الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
السبب الأول: نسيان المستدرَك عليه:
أصل مادة النسيان: النون والسين والياء أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك الشيء. (1)
وهو في اللغة: ضد الذُّكر والحفظ. والنِّسيانُ أيضًا: الترك، قال الله تعالى:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (2)} [التوبة: 67]، وقال:{وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة، 237]. (3)
وأما في الاصطلاح فعرف بعدة تعريفات؛ منها: غيبة الشيء عن القلب؛ بحيث يحتاج إلى تنبيه جديد (4).
وذكر علماء الأصول للنسيان عدة تعريفات؛ منها:
جهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة. (5)
ومن علماء الأصول من يجعل النسيان والسهو معنى واحدًا كالتفتازاني (6)، ومنهم من يفرق بينهما كالعطار (7)؛ حيثُ قال: "السهو: الذهول؛ أي الغفلة
(1) مقاييس اللغة (5/ 421) مادة: (نسي).
(2)
قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته. يُنظر: تفسير الطبري (10/ 175)؛ زاد المسير (3/ 467).
(3)
يُنظر: الصحاح (ص: 1035)؛ لسان العرب (14/ 250) مادة: "نسا". ويُنظر كذلك: المطلع (ص: 408).
(4)
الكليات (ص: 506).
(5)
يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (4/ 455).
(6)
التلويح (2/ 363).
(7)
هو: حسن بن محمد بن محمود العطار، من علماء مصر، أصله من بلاد المغرب، وولد وتوفي بالقاهرة، أخذ العلم عن شيوخ الأزهر، وتولى مشيخته، من مصنفاته:"حاشية على شرح المحلى على جمع الجوامع"؛ و"حاشية على التهذيب في المنطق"، (ت: 1250 هـ).
تُنظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (3/ 146)؛ الأعلام (2/ 236)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: 533).
عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. بخلاف النسيان؛ فهو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله" (1).
وجمعت بينهما لحصر الأسباب في النقاط الثلاثة التي ذكرتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو (2)، ولم يظهر لي فرق في استعمال الأصوليين للكلمتين.
ودونك أمثلة توضح هذا السبب:
• المثال الأول:
ما ذكره ابن حزم في فصل (تمام الكلام في تعارض النصوص): "وقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حَدَّث به بنفسه، وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة:«نكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان» (3). وبالرواية عن ابن عباس «نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم» (4).
قال علي (5): وهذا ترجيح صحيح؛ لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.
(1) حاشية العطار على جمع الجوامع (1/ 216)؛ وكذلك الكفوي في الكليات فرق بينهما، يُنظر (ص: 506).
(2)
سبق بيان النسيان في اللغة، وأما السهو: فأصل السين والهاء والواو يدل على الغفلة، يقال: سهوت في الصلاة أسهو سهوًا. يُنظر: مقاييس اللغة (3/ 107) مادة: (سهو).
(3)
الحديث في صحيح مسلم، بلفظ:«عن يَزيدَ بن الْأصَمِّ حَدَّثَتْني ميْمُونَةُ بنت الْحَارثِ أن رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تزَوَّجَهَا وهو حلَالٌ. قال: وكَانَتْ خَالَتي وخَالَةَ بن عبَّاسٍ» يُنظر: صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (2/ 1032/ح: 1411).
(4)
يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: عُمْرةِ الْقضَاءِ، (4/ 1553/ح: 4011)؛ صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (2/ 1031 - 1032/ح: 1410).
(5)
المراد به: ابن حزم.
قال علي: إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه، فتناقض وهدم ما بنى في قوله: نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن، وتركوا ذلك في هذا المكان، وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس -رحمة الله عليه- إذا حدثوا بحديث ميمونة المذكور: وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم (1)، فقالوا: كلا، لا نترك حديثًا حدثناه البحر عبدالله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه!
قال علي: فإن كان كون أحد الرواة أعدل وجب أن نترك له رواية من دونه في العدالة؛ فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم كما بين السماء والأرض، وإن كان لا معنى لذلك فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل.
قال أبو محمد (2): ونسوا أنفسهم أيضًا، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس (3): «أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتي تمس ركبته، وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة (4) وهو عليه السلام يقول: لبيك عمرة
(1) هو: أبو عوف، يزيد بن الأصم، واسمه: عمرو بن عبيد بن معاوية البكّائي، مدني، تابعي، ثقة، وهو ابن خالة ابن عباس رضي الله عنه، خالتهما ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، (ت: 103 هـ).
