الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
السبب الثالث: الاستدراك بسبب نقد المستدرَك فيه
النقد من أسباب الاستدراك، ويندرج تحته الأسباب التالية:
• أولاً: نقد الموضوع:
نقد بعض الأصوليين إقحام مواضيع ليست من أصول الفقه، وأقرر ذلك بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
نقد ابن حزم إدراج مسألة: النسخ قبل التمكن في أصول الفقه؛ لأنه لا ينبني عليها فروع فقهية عنده، فقال:"وما ندري أنَّ لطالب الفقه إليه حاجة"(1).
• المثال الثاني:
نقد الإمام الغزالي إقحام موضوع (قوادح العلة (2)) وموضوع (تصويب المجتهدين) في علم الأصول حيث قال: "
…
ووراء هذه اعتراضات: مثل المنع، وفساد الوضع، وعدم التأثير، والكسر، والفرق، والقول بالموجَب، والتعدية والتركيب.
وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية، فينبغي أن نشح على الأوقات من أن نضيعها بها وتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة؛ من ضم نشر الكلام، ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصم؛ كيلا يذهب كل واحد عرضًا وطولاً في كلامه منحرفًا عن مقصد نظره؛ فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه؛ بل هي من علم الجدل، فينبغي أن تفرد
(1) الإحكام لابن حزم (4/ 499).
(2)
قوادح العلة: مبطلاتها. يُنظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3544).
وسبق تعريف بعض هذه القوادح، وسيرد تعريف بعضها في الفصل الخامس: معايير الاستدراك الأصولي.
بالنظر ولا تمزج بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين" (1).
• المثال الثالث:
نقد المازري على الجويني الحديث عن إعراب ما بعد (إلا) فقال: "وهذا كله مستقصى من كتب النحاة، وكان الأليق الإضراب عنه في مثل هذا التأليف، وإحالة بسطه إلى أهله وكتبهم"(2).
• المثال الرابع:
ذكر ابن رشد (3) أثناء حديثه عن حد الحكم، وتعرضه لمسألة التحسين والتقبيح، فاستدرك إدراج هذه المسألة في علم الأصول فقال: "
…
والقول في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله" (4). ثم ختم المسألة بقوله: "وهذا كله ليس من هذا العلم" (5).
كما نقد إدراج مسألة (تقسيم الواجب إلى معين ومخير) في علم الأصول فقال: "والكلام في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله؛ بل يكفي من ذلك
(1) المستصفى (3/ 746 - 747).
(2)
إيضاح المحصول من برهان الأصول (ص: 295).
(3)
هو: أبو الوليد، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، الشهير بالحفيد، من أهل قرطبة، وقاضي الجماعة بها، العلامة فيلسوف وقته، درس الفقه والأصول وعلم الكلام والطب، وبرع في اللغة العربية، وقيل: كان يحفظ شعر أبي تمام والمتنبي. من مصنفاته: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في الفقه ذكر فيه أسباب الخلاف، وكتاب " الكليات في الطب"، و" مختصر المستصفى" في الأصول، (ت: 595 هـ).
سير أعلام النبلاء (21/ 307)؛ تاريخ الإسلام (42/ 196)؛ الديباج المذهب (1/ 284).
(4)
يُنظر: الضروري في أصول الفقه (ص: 42).
(5)
الضروري في أصول الفقه (ص: 43).
ههنا أن نقول: إن وقوع مثل هذا شرعًا موجود كخصال الكفارة
…
" (1).
• المثال الخامس:
نقد ابن رشيق إدراج مسألة (مبدأ اللغات) فقال: "وهذه المسألة إن جرت عادة الأصوليين بالخوض فيها فهي عديمة الجدوى والفائدة"(2).
• المثال السادس:
نقد الطوفي إلحاق المنطق بأوائل أصول الفقه، واستخدام أساليب علم الكلام والفلسفة بدلاً عن الشواهد الفقهية، فقال: "
…
ككثيرٍ من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فَيَتَسَلَّطُون به على أصول الفقه؛ إمَّا عن قصدٍ، أو استتباع لتلك العلوم العقلية؛ ولهذا جاء كلامهم فيه عريًّا عن الشواهد الفقهية المُقَرِّبة للفهم على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفةٍ؛ حتى إنَّ بعضهم تكلَّف إلحاق المنطق بأوائل كتب أصول الفقه؛ لغلبته عليه، واحتج (3) بأنه من موادِّه؛ كما ذكر في صدر هذا الشرح، فتركوا ما ينبغي، وذكروا ما لا ينبغي" (4).
