الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بيان رتبة السنة النبوية من القرآن الكريم
…
قبل أن نتحدث عن النوع الثالث من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم وهو: "استقلالها بتشريع الأحكام دون أن يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم" نبين هنا رتبة السنة الشريفة من القرآن الكريم لما فى ذلك من ارتباط بهذا النوع الثالث من أنواع بيان السنة لكتاب الله عز وجل.
…
يقول الأستاذ محمد سعيد منصور: "لا خلاف بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً إلا من شذ من بعض الطوائف المغرضة المنحرفة-من غلاة الشيعة، والخوارج، والروافض، والمستشرقين، وبعض المتكلمين حديثاً ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلى أمتنا - فى أن كلاً من الكتاب والسنة وحى من عند الله تعالى، وحجة لمعرفة الحلال والحرام، ودليل يجب على المجتهد التمسك به والعمل بمقتضاه، وكذلك لا نزاع بينهم فى أن الكتاب الكريم، يمتاز عن السنة، ويفضل عنها، بأن لفظه من عند الله عز وجل، متعبد بتلاوته، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله بخلافها فهى دونه منزلة فى هذه النواحى"(1) .
…
يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق رحمه الله: ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجية: بأن تكون مرتبتها التأخر عن الكتاب فى الاعتبار والاحتجاج، فتهدر ويعمل به وحده، لو حصل بينهما التعارض.
(1) منزلة السنة من الكتاب ص469، 470 بتصرف.
.. وإنما كان الأمر كذلك: لأن حجية الكتاب إنما جاءت من ناحية أنه وحى من عند الله تعالى. ولا دخل للأمور المذكورة فيها. فلو لم يكن الكتاب معجزاً ولا متعبداً بتلاوته، وثبتت الرسالة بغيره من المعجزات؛ لوجب القول بحجيته؛ كما كان الأمر كذلك فى الكتب السابقة والسنة المطهرة مساوية للقرآن من هذه الناحية؛ فإنها وحى مثله. فيجب القول بعدم تأخرها عنه فى الاعتبار. ثم إن التحقيق عند علماء الكلام: أن الرسول لا يشترط فى رسالته نزول كتاب، بل الشرط: إنما هو نزول شريعة ليبلغها الأمة، وإظهار المعجزة على يده، كما هو بين فى شرح العقائد النسفية وحواشيه (1) .
…
ويدل على ذلك أيضاً: أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون؛ ليأمره بالإيمان به، والاهتداء بهديه، وإرسال بنى إسرائيل معه. ولم يكن قد نزل عليه – فى ذلك الحين – التوراة: لأنها إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وخروج بنى إسرائيل من مصر –كما هو معلوم – ومع ذلك قامت الحجة على فرعون بهذا الأمر: لما أقام له موسى –عليه السلام المعجزة، فلما خالفه اعتبر عاصياً ربه، مستحقاً اللعنة، والعذاب.
فحجية الوحى الغير المتلو لا تتوقف على ورود المتلو بها: لأن كلا منهما من عند الله. وهذا تثبته المعجزة - قرآناً أو غيره - المثبتة لعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم فى تبليغ ما جاء به عن الله تعالى.
…
ولو سلمنا استلزام الفرعية للتأخر مطلقاً، لقلنا: إن ما كان أقل من سورة لم تثبت قرآنيته إلا بقوله صلى الله عليه وسلم: هذا كلام الله، كما تقدم بيانه فى مبحث العصمة (2) . فعلى هذا يقال: إن الكتاب متأخر عنها فى الاعتبار؟
…
بل الحق: أن كلاً منهما معضد للآخر، ومساوٍ له: فى أنه وحى من عند الله، وفى قوة الاحتجاج به، وأنه لا يؤثر فى ذلك نزول لفظ الكتاب ولا إعجازه، ولا التعبد بتلاوته، ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد حجيتها.
(1) 1/54.
(2)
راجع: ص 444، 445.
.. وحيث إنهما من عند الله: فلا يمكن الاختلاف بينهما فى الواقع، ويستحيل أن يوجد كتاب وسنة - كل منهما قطعى الدلالة والثبوت - بينهما تعارض مع الاتحاد فى الزمن وغيره، مما يشترط لتحقق التعارض فى الواقع.
…
وأما أنهما قد يتعارضان فى الظاهر - إذا كانت دلالتها أو دلالة أحدهما ظنية، أو كانت دلالتها قطعية ولم يتحد الزمن: فهذا أمر جائز واقع كثيراً. وحينئذ يجب على المجتهد اعتبارهما كما لو كانا آيتين أو سنتين: حيث أنهما متساويان فينسخ المتأخر منهما المتقدم إذا ثبت له تأخره، ويرجح أحدهما على الآخر بما يصلح مرجحاً، ويجمع بينهما إن أمكن. وإلا توقف إلى أن يظهر الدليل فأما أن نقول بإهدار أحدهما مباشرة - بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ: فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه.
…
ولذلك نجد علماء الأصول، والفقه، والحديث، يقولون: بتخصيص السنة لعام الكتاب، وتقييدها لمطلقه، ونسخها له، وأنها تؤوله وتوضح مجملة، وتبين أن المراد منه خلاف ظاهره. كما يحصل ذلك من الكتاب بالنسبة للسنة.
…
نعم فى بعض هذه المسائل خلافات كثيرة، ولكن يجب أن يعلم أن مرجعها إلى مدارك أخرى وذلك كظنية الطريق فى خبر الواحد، وقطعية القرآن، وليس مرجعها إلى السنة من حيث ذاتها، ومن حيث أنها متأخرة عن الكتاب، بدليل أن من يمنع نسخ القرآن بخبر الواحد مثلاً، يمنع نسخ السنة المتواترة به أيضاً، ويجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر وبالعكس. ولو كان المدرك التأخر فى الاعتبار لما قال إلا بنسخ السنة بالقرآن.
…
ومن ذلك كله: تعلم بطلان ما ذهب إليه الإمام الشاطبى فى الموافقات (1) : من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب فى الاعتبار" (2) .
ثم ذكر الدكتور عبد الغنى شبه الإمام الشاطبى وردها (3) .
(1) الموافقات 4/392.
(2)
حجية السنة ص 485 - 489 بتصرف يسير.
(3)
المصدر السابق ص 489 - 494.