تُنظر ترجمته في: تقريب التهذيب (1/ 599)؛ معرفة الثقات (2/ 360)؛ مشاهير الأمصار (1/ 74).
وروايته عنها المذكورة في صحيح مسلم السابق تخريجه (ح: 1411).
(2)
أي ابن حزم.
(3)
هو: أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر النجّاري الخزرجي الأنصاري، صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، أسلم صغيرًا، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة (93 هـ).
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (1/ 109)؛ سير أعلام النبلاء (3/ 395)؛ الإصابة (1/ 126).
(4)
هو: أبو محمد، طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى، (ت: 36 هـ) في موقعة الجمل.
تُنظر ترجمته في: مشاهر الأمصار (1/ 7)؛ تقريب التهذيب (1/ 282)؛ الإصابة (3/ 529).
وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» (1). وفي قول البراء بن عازب (2) إذ يقول:«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية حجه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سقت الهدي وقرنت» (3).
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحِلَّ من عُمرَتِكَ؟ فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وبين لها لِمَ فعل ذلك (4)» (5). فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته، وقد اضطرب عنها أيضا فيه، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة -رضي الله عن جميعهم- (6)، ولكلام عن جابر (7)
لم يدع أنه سمعه، وهو مع ذلك أيضًا يحتمل التأويل،
(1) أصله في صحيح مسلم، ك: الحج، ب: إهْلَالِ النبي صلى الله عليه وسلم وَهَدْيهِ، (2/ 915/ح: 1251).
(2)
هو: أبو عمارة، البراء بن عازب بن الحارث الحارثى الأنصاري، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا؛ وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم استصغره يوم بدر فرده، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، (ت: 72 هـ).
تُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (1/ 177)؛ الإصابة (1/ 278)؛ تهذيب التهذيب (1/ 372).
(3)
سنن أبي داود، ك: المناسك، ب: في الْإقْرَانِ، (2/ 158/ح: 1797)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: الحج، ب: إفراد الحج، (2/ 346/ح: 3705)، ك: الحج، ب: الْحجُّ بِغيْرِ نِيّةٍ يقْصِدُهُ الْمحْرِمُ، (5/ 352/ح: 3726). قال الألباني: صحيح. يُنظر: صحيح سنن أبي داود (1/ 505).
(4)
وهو قوله: «إني لَبَّدتُ رأسي، وَقَلَّدتُ هديي، فلَا أحِلُّ حتى أَنحَرَ» . يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: من لبَّدَ رأسه عند الإحرامِ وحَلَقَ، (2/ 616/ح: 1638)، ك: اللباس، ب: التّلْبِيدِ، (5/ 2213/ح: 5572). قوله: لبَّدْتُ رأسي: أيْ شعْرَ رَأْسي وهو أن يُجْعلَ فيه شيء مُلْتَصقٌ. يُنظر: نيل الأوطار (5/ 34).
(5)
يُنظر التخريج في المراجع السابقة.
(6)
حيث نقل عن أنس والبراء وحفصة أنه صلى الله عليه وسلم حج قارنًا. وروت عائشة ذلك في الصحيحين. يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: كيْفَ تُهلُّ الْحَائضُ والنُّفَسَاءُ
…
، (2/ 563/ح: 1481)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام
…
، (2/ 870/ح: 1211).
(7)
هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو عبدالرحمن، وقيل: أبو محمد، جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، أحد المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه صحبة، كان مع من شهد العقبة، (ت: 78 هـ)، وقيل غير ذلك، وهو آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتًا بالمدينة، وكان عمره عند موته (94) سنة.
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (1/ 219)؛ مشاهير الأمصار (1/ 11)؛ الإصابة (1/ 434).
وقد اضطرب عنه أيضًا في ذلك (1)، ولا شك عند ذي عقل أنه عليه السلام أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة، وأن أنسًا والبراء وحفصة الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه صلى الله عليه وسلم ذلك وباشروه يقول ذلك أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه؛ ولكن هكذا يكون من اعتقد قولًا قبل أن يعتقد برهانه" (2).