• المثال السابع:
قال الشاطبي: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا فى ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عاريَّة. والذي يوضح ذلك: أنَّ هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له. ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انْبَنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه؛ وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من
(1) الضروري في أصول الفقه (ص: 45).
(2)
لباب المحصول (2/ 465).
(3)
ويقصد به الإمام الغزالي، يُنظر: شرح مختصر الروضة (1/ 100). وينظر كذلك: المستصفى (1/ 30).
(4)
شرح مختصر الروضة (3/ 37).
أصول الفقه: كعلم النحو، واللغة، والاشتقاق، والتصريف، والمعاني، والبيان، والعدد، والمساحة، والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه، وينبني عليها من مسائله، وليس كذلك، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يُعدُّ من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصلٍ يُضاف إلى الفقه لا ينبنى عليه فقه فليس بأصل له. وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها؛ كمسألة ابتداء الوضع، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ، ومسألة أمر المعدوم، ومسألة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدًا بشرع أم لا؟ ، ومسألة لا تكليف إلا بفعل. كما أنه لا ينبغي أن يُعدَّ منها ما ليس منها، ثم البحث فيه في عمله وإن انبنى عليه الفقه كفصول كثيرة من النحو؛ نحو: معاني الحروف، وتقاسيم الاسم والفعل والحرف، والكلام على الحقيقة والمجاز، وعلى المشترك، والمترادف (1)، والمشتق (2)،
وشبه ذلك" (3).
وكذلك نقده لإدراج مسائل ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فقال: "وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عارية أيضاً؛ كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير، والمحرم المخير؛ فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل؛ وإنما اختلفوا في الاعتقاد بناء على أصل محرر في علم الكلام، وفي أصول الفقه له تقريرٌ أيضًا؛ وهو: هل الوجوب والتحريم أو غيرهما راجع إلى صفة الأعيان أو إلى خطاب الشارع؟ ،
(1) المترادف: ما تعدد فيه اللفظ واتحد المعنى. مثل: إنسان وبشر، فالمعنى واحد، واللفظ متعدد. وكقولك: قمح وبر وحنطة. يُنظر: إيضاح المبهم (ص: 8)؛ التعريفات (ص: 253).
(2)
ذكر البيضاوي في تعريف الاشتقاق: رد لفظ إلى لفظ آخر؛ لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي - (1/ 215).
وعليه يمكن تعريف المشتق بأنه: اللفظ المرتد إلى لفظ آخر؛ لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى.
(3)
الموافقات (1/ 37 - 38).
وكمسألة تكليف الكفار بالفروع عند الفخر الرازي، وهو ظاهر؛ فإنه لا ينبني عليه عمل، وما أشبه ذلك من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه" (1).
• ثانيًا: نقد الأسلوب:
تميز بعض العلماء بصعوبة عبارته التي استلزمت غموض المعنى، وممن اشتهر بذلك: فخر الإسلام البزدوي؛ حتى كني بأبي العسر.
وقد أشار إلى هذا عدد من علماء الحنفية؛ منهم: الصدر المحبوبي؛ إذ يقول: "لما رأيت فحول العلماء مُكبين في كل عهد وزمانٍ على مُباحثةِ أصول الفقه للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي -بوأه الله دار السلام- وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموزٌ غوامض نكته في دقائق إشارته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه"(2).
وعبدالعزيز البخاري في مقدمة شرحه بقوله: "
…
وهو كتاب عجيب الصنعة، رائع الترتيب، صحيح الأسلوب، مليح التركيب، ليس في جودة تركيبه وحسن ترتيبه مِرْيَة (3)، وليس وراء عبادان (4) قرية؛ لكنه صعب المرام، أبيُّ الزمام، لا سبيل إلى الوصول إلى معرفة لفظه وغرايبه، ولا طريق إلى الإحاطة بطرقه وعجايبه
(1) الموافقات (1/ 39 - 41).
