العلية فيها من جهة المعنى؛ لا من جهة اللفظ. يُنظر: شرح مختصر الروضة (3/ 361)؛ نهاية الوصول (8/ 3267).
(2)
يُنظر: مغني اللبيب (ص: 214)؛ الجنى الداني (ص: 9).
(3)
يُنظر: نهاية الوصول (2/ 423).
(4)
القائل هو الآمدي. يُنظر: الإحكام في أصول الأحكام له (3/ 330 - 331)، ونسب ابن السبكي هذا الدليل للآمدي. يُنظر: الإبهاج (7/ 2307).