• بيان الاستدراك
استدرك ابن حزم على القائلين بتعارض النصوص، والتخلص من هذا التعارض بعدة طرق؛ منها:
الترجيح: بأن يكون راوي أحد الخبرين باشر الأمر الذي حدث به بنفسه، والآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثّل ذلك بالرواية عن ميمونة «نكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان». وبالرواية عن ابن عباس:«نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم» ، بأن قولهم هذا نسيانٌ؛ لترجيحهم الخبر الذي راويه أضبط وأتقن؛ حيثُ رجحوا في هذا الخبر حديث ميمونة الذي يرويه يزيد بن الأصم، وتركوا رواية ابن عباس، وابن عباس أحفظ وأتقن من ابن الأصم.
(1) روي عن جابر وعائشة أن نسكه صلى الله عليه وسلم في الحج الإفراد. يُنظر حديث عائشة في: صحيح البخاري، ك: ب: التَّمَتّعِ وَالْإقْرَانِ وَالْإفْرَادِ بالْحَجِّ
…
، (2/ 567/ح: 1487)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام
…
، (2/ 876/ح: 1211). ويُنظر حديث جابر في: صحيح البخاري، ك، ب:، (3/ 568/ح: 1493)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام
…
، (2/ 884/ح: 1216)، ك: الحج، ب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، (2/ 887/ح 1218).
ويُنظر مسألة نوع نسكه صلى الله عليه وسلم في نيل الأوطار (5/ 39)؛ حيث فصل فيها وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.
(2)
الإحكام لابن حزام (2/ 178 - 179).
واستدرك عليهم أيضًا نسيانهم ما رحجوا به هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس: «أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة وهو عليه السلام يقول: لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» . وفي قول البراء بن عازب إذ يقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية حجه فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سقت الهدي وقرنت» .
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحل من عمرتك؟ فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وبين لها لم فعل ذلك» .
فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به البراء وحفصة، لخبر عن عائشة التي لم تباشر الرواية ولم تدع أنها سمعته.
• المثال الثاني:
ما ذكره ابن حزم في عدم حجية عمل أهل المدينة حيث قال: "
…
وبالسند المذكور
…
حدثنا عمرو بن مُسْلِمِ بن عَمَّار اللَّيْثِيِّ (1) قال: كنا في الحمام (2) قُبيل الأضحى، فأطلى (3) فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ (4)
يكره
(1) عمرو بن مسلم بن عمار بن أكيمة الليثي، قال عنه ابن معين: ثقة. وفي رواية: لا بأس به، (ت: 101 هـ)، وهو ابن (79) سنة.
تُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (1/ 72)؛ تهذيب الكمال (22/ 240)؛ تهذيب التهذيب (8/ 91).
(2)
الحمام: مشتق من الحميم، وهو الماء الحار. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(3)
قوله: "فأطلى فيه أناس ": أي أزالوا شعر العانة بالنورة. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(4)
هو: أبو محمد، سعيد بن المسيب المخزومي، سيد التابعين، ومن الأئمة الأعلام وفقهاء المدينة، كان محدثًا ومفسرًا وفقيهًا وورعًا، اختلفوا في سنة وفاته، والذي عليه أكثر المحدثين أنه في سنة (105 هـ).
تُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (2/ 161)؛ سير أعلام النبلاء (4/ 217)؛ تذكرة الحفاظ (1/ 56).
هذا (1) وينهى عنه. فلقيت سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك، حدثتني أُمُّ سَلَمَةَ زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -فذكرت- «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (2)، أو كلاما هذا معناه.
قال علي: عمرو بن مُسْلِمٍ هذا هو ابن أُكَيْمَة الذي يروي عنه مَالِك وغيره.
قال عَلي: فإن كان عمل أهل المدينة الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الباب الذي ذكرنا؛ فنحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل، ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته، ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا من نحو إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المرور في المسجد (3)، وبيع أهل سوق المدينة الوَرْق (4) بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة، ولا ينكر ذلك
(1) قوله: "إن سعيدًا يكره هذا ": أي يكره إزالة الشعر فى عشر ذى الحجة لمن يريد التضحية؛ لا أنه يكره مجرد الإطلاء، ودليل ذلك: احتجاجه بحديث أم سلمة وليس فيه ذكر الإطلاء؛ إنما فيه النهي عن إزالة الشعر. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(2)
صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وهو مُرِيدُ التَضحِية أَنْ يأخذ من شعره أو أظفارهِ شيئًا (3/ 1565 - 1566/ح: 1977).
(3)
إشارة إلى حديث عائشة رضي الله عنها: «أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد» . رواه مسلم، في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد (2/ 668/ح 973).