(2)
التنقيح للمحبوبي (1/ 25).
(3)
المرية: - بكسر الميم وضمها- الشك والجدل. يُنظر: الصحاح (ص: 978)؛ لسان العرب (14/ 63) مادة: (مرا).
(4)
عبادان: مدينة خوزستانية، تقع في مقاطعة خوزستان جنوب غرب إيران على جزيرة عبدان في نهر شط العرب في إقليم الأحواز. عرفت المدينة في العصر العباسي على أنها ميناء رئيسي، وهي موطن قبيلة كعب العربية .. وإنما قالوا: ليس وراء عبادان قرية لأن وراءها بحراً. يُنظر: معجم البلدان (4/ 74)؛ ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D 8%B 9%D 8%A 8%D 8%A 7%D 8%AF%D 8%A 7%D 9%86
إلا لمن أقبل بكليته على تحقيقه وتحصيله، وشد حيازيمه (1) للإحاطة لجملته وتفصيله
…
" (2).
بل إن العنوان الذي اختاره شارحه يدل على صعوبة عبارته: "
…
ولما كان هذا الكتاب كاشفًا عن غوامض محتجبة عن الأبصار؛ ناسب أن سميته: كشف الأسرار" (3).
كما أن الاختصار يكون سببًا أحيانًا لقصور البيان المستلزم غموض المعنى، الموصل إلى حد الألغاز أحيانًا.
يقول حَاجِي خَلِيفَة عن مختصر ابن الحاجب: "هو مختصر غريب في صنعه، بديع في فنه؛ لغاية إيجازه يضاهي الألغاز، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز"(4).
وقال أبو الثناء الأصفهاني في مقدمة شرحه للمختصر: "فتصديت لأن أشرحه شرحًا يُبين حقائقه، ويوضِّح دقائقه، ويُذلِّل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، مقتصدًا غير مختصر اختصارًا يُؤدي إلى الإخلال، ولا مطنبًا إطنابًا يفضي إلى الإملال؛ ساعيًا في حل مشكلاته، وفتح معضلاته، وتقرير معاقده، وتحرير قواعده، ودفع الشبهات الواردة على مقاصده"(5).
كما أن العناوين التي اختارها شُرَّاحه تدل على صعوبة أسلوبه (6).
(1) جمع حيزوم؛ وهو وسط الصدر وما يُضم عليه الحِزام. وقيل: ضلوع الفؤاد، واشدد حيزومك وحيازيمك للأمر: أي وطن عليه. يُنظر: الصحاح (ص: 231)؛ لسان العرب (4/ 108) مادة: (حزم).
(2)
كشف الأسرار للبخاري (1/ 16).
(3)
المرجع السابع (1/ 18).
(4)
كشف الظنون (2/ 1853).
(5)
بيان المختصر (1/ 5، 7).
(6)
شرحه ضياء الدين الطوسي (706 هـ) وسماه " كاشف الرموز ومظهر الكنوز"، وشرحه ركن الدين الأسترآبادي (717 هـ) سماه "حل العقد والعقل في شرح مختصر السول والأمل"، وشمس الدين الأصفهاني (749 هـ) في كتاب سماه " بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب"، والتاج السبكي (771 هـ) في كتاب سماه:" رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب " وغيرهم. يُنظر: كشف الظنون (2/ 1855).
وأقرر ذلك بالأمثلة الآتية:
• المثال الأول:
قال ابن الحاجب في مختصره: "وأما حده مضافًا: فالأصول الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال"(1).
فاستدرك عليه البابرتي في عبارته ناقدًا له: "واعلم أن قوله: (وأما حده مضافًا) ليس بمستقيم لا لفظًا ولا معنى.
أما لفظًا فلأن ضمير (حده) لأصول الفقه، فيكون تقديره: وأما حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف إلى شيء، وأصول الفقه ليس بمضاف إلى شيء، وإن جعلت (مضافًا) مصدرًا بمعنى الإضافة كان المعنى: أصول الفقه من حيث إضافته إلى شيء، أو من حيث إضافة شيء إليه، وكلاهما ليس بمراد ولا صحيحًا. وإن جعلت تقديره:(حد أصول الفقه) أي هذا اللفظ المركب من حيث إضافة بعض أجزائه إلى بعض لا يصح.
