الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
رابعًا: التثبت والتأمل وعدم الاستعجال
.
فإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعجل بالحكم به، فربما كان في آخره ما يُبين أن الغرض بخلاف الواقع له، فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام، وبهذا أدّب الله تعالى نبيه في قوله تعالى:{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. (1)
فبالتثبت والتأمل يفهم مراد الخصم ولا يقع في وهم، أو يُجيب عن الأسئلة الواردة عليه بأجوبة ضعيفة أو فيها نظر.
وذكرنا في هذا البحث أمثلة لاستدراكات كانت بسبب الوهم.
قال ابن عقيل: "وإذا كان الغرض من الجدل إدراك الحق به، وكان السبيل إلى ذلك التثبت والتأمل؛ وجب على كل واحد من الخصمين استعمالهما؛ وإلا حصلا على مجرد الطلب مع حرمان الظفر"(2).
وقال أيضًا: "فإذا كان لا سبيل إلى حَلِّ شُبهة الخصم في الجدل إلا بعد إدراكها، فلا بُدَّ لخصمه من التأمُّل لما يأتي به"(3).
فالمستدرِك لا يستعجل في إصدار حكم الاستدراك بالسهو والسقط، فربما لم يذكره المستدرَك عليه لسهو منه؛ وإنما لاشتهاره ومعرفته، أو عدم وجود فائدة في ذكره، أو تقدم ذكره.
ونمثل لهذا من الأصول بما يلي:
مثال ترك ذكر الشيء لاشتهاره ومعرفته:
(1) يُنظر: الفقيه والمتفقه (2/ 59).
(2)
يُنظر: الواضح في أصول الفقه (1/ 520).
(3)
يُنظر: المرجع السابق (1/ 521).
قال البيضاوي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة): "الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق، ويجوز عن وقت الخطاب، ومنعت المعتزلة
…
" (1).
قال ابن السبكي شارحًا: "
…
فنقدم عليه: أن الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان:
أحدهما: ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه؛ كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية؛ كالصلاة إذا أريد بها الدعاء، ونحو ذلك، وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.
والثاني: ما لا ظاهر له؛ كالأسماء المتواطئة، والمشتركة.
إذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب:
أحدها: يجوز في جميع الأقسام، وإليه ذهب أكثر أصحابنا (2)، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (3)، ونقله القاضي في مختصر التقريب (4) عن الشافعي نفسه، واختاره الإمام (5) وأتباعه (6)، وابن الحاجب (7).
(1) يُنظر: منهاج الوصول (5/ 1595) - مطبوع مع الإبهاج -.
(2)
يُنظر: المحصول (1/ 188)؛ الإحكام للآمدي (3/ 39)؛ نهاية الوصول (5/ 1894)؛ البحر المحيط (5/ 108).
(3)
يُنظر: أصول السرخسي (2/ 72)؛ تيسير التحرير (3/ 172 - 173)؛ فواتح الرحموت (2/ 42 - 43).
(4)
(3/ 386). ويُنظر: التلخيص (2/ 209).
(5)
يُنظر: المحصول (1/ 188).
(6)
يُنظر: الحاصل (2/ 402)؛ التحصيل (1/ 421).
(7)
يُنظر: مختصر ابن الحاجب (2/ 888 - 889).
والثاني وإليه ذهب أكثر متقدمي المعتزلة: أنه لا يجوز إلا النسخ (1). فإنهم جوزوا تأخير بيانه، كذا استثناه الإمام، وهو مأخوذ من الغزالي (2)؛ فإنه ادعى الاتفاق على أنه يجوز تأخير بيان النسخ
…
والمصنف (3) أهمل استثناء النسخ (4)، وكذلك أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع (5)، وابن برهان في الوجيز (6)، والغزالي؛ إلا أنه نقل الاتفاق على النسخ بعد كما عرفت. ولعل من أطلق القول ترك الاستثناء اكتفاء بالعلم بالاتفاق على النسخ، وأنه خارج عن صورة النزاع" (7).
مثال ترك ذكر الشيء لتقدم ذكره:
قال ابن الهُمام في تعريف العلم: "فالعلم: حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه عند من قام به لمُوجِب،
…
وقد يقال: صفة تُوجِبُ تَمييزًا لا يَحتمل" (8).
وقال أمير بادشاه في شرحه: " (ويقال) في تعريف العلم أيضًا (صفة توجب
(1) يُنظر: المعتمد (5/ 1599).
(2)
يُنظر: المستصفى (3/ 72).
(3)
أي: البيضاوي.
(4)
أي: استثناه عن محل الخلاف؛ إذ هو محل اتفاق.
(5)
(1/ 473). لكن الشيرازي أشار إلى الاتفاق على جواز تأخير بيان النسخ بذات الدليل الذي ذكره القاضي الباقلاني؛ وهو قياس تأخير بيان التخصيص على تأخير بيان النسخ، فقال:"ويدل عليه: أن النسخ تخصيص للأزمان، كما أن التخصيص تخصيص للأعيان، ثم تأخير بيان النسخ عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز؛ فكذلك تأخير بيان التخصيص يجب أن يكون جائزًا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة". يُنظر: شرح اللمع (1/ 474).
(6)
صرح ابن برهان بالاتفاق في الوصول إلى الأصول (1/ 125).
(7)
يُنظر: الإبهاج (5/ 1597 - 1601).
(8)
يُنظر: التحرير (ص: 8).
تمييزًا لا يحتمل) النقيض، وإنما لم يذكره للعلم به مما تقدم مع شهرته،
…
" (1).
فذكر أمير بادشاه أن تعريف ابن الهمام للعلم بأنه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل، المراد (لا يحتمل)، أي: لا يحتمل النقيض. ولم يذكر ابن الهمام لفظ (النقيض) للعلم به مما تقدم في الكلام السابق له وشهرته.
فبمثل هذا لا يصرح المستدرِك بالاستدراك، بل من الأدب أن يذكر سبب عدم ذكره من المستدرَك عليه.
مثال عدم ذكر الشيء لعدم وجود غرض لذكره:
قال ابن بادشاه في مسألة (الجمع المحلى للمعهود والاستغراق حقيقة، وللجنس مجاز): "فإن قلت: بقي قسم من المحلى لم يذكره؛ وهو جنس المشار إليه من حيث هو مع قطع النظر عن تحققه في ضمن فرد.
قلت: لم يتعلق غرض الأصولي به؛ لأنه من الاعتبارات العقلية المناسبة للاعتبارات الفلسفية؛ فإنه قد يثبت له الأحكام في تلك العلوم، فلا بأس بعدم ذكره وعدم اعتباره" (2).
وهذا الأدب أيضًا يمس جانب المستدرَك عليه، فلا يستعجل في الجواب على المستدرِك بقصد إسكاته في زمان يسير؛ لأن ذلك يفسد عليه رؤيته الفكرية، ويبعد عن المنهج الصحيح، والوصول إلى الحق (3)، فيأتي بجواب ضعيف فيستدرك عليه فيه، فيُضعف مذهبه أكثر، وقد يكون في حالة غضب بعد الاستدراك والمناظرة فيمنعه هذا من الرد الصحيح.
قال ابن عقيل: "والمناظرة حيثُ وضعت فإنها وضعت لاستخراج حكم الله
(1) يُنظر: التقرير والتحبير (1/ 57).
(2)
يُنظر: تيسير التحرير (1/ 213 - 214).
(3)
يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: 372).