(4)
الورق: بكسر الراء، والإسكان للتخفيف، الدراهم المضروبة. يُنظر: الصحاح (ص: 1134)؛ المصباح المنير (2/ 655) مادة: (ورق).
أحد منهم (1).
ومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أَهلَّ ذو الحجة بشهادة سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ -فقيه أهل المدينة- عليهم بذلك. (2)
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على المالكية احتجاجهم بعمل أهل المدينة وأن لا دليل لهم فيه، وأوجب أن لا حجة إلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأن أهل المدينة قد نسوا بعض الأحاديث؛ ومن ذلك: ما استشهد به من نسيانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يضحي بأن لا يمس شيئًا من شعره وظفره، ونسيانهم هذا الأمر بشهادة شاهد من أهلها؛ وهو سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ، وإنكارهم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مرور الجنازة بالمسجد؛ وذلك بسبب نسيانهم صلاة النبي على سهيل بن بيضاء (3) في المسجد. وعدم إنكارهم على من باع الوَرْقَ بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة بسبب نسيانهم الحكم.
(1) إشارة إلى حديث عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا الأمر لا يصلح. قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع. فقال: ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا. وائت زيد بن أرقم؛ فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال مثل ذلك» .. رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب النهي عن بيع الوَرِقِ بالذهب دينًا، (3/ 1212/ح 1589).
(2)
الإحكام لابن حزم (2/ 239).
(3)
هو: سهيل بن بيضاء القرشي الفهري، وبيضاء أمه، وهو لقب لها واسمها دعد، واسم أبيه: وهب بن ربيعة بن هلال ابن الحارث بن فهر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع فهاجر من مكة إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، ومات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد.
تُنظر ترجمته في: الإصابة (3/ 208)؛ تعجيل المنفعة (1/ 170)؛ الجرح والتعديل (4/ 245).
• المثال الثالث:
ما ذكره ابن حزم في إبطال القياس: "واحتج بعضهم بقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] قالوا: وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة - يعني اشتراط العدالة-، واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط، فكان ذلك في سائر الأحكام قياسًا على الطلاق والرجعة.
قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم؛ فأول ذلك: أن المحتج بهذا إن كان مالكيًّا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق (1)، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة (2)، وهم غير موصوفين بعدالة، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب.
وإن كان حنفيًّا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض (3)، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول (4)، والأقارب العدول (5) " (6).
(1) لم أقف على هذا في كتب المالكية؛ بل نقل ابن رشد الاتفاق على أن شهادة الفاسق لا تقبل. يُنظر: بداية المجتهد (4/ 1772). ويُنظر قول المالكية في رد شهادة الفاسق في التلقين (2/ 531).
(2)
يُنظر: التلقين (2/ 541)؛ القوانين الفقهية (ص: 202)؛ حاشيتا قليوبي وعميرة (4/ 319).
(3)
المبسوط (16/ 141)؛ تبيين الحقائق (5/ 182).
(4)
يُنظر: المدونة (16/ 285)؛ رسالة القيرواني (ص: 133)؛ المبسوط (16/ 135)؛ بدائع الصنائع (6/ 267).
(5)
يُنظر: القوانين الفقهية (ص: 203)؛ بدائع الصنائع (6/ 272)؛ البحر الرائق (7/ 57)؛ حاشية العدوي (2/ 450).
(6)
الإحكام لابن حزم (7/ 406).
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على الجمهور القائلين بحجية القياس قياسهم سائر الأحكام على الطلاق والرجعة في اشتراط العدالة فقال: إن كان المحتج بالقياس مالكيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الطبيب الفاسق، وشهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة؛ حيث قبلوا شهادتهم وهم ليسوا عدول.
وإن كان المحتج بالقياس حنفيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الكفار بعضهم على بعض.
• المثال الرابع:
ما ذكره البيضاوي في مسألة (التعليل بالوصف المركب): "قيل: لو عُلِّلَ بالمُرَكَّبِ فإذا انتفى جزء تنتفي العِلِّيَّة، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل الحاصل. قلنا: العلة عَدَمِيَّة فلا يلزم ذلك"(1).
فاستدرك عليه الإسنوي: "وأجاب المصنف (2) بأن العِليَّة صفة عدمية
…
ولم يجب الإمام (3) به عن هذه الشبهة؛ وإنما أجاب به عن شبهة أخرى
…
فترك صاحب الحاصل (4) ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، والظاهر أنه إنما حصل عن سهو" (5).