قوله: (فالأصول: الأدلة) لأن الأدلة ليست حده من حيث إن بعض أجزائه مضاف إلى بعض آخر؛ بل من حيث إن المتكلم أراد من هذا اللفظ مدلول الآخر، فليس إلا تعريفًا لفظيًا، كتعريف الغضنفر بالأسد.
وأما المعنى فلأن حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف على أي وجه كان ليس ما يحتاج إلى ذكره في هذا المختصر" (2).
(1) مختصر ابن الحاجب (1/ 201).
(2)
الردود والنقود (1/ 105 - 106).
• المثال الثاني:
قال ابن الحاجب: "وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة. والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
وَأُورِدَ: إن كان المراد بالبعض لم يطرد؛ لدخول المقلد. وإن كان الجميع لم ينعكس؛ لثبوت (لا أدري).
وأُجيب بالبعض، ويطِّرد؛ لأن المراد بالأدلة: الأمَارات، وبالجميع وينعكس؛ لأن المراد تهيُّؤُه للعلم بالجميع" (1).
فاستدرك عليه البابرتي بنقد عبارته فقال: "أجيب عن هذا الإيراد على كل واحد من الشقين؛ فقيل: المراد: البعض، والمقلد ليس بداخل؛ لأن المراد البعض الحاصل من الأدلة التفصيلية بالاستدلال، وما للمقلد ليس كذلك؛ وإلا لم يكن مقلدًا.
وعبارة المصنف قاصرة عن البيان على هذا الوجه، وتقدير كلامه: بأن المراد بالأدلة الأمارات، وعلم المقلد ليس بأمارات، ليس بكاف؛ لأنه يفيد أن المراد بالأدلة ليس علم المقلد، وليس بمراد؛ بل المراد: أن المراد بالأحكام ما كان حاصلاً بالأمارات، وفقه المقلد ليس كذلك.
والتكلف الزائد في تصحيحه يُفضي إلى كونه من الألغاز
…
" (2).
• المثال الثالث:
قال ابن الحاجب: "والعلم: قيل: لا يُحَدُّ. قال الإمام (3): لِعُسره.
(1) مختصر ابن الحاجب (1/ 201).
(2)
الردود والنقود (1/ 108).
(3)
المراد إمام الحرمين الجويني. قال الزركشي: "فائدة: حيث وقع الإمام في المختصر فالمراد إمام الحرمين، وأما فخر الدين فلم يُسَمَّه بل يُعبر عنه بقيل تبعًا للآمدي". المعتبر (ص: 302). ولم يحد العلم في البرهان وقال: (
…
ليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حده) يُنظر: حد العلم وحقيقته في البرهان (1/ 115 - 123). ولكنه حده في الورقات فقال: (والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع). الورقات (ص: 17).
وقيل (1): لأنه ضروري من وجهين، أحدهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو عُلِمَ العلم بغيره كان دورًا، وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره، فلا دور" (2).
فاستدرك البابرتي عليه بقوله: "ليس دليل الإمام (3) ولا الجواب عنه صحيحًا
…
وأما الجواب فعدم صحته من جهة اللفظ والمعنى، أما الأولى فلأن ما ذكره المصنف ألغاز وتعمية؛ فإن المقصود بيان جهة التوقف لدفع الدور، وذلك يحتاج إلى ذكر الجهتين، ولم يذكر إلا جهة واحدة؛ حيث قال:(توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره). يريد بذلك أن غير العلم إذا علم بالعلم كان تصوره موقوفًا على حصول العلم بغير العلم؛ لا على تصور العلم، وذلك ليس بكافٍ حتى يقول:(والعلم إذا عُرِفَ بغيره كان تصوره موقوفًا على تصور ذلك الغير؛ لا حصوله؛ ليعلم أنه موقوف عليه من إحدى الجهتين هو الحصول، وهو ليس بالموقوف؛ بل الموقوف غيره؛ وهو التصور، فيندفع الدور) " (4).
• ثالثًا: نقد المنهج.
