الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد تتبع الشافعى -رحمة الله عليه- مذاهبهم، وأبان أنهم لم يفوا بشيء مما ذكروه، ونورد كلام الشافعي رضي الله عنه على وجهه
…
" (1).
•
رابعًا: صيغة (لكن):
(لكن) حرف استدراك (2)، وكثيرًا ما يؤتى بهذه الصيغة بعد لفظ (سلمنا) في مناقشة الخصوم: (سلمنا
…
ولكن
…
). وأضرب لذلك مثلاً، ثم أذكر أمثلة لاستعمال هذه الصيغة بغير هذا الأسلوب (3).
• مثال لصيغة (لكن) بعد لفظ (سلمنا):
قال الرازي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): "الحقُّ: أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، وهو قول الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه؛ صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله.
خلافًا لِعِيسَى بنِ أَبَانَ (4)
…
واحتج المخالف: بأن مخالفة الراوي إن كانت لا عن طريق؛ كان ذلك قادحًا في عدالته، فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر.
وإن كانت عن طريق فذلك الطريق إما محتمل، أو قاطع، ولو كان الدليل محتملاً
(1) يُنظر: القواطع (4/ 89 - 90).
(2)
يُنظر: مغني اللبيب (1/ 383)؛ الجنى الداني (ص: 105)؛ ويُنظر في كتب الأصول: القواطع (1/ 59)؛ أصول السرخسي (1/ 211)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 266).
(3)
هذا الأسلوب يكثر في كتب الجمهور؛ وخاصة المحصول للرازي، والإحكام للآمدي.
(4)
هو: أبو موسى، عيسى بن أبان بن صدقة، تفقه على محمد بن الحسن ولزمه ستة أشهر، وصف بالذكاء، والسخاء، وسعة العلم، ولي قضاء البصرة حتى مات، من تصانيفه:"إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأي"، و"الجامع"، (ت: 221 هـ) بالبصرة.
تُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (2/ 170 - 172)؛ أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: 147 - 153)؛ الجواهر المضيئة (2/ 678). ويُنظر قول عيسى بن أبان في: أصول السرخسي (2/ 7).
لذكره؛ إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولما بطل ذلك تعين القطع.
والجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره، فلعله لم تتفق تلك المناظرة.
سلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل لكنه لم يشتهر، والله أعلم" (1).
أمثلة لصيغة (لكن):
• المثال الأول:
قال السمعاني في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) في رده على الواقفية: "وأما الذي قالوا: إنَّ هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة، ويقع البيان بهما عند إرادة أحد وجوههما.
قلنا: نحن لا ننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة؛ ولكن ليس هذا من جملتها؛ لأنه لو كان يقول القائل لغيره: (افعل) حقيقة في أن يفعل، وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل، أو غير ذلك مما ذكروه؛ لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولو كان كذلك لما سبق إلى أفهامنا عند سماعها من دون قرينة أنَّ المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه. كما أنَّه لما كان اسم اللون مشتركًا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض.
ومعلوم أنّا إذا سمعنا قائلاً يقول لغيره: (افعل)، وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة؛ فإنَّ الأسبق إلى أفهامنا أنه طلب للفعل. كما أنّا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارًا؛ فإن الأسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الأبله الذي يُشبَّه بها.
وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أنَّ الاسم مشترك، وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا
(1) يُنظر: المحصول (3/ 126 - 129).
ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل" (1).
• المثال الثاني:
قال الغزالي في (ما يعلم كذبه من الأخبار): "القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه، وهي أربعة
…
الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره؛ لتوفر الدواعي على نقله .... وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى، وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه.
فإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه؛ كإفراده صلى الله عليه وسلم الحج أو قرانه (2)
…
ونقلت الأمة سور القرآن، ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما؛ حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن (3)، وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضًا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة.
(1) يُنظر: قواطع الأدلة (1/ 88).
(2)
اختلف العلماء في نسكه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع هل كان قارنًا أو مفردًا، فقال الحنفية والحنابلة: إنه كان قارنًا، وقال المالكية والشافعية: كان مفردًا. يُنظر: الحاوي (4/ 45)؛ المبسوط للسرخسي (4/ 26)؛ البيان والتحصيل (4/ 76)؛ شرح الزركشي على الخرقي (1/ 553). ويُنظر المسألة في نيل الأوطار (5/ 39)؛ حيث فصل فيها، وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.
(3)
يُنظر: تفسير القرطبي (20/ 251)، نقل هذا الرأي عن ابن مسعود، وتوجيه العلماء له. وعقد الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن باب في " الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبدالله بن مسعود لكونهما قرآنًا منزلاً، وتأويل ما روي في إسقاطها من مُصحفه وحكِّه إياهما، وتركه إثبات فاتحة الكتاب في إمامه، ما يتصل بهذه الفصول". يُنظر: الانتصار للقرآن (1/ 300 - 330).
والجواب:
…
وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعًا من القرآن كسائر السور، وابن مسعود رضي الله عنه لم ينكر كونهما من القرآن؛ لكن أنكر إثباتهما في المصحف" (1).
• المثال الثالث:
قال الطوفي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ): "قوله (2): (والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربًا ولا نية لكافر).
هذا تقرير لضعف مذهب القائلين: بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية كترك المحظورات، دون مأموراته كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإيجادها، وما يترتب عليها من مصلحة عاجلة؛ كإغناء الفقراء بالزكاة ونحوه. والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا يصح إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي ونحو ذلك، وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، والمؤمن والكافر فيه سيان.
وتقرير الجواب: أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق والإيمان، قلنا: نعم، وكذلك نقول؛ لكن ليس كلامنا في الصحة؛ إنما هو في التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك وفوائده" (3).
(1) يُنظر: المستصفى (2/ 167 - 173).
(2)
أي مختصر الروضة (البلبل) - مطبوع مع شرح مختصر الروضة - (1/ 210).
(3)
يُنظر: مختصر الروضة (1/ 214 - 215).