• بيان الاستدراك:
تعليل الحكم بالوصف المركب؛ كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد
(1) منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي- (2/ 916).
(2)
المراد به البيضاوي.
(3)
المراد به الرازي، ويُنظر: المحصول (5/ 305 - 308).
(4)
المراد به تاج الدين الأرموي، يُنظر: الحاصل (3/ 203 - 204).
(5)
نهاية السول (2/ 917 - 918).
العدوان، وهو جائز عند الأكثرين من علماء الأصول، وقال قوم: لا يجوز التعليل بالوصف المركب؛ بحجة أنه لو صح التعليل به لكان عدم أي جزء من المركب عدمًا لتلك العلية، فانعدام الجزء الآخر بعد ذلك لا يترتب عليه انعدام العلية؛ لأن العدم حصل عند انعدام الجزء الأول، فلا يحصل مرة أخرى عند انعدام الجزء الثاني؛ وذلك لامتناع تحصيل الحاصل.
فأجاب البيضاوي على دليلهم هذا بناء على أن كون العِلِّيَّة صفة وجودية، في حين أنها صفة عدمية لا وجود لها في الخارج؛ وإنما يعتبرها العقل، وإذا كانت العِلَّيَّة عدمية كان انتفاؤها وجوديًّا؛ لأن أحد النقيضين لابد أن يكون وجوديًّا.
فاستدرك الإسنوي على البيضاوي هذا الجواب، بأن الرازي لم يذكره جوابًا لهذه الشبهة وإنما أجاب به عن شبهة أخرى.
والذي أوقع البيضاوي في هذا الخلل متابعته للتاج الأرموي عند اختصاره للمحصول؛ حيث ذكر هذه الشبهة للمانعين، ونقل جواب الرازي لشبهة أخرى، والظاهر أنه كان سهوًا منه.
• المثال الخامس:
ما ذكره الإمام البيضاوي في شروط الأصل المختلف فيها: "وزعم عثمان البَتّي (1) قيام ما يدل على جواز القياس عليه"(2).
(1) هو: أبو عمرو، عثمان بن مسلم البتي البصري، من أهل الكوفة وانتقل إلى البصرة. وسمي البتي لأنه كان يبيع البتوت، وهي الكساء الغليظ من وبر أو صوف. روى عن أنس بن مالك والشعبي وغيرهما، وروى عنه شعبة والثوري، (ت: 143 هـ).
تُنظر ترجمته في: الكاشف للذهبي (2/ 13)؛ طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 91)؛ الطبقات الكبرى (7/ 257).
(2)
منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (2/ 927).
فاستدرك عليه الإسنوي بقوله: "وعبر صاحب الحاصل (1) عن هذا بقوله: (وزعم عثمان البَتّي اشتراط قيام ما يدل على جواز القياس)، فتبعه المصنف على عبارته؛ ولكنه نسي لفظة (اشتراط) ولا بد منها"(2).
• بيان الاستدراك:
بعد أن ذكر البيضاوي شروط الأصل المتفق عليها أردفها بالشروط المختلف فيها، وذكر زعم عثمان البتي أنه لا يقاس على أصل حتى يقوم دليل على جواز القياس على ذلك الأصل.
فاستدرك عليه الإسنوي إسقاط كلمة (اشتراط) الواردة في الحاصل بسبب النسيان وأنه لابد منها.
• المثال السادس:
ذكر محب الله بن عبدالشكور (3) في مسألة (الزيادة على النص): "وأما رفع مفهوم مخالفة كـ (في المعلوفة زكاة) بعد (في السائمة) فنسبته إلى الحنفية سهو من ابن الحاجب (4) إلا تقديرًا"(5).
• بيان الاستدراك:
استدرك محب الله على ابن الحاجب ما نسبه إلى الحنفية من أن رفع مفهوم
(1) المراد به التاج الأرموي، يُنظر الحاصل (3/ 224).
(2)
نهاية السول (2/ 928).
(3)
هو: محب الله بن عبدالشكور البهاري الهندي، نسبة إلى بهار من بلاد الهند، كان مشهورًا بالتقوى والصلاح، انتصب للتدريس والإفتاء. من مصنفاته:"سلم العلوم" في المنطق، و" مُسَلَّم الثبوت" في أصول الفقه، (ت: 1119 هـ). تُنظر ترجمته في: الأعلام (5/ 283)؛ الفتح المبين للمراغي (3/ 122).
(4)
مختصر ابن الحاجب (2/ 1019 - 1020).
(5)
مسلم الثبوت (2/ 92).