درج بعض الأصوليين في مناقشة الموضوعات الأصولية على منهج شاق، كما أن بعضهم لم يراعِ منهجية علمية في ترتيب المسائل الأصولية.
وأقرر هذا النوع من الاستدراك بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
فرض السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ) استدراكًا
(1) القائل الرازي. يُنظر: المحصول (1/ 84 - 85).
(2)
مختصر ابن الحاجب (1/ 205).
(3)
أي: الرازي.
(4)
الردود والنقول (1/ 126 - 127).
مقدرًا للقائلين إنه للفور: "فإن قلتم: لأنه إن كان واجبًا في أوَّل الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل".
فأجاب عن هذا الاستدراك، وزاد جوابًا آخر لبعض الحنفية، فقال: "وقد سلك بعض أصحابنا طريقًا آخر في الجواب وقال: إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم، وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط يكون عازمًا على فعله الثاني.
وذكر القاضي أبو الطيب وجهين للأصحاب في وجوب العزم، وهذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها للمسائل التي ذكرناها، وما ذكرنا من الجواب معتمد، وهو كاف" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك السمعاني على أبي الطيب منهجه في تقرير وجوب العزم بأن هذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها مع الأدلة التي استدل بها القائلون بوجوب الفور، والتي تنفي كون العزم بدلاً، وأن ما ذكره من الجواب معتمد وكاف عن هذه الطريقة الصعبة.
وجاء في هامش إحدى النسخ تعليق؛ وهو: "مطلب: أن في وجوب العزم على من أخر الواجب الموسع عن أول الوقت وجهين، وأن الوجه القائل بالإيجاب طريقة صعبة شاقة، وقد قال عليه السلام «لا حرج في الدين» (2) "(3).
(1) القواطع (1/ 145 - 146).
(2)
لم أقف على حديث بهذا اللفظ وإن كان المعنى صحيحًا لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من أحاديث تقديم وتأخير أعمال يوم النحر، فكان يجيب بقوله:«لا حرج» . يُنظر هذه الأحاديث في صحيح البخاري، ك: الحج، ب: إذا رمَى بعد ما أمسى أو حلق قبل أنْ يذبح ناسيًا أو جاهلاً، (2/ 618/ح: 1647 - 1648)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، (2/ 950/ح: 1307).
(3)
القواطع، تحقيق: د. عبدالله الحكمي، هامش (3)(1/ 145).
• المثال الثاني:
قال ابن رشد في مسألة (الحرام ضد الواجب): "والعجب من أبي حامد كيف جعل النظر في هذه المسألة في هذا لجزء من الكتاب"(1).
• بيان الاستدراك:
استدراك نقدي من ابن رشد على الغزالي في ترتيبه موضوعات المستصفى، ووضعه هذه المسألة في الجزء الأول من الكتاب المتضمن النظر في الأحكام.
وهذه المسألة يعبر عنها بعض الأصوليين - ومنهم الغزالي (2) - بـ" الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ ، ويذكرها علماء الأصول في باب الأوامر (3).
• المثال الثالث:
ذكر القرافي مسألة (تقديم الإجماع على النص والقياس) في مبحث الإجماع (4)، فاستدرك عليه حلولو ذلك بقوله:"الصواب ذكر هذه المسألة في الترجيح كما فعل غير المصنف"(5).
• المثال الرابع:
قال ابنُ الهُمَامِ (6) عقب مسألة (الفور ضروري للقائل بالتكرار): "تنبيه: قيل:
(1) الضروري في أصول الفقه (ص: 49).
(2)
المستصفى (1/ 270).
(3)
يُنظر: البرهان (1/ 250)؛ القواطع (1/ 228)؛ إحكام الفصول (1/ 234)؛ العدة (2/ 368).
(4)
يُنظر: تنفيح الفصول (ص: 337).
(5)
التوضيح في شرح التنقيح لحلولو (ص: 485).
ولعل ما ذكره حلولو أولى؛ لأن هذه المسألة تتعلق بترتيب الأدلة عند بيان معرفة حكم الحادثة. وممن اختار ذكرها في الترجيح: ابن قدامة في الروضة. يُنظر: روضة الناظر (2/ 389).
