الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
المطلب الثاني
منهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته
أصل المادة: الحاء واللام له فروع كثيرة، أصلها كلها: فتح الشيء (1).
والتحليل في اللغة: تفعيل من حلل، وحل العقدة: نقضها، فانحلت، وكل جامد أذيب فقد حل، والتَّحَلْحُل: التحرُّك والذهاب (2).
وتحليل الشيء: ترجيعه إلى عناصره. وتحليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها (3).
وعليه فإن المراد بمنهج الاستدراك التحليلي: طريقة التعقيب على الخصم بنقض احتمالات قوله.
شرح التعريف:
طريقة التعقيب على الخصم: سبقت في بيان معنى منهج الاستدراك.
بنقض: مستفاد من المعنى اللغوي للتحليل، والمراد بالنقض هنا: إفساد ما أُبرم (4) في دليل الخصم.
(1) يُنظر: مقاييس اللغة (2/ 20) مادة: (حلل).
(2)
يُنظر: لسان العرب (4/ 206، 207)؛ القاموس المحيط (ص: 986) مادة: (حلل).
(3)
يُنظر: المعجم الوسيط (ص: 194) مادة: (حلَّ).
(4)
يُنظر: تاج العروس (19/ 88) مادة: (نقض)، وقال أيضًا في معنى النقض: (ومن المجَازِ: نَقيضَةُ الشّعْر؛ وهو أن يقولَ شاعرٌ شعْراً فيَنْقضَ عَلَيهِ شاعرٌ آخرُ حتّى يجيءَ بغيرِ ما قالَ؛ ولذلك قالوا: نَقَائضُ جريرٍ والفَرَزدَقِ
…
قالَ الشّاعر:
وكانَ أبو العيُوفِ أخاً وجاراً
…
وذا رحِمٍ فقلتُ له نِقاضَا
أي ناقَضتُه في قوله وهَجوِه إِيّايَ). (19/ 94 - 95).
احتمالات قوله: فالتعقيب على كلام الخصم في هذه الطريقة لا يكون على مجمل قوله، بل على احتمالات قوله.
أمثلة لاستدراكات استخدم فيها المنهج التحليلي:
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (إفادة التواتر للعلم): "وقولنا: (بشروط تذكر) أي: للتواتر شروط قد ذكرت في مسائله. (وفيه مسائل: الأولى: التواتر يفيد العلم) أي: يحصل العلم بالخبر المتواتر، (وخالف السُّمَنِيَّة (1)) والبَرَاهِمة (2) أيضًا، أي: قالوا: لا يفيد العلم؛ بل الظن، (إذ حصروا) أي: إنما خالفوا في إفادة التواتر العلم؛ لأنهم حصروا (مدارك العلم في الحواس الخمس) أي: قالوا: لا سبيل إلى إدراك علم من العلوم إلا بإحدى الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشمِّ، والذوق، واللمس
…
فنقول: هذا الحصر إما أن يكون معلومًا لكم، أو غير معلوم، فإن كان معلومًا لكم بطل قولكم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس؛ لأن هذا علم قد حصلتموه من غير جهة الحواس، وإن لم يكن معلومًا لكان هذا الحصر على ظن؛ لكن الظن
(1) السُّمَنِيَّة: فرقة من أمصار الهند، منسوبة إلى صنم اسمه (سُومَنَات)، كسره فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (ت: 421 هـ). قالوا بقدم العالم، وبإبطال النظر والاستدلال، وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت. وقالوا بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، فأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان.
يُنظر: الفَرق بين الفِرق (ص: 253)؛ فواتح الرحموت (2/ 142)؛ المعجم الوسيط (ص: 452)؛ دستور العلماء (2/ 133).
(2)
البَراهِمة: قبيلة بالهند، من ولد برهمي- ملك من ملوكهم قديم -، ولهم علامة ينفردون بها؛ وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف، وقد أنكروا النبوات، وحرموا لحوم الحيوان.
يُنظر: الفصل في الملل (1/ 63)؛ الملل والنحل (2/ 250)؛ المعجم الوسيط (ص: 53).
لا يفيد في هذا الباب؛ لأنه من العلميات" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك الطوفي على فرقة السُّمَنِيَّة والبراهمة حصرهم مدارك العلم في الحواس الخمس؛ فإن حصرهم هذا يتردد بين احتمالين:
- الاحتمال الأول: أن يكون حصرهم معلومًا لهم.
- الاحتمال الثاني: أن يكون حصرهم غير معلومٍ لهم.
فإن كان الأول - الحصر معلوم - فقولهم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس باطل؛ لأن قولهم هذا علم ولم يدرك من جهة الحواس.
وإن كان الثاني - الحصر غير معلوم - فهو من قبيل الظن؛ ولكن الظن لا يفيد في باب مدارك العلم؛ لأن هذا الباب من العلميات، وبهذا يبطل قولهم.
• المثال الثاني:
قال الإسنوي في مسألة (الخبر الذي علم صدقه): "فيما علم صدقه وهو سبعة أقسام:
…
الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة،
…
، هكذا استدل عليه الإمام (2) فتبعه المصنف وغيره.
فإن أراد بالحجة: ما هو مقطوع به، وهو الذي صرح به الآمدي (3) هنا؛ فالإجماع ليس كذلك عندهما -كما ستعرفه- (4).
(1) يُنظر: شرح مختصر الروضة (2/ 74 - 75).
(2)
يُنظر: المحصول (4/ 282).
(3)
أي أن الآمدي صرح بأن الإجماع حجة قاطعة خلافًا للرازي. يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 266).
(4)
قال الرازي: "نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع، ولا بتفسيقه، ولا نقطع أيضًا به، وكيف وهو عندنا ظني؟ ! ". المحصول (4/ 64)، ويُنظر:(4/ 209 - 210).
وإن أراد بالحجة: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك الإسنوي على الرازي والبيضاوي عدهم خبر كل الأمة من الخبر الذي علم صدقه، واستدلالهم في ذلك بالإجماع؛ لأن الإجماع حجة.
فحلل الإسنوي هذه العبارة - الإجماع حجة - باحتمالين:
إن أراد الرازي والبيضاوي بالحجة: المقطوع به؛ فهذا لا يتمشى مع مذهبهما؛ حيث إن الإجماع يفيد الظن عندهما.
وإن أرادا بالحجة في الإجماع: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم منه أن يكون الإجماع مقطوعًا به، وبالتالي لا يكون خبر كل الأمة مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية.
(1) نهاية السول (2/ 665).