الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
تاسعًا: الاستدراك بقادح (القول بالمُوْجَب):
المراد بقادح القول بالموجَب: تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. (1)
مثاله: أن يقول المستدل في وجوب زكاة الخيل: الخيل حيوان تجوز المسابقة عليه؛ فتجب الزكاة فيه كالإبل. فيقول المعترض: أنا قائل بموجب قياسك؛ فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة؛ ولكن نزاعنا في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل؛ لا زكاة الاتِّجار بها. (2)
ووجه كونه قادحًا: أن به يتبين أن قياس الخصم ليس في محل الخلاف.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) دليل الخصم القائلين أنه يفيد التكرار: "قالوا: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا» (3). فأمر صلى الله عليه وسلم أن نأتي من أمره ما استطعنا، ونحن نستطيع الإتيان بالمأمور على الدوام والتكرار، فوجب أن يكون ذلك بظاهر الأمر.
والجواب: أنه لا حجة لهم في هذا الخبر، ونحن قائلون بموجبه؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن نأتي مما أمر به ما استطعنا، فالذي اقتضى الأمر في الفعل مرة واحدة، وما زاد على
(1) يُنظر: روضة الناظر (2/ 328 - 331)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: 402)؛ التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (2/ 210)؛ تشنيف المسامع (3/ 361 - 364).
(2)
يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: 402)؛ روضة الناظر (2/ 330).
(3)
الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، يُنظر: صحيح البخاري، ك: التمني، ب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (6/ 2658/ح: 6858)؛ صحيح مسلم، ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، (4/ 1830/ح: 1337).
ذلك فغير مأمور به ولا مدخل فيه، ونحن نقول: إنه يجب أن يأتي من الصلاة التي أمر بها ما استطاع، إن قدر على فعله من قيام أتى بها قائمًا، وإن لم يقدر فقاعدًا، وإن لم يقدر فمومئًا" (1).
• المثال الثاني:
قال السمعاني في مسألة (الآمر هل يدخل في الأمر؟ ): "لا يدخل الآمر في الأمر عند عامة الفقهاء (2). وذهبت طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل.
والمسألة مصورة في النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان آمرًا، فأما الأمر الوارد من قبل الله - تعالى- بذكر الناس وأمرهم بشيء لفعله؛ فقد اتفقوا أن الرسول يدخل في ذلك. (3)
وتعلق من قال بدخوله في الأمر قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل، فإذا قال للأمة: افعلوا كذا؛ فيصير كأن الله - تعالى- قال: افعلوا كذا، فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيه، مثلما يدخل غيره .... " (4).
ثم استدرك السمعاني على دليل الخصم بقادح القول بالمُوْجَب فقال: "والذي قاله الخصم: إنَّه يصير كأن الله -تعالى- قال: افعلوا.
قلنا: إذا قال تعالى: افعلوا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يكون مأمورًا، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيكون آمرًا، والكلام في دخول الآمر في الأمر، فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه آمرًا؛
(1) شرح اللمع (1/ 223).
(2)
ذكر القاضي أبو يعلى: أنه قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. يُنظر: العدة في أصول الفقه (1/ 343). ونقل الشوكاني عن ابن برهان في "الأوسط" قوله: "ذهب معظم العلماء إلى أن الآمر لا يدخل تحت الخطاب". يُنظر: إرشاد الفحول (1/ 471).
(3)
ذكره الجويني مذهبًا لسائر الأصوليين، وذكر أن المخالف لذلك شرذمة لا يؤبه لهم. يُنظر: البرهان (1/ 365).
(4)
يُنظر: القواطع (1/ 220 - 221).