(6)
هو: محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود السيواسي الإسكندري، الشهير بابن الهُمَام، كان إمامًا، فقيهًا، محدِّثًا، مناظرًا. من أشهر تلاميذه: سيف الدين الشهير بابن أمير حاج. من مصنفاته: "التحرير" في الأصول، و" فتح القدير" شرح على الهداية، (ت: 861 هـ).
تُنظر ترجمته في: النجوم الزاهرة (14/ 285)؛ بغية الوعاة (1/ 166 - 167)؛ الفوائد البهية (ص: 235 - 237).
مسألة الأمر للوجوب شرعية؛ لأن محمولها الوجوب وهو شرعي. وقيل: لغوية
…
" (1).
فاستدرك عليه أمير بادشاه هذا التنبيه في هذا الموضع فقال: "كان الأولى ذكره في ذيل مسألة: صيغة الأمر خاص في الوجوب"(2).
• رابعًا: نقد لإضعاف دليل الخصم:
قال البابرتي في مقدمة شرحه على مختصر ابن الحاجب: "وها أنا قد كشفت عن ساعدي نقد المختصر، يُنَبِّه الفطن على ما غفلوا من ماجد الأصحاب، وتعسفوا فتركوا إلى القشرة ما هو محض اللباب، فمن رزق الفطنة الوقادة عرفها، ومن اتبع الفاعة (3) والعادة فعن الحقائق صرفها"(4).
وهذا النوع من النقد كثير، وأقرره بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
قال القاضي أبو يعلى في مسألة (العلة القاصرة (5)) مستدركًا على الخصم من
(1) التحرير في أصول الفقه (ص: 148).
(2)
التقرير والتحبير (1/ 390).
(3)
أي الشر، يُقال: أفعى الرجل إذا صار ذا شرٍّ بعد خيرِ. يُنظر: الصحاح (ص: 817)؛ لسان العرب (11/ 202) مادة: : "فعا".
(4)
الردود والنقول (1/ 88).
(5)
العلة القاصرة - ويقال لها أيضًا: العلة الواقفة- هي: التي لم تتعد الأصل إلى الفرع. يُنظر: العدة في أصول الفقه (5/ 1379)؛ الحدود في الأصول (ص: 73 - 74)؛ قواطع الأدلة (4/ 124).
مثل قول الأصولي: بيع الذهب بالذهب متفاضلاً والورق بالورق متفاضلاً حرام؛ وعلة ذلك: أنها أصول الأثمان، وقيم المتلفات، وهذه العلة معدومة فيما سواهما. يُنظر: الحدود في الأصول (ص: 73 - 74).
الشافعية القائلين بجواز التعليل بها، عند استدلاله بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة؛ كالنص يكون عامًّا؛ كقوله: اقتلوا المشركين، ويكون خاصًّا؛ كقوله: اقتلوا المرتد.
" والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص لأنه يفيد في الموضعين جميعًا إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها تفيد في العموم، ولا تفيد الخصوص من الوجه الذي بيَّنَّا"(1).
ويستمر في ذكر أدلة الخصم والاستدراك عليها.
• المثال الثاني:
قال الباجي في مسألة (الأمر له صيغة تختص به)، دليل الخصم:"احتجوا بأن إثبات الصيغة للأمر لا يخلو إما أن تكون بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل، ولا يخلو أن يكون آحادًا فلا يقبل في أصل من الأصول، أو تواترًا ولا أصل له؛ لأنه لو كان لعلمناه كما علمتم، ولما لم نعلمه دل على أنه لا أصل له، فلا معنى لإثبات الصيغة".
فانتقد كلامهم هذا بقلب الدليل عليهم فقال: "والجواب: أن هذا ينقلب عليكم في إثبات الاشتراك في لفظة (افعل)؛ فإنه لا يخلو أن يكون بالعقل ولا مجال فيه، أو بالنقل ولا يخلو أن يكون آحادًا، فلا يجوز إثبات مسائل الأصول بأخبار الآحاد، أو تواترًا ولا أصل له لما ذكرتم، فلا معنى لدعوى الاشتراك. وكل جواب لكم عن هذا فهو جوابنا عما استدللتم به"(2).
(1) العدة (5/ 1384).
(2)
إحكام الفصول (1/ 198 - 199).