الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التعريف بالحديث الموضوع لغة واصطلاحاً:
…
الموضوع لغة: اسم مفعول، مأخوذ من وضع الشئ يضعه وضعاً، إذا حطه وأسقطه. أو مأخوذ من الضعة، وهى الانحطاط فى الرتبة ويأتى (وضع) لمعانٍ عدة، منها: الإسقاط، كوضع الجنابة عنه أى أسقطها وكوضع الأمر، أو الشئ عن كاهله، أى أسقطه. ويأتى بمعنى الترك، ومنه: إبل موضوعة، أى متروكة فى المرعى. ويأتى بمعنى الافتراء والاختلاف كوضع هذه القصة، أى: اختلقها وافتراها. والأحاديث الموضوعة: المختلقة (1) .
والموضوع فى اصطلاح المحدثين: هو الحديث الكذب، المختلق، المصنوع فهو مما نسب إلى النبى صلى الله عليه وسلم كذباً واختلاقاً، مما لم يقله أو يفعله أو يقره، فالمناسبة بين المعنى اللغوى، والاصطلاحى ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط، وفيه انحطاط فى رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجوداً (2) .
وتسمية الكلام (الموضوع) : حديثاً، لا مانع منها، فهو حديث بالنظر إلى المعنى اللغوى، كما أشار إليه الحافظ السخاوى فى فاتحة كتابه المقاصد الحسنة بقوله:"ولاحظت فى تسميتها أحاديث - المعنى اللغوى -"(3) ، وهو أيضاً (حديث) بحسب زعم واضعه، وبالنظر إلى ظاهر الأمر قبل البحث والكشف له، وإن كان اصطلاحاً ليس بحديث.
…
ويشهد لتسمية الكلام المكذوب (حديثاً) قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"(4) ، ففى هذا الحديث سمى النبى صلى الله عليه وسلم، الكلام المكذوب (حديثاً)
والحديث الموضوع: تارة يكون كلاماً يخترعه الكذاب من عند نفسه، ثم يضيفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الأحاديث الموضوعة.
(1) لسان العرب 8/396، 397، والقاموس المحيط 3/91، 92.
(2)
انظر: تدريب الراوى 1/274، وفتح المغيث للسخاوى 1/274، وتوضيح الأفكار 2/68، وتنزيه الشريعة لابن عراق 1/5.
(3)
المقاصد الحسنة ص 3.
(4)
سبق تخريجه ص 34.
.. وتارة يأخذ الواضع كلام غيره كبعض كلمات السلف الصالح من الصحابة والتابعين، أو بعض كلمات الحكماء، أو بعض الأخبار الإسرائيليات، أو غير ذلك، ثم ينسبه للرسول صلى الله عليه وسلم.
…
وتارة يأخذ الواضع حديثاً ضعيف الإسناد، فيركب عليه إسناداً صحيحاً ليروج ويقبل. وتارة ينسب الكلام المستقيم ككلام بعض الصحابة أو غيرهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم خطأ وغلطاً، فيقال فيه أيضاً: حديث موضوع (1) أ. هـ.
بداية الوضع فى الحديث وبراءة الصحابة رضي الله عنهم منه:
…
اختلف العلماء فى بداية ظهور الوضع فى الحديث إلى قولين:
(1) لمحات من تاريخ السنة ص 80، 81 وانظر: تفصيل ذلك فى الموضوعات لابن الجوزى 1/35، وتنزيه الشريعة لابن عراق 1/15-16.
1-
القول الأول: ذهب إلى أن بدايته فى عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلى (1) ، والدكتور فاروق حماده (2)، واستدلوا على ذلك بما روى عن بُرَيْدَة رضي الله عنه (3) قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى صلى الله عليه وسلم يسألونه، فقال:"كذب عدو الله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم:"من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(4)
(1) منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص 40، 41.
(2)
المنهج الإسلامى فى الجرح والتعديل ص 271 - 273.
(3)
بُرَيْدَةُ هو: بُرَيْدَةُ بن الحُصَيْب، صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب 1/185 رقم 217، وتاريخ الصحابة ص 43 رقم 108، ومشاهير علماء الأمصار ص 78 رقم 414، واسد الغابة 1/367رقم 398، والإصابة 1/146 رقم 632.
(4)
أخرجه ابن عدى فى الكامل 4/1371، ونقله عنه ابن الجوزى فى مقدمة كتابة (الموضوعات) 1/55، 56 من حديث بريدة رضي الله عنه، وفى إسناده بروايته عند ابن عدى، وروايتيه عند ابن الجوزى (صالح بن حيان القرشى) اتفقت كلمة المحدثين النقاد على تضعيفه وجرحه، كما تراه فى ترجمته فى: تهذيب التهذيب 4/386، وتقريب التهذيب 1/427 رقم 2862، والجرح والتعديل 4/398 رقم 1739، والمجروحين لابن حبان 1/365، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص135 رقم 311، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 170 وترجم له الحافظ الذهبى فى الميزان 2/292 فذكر من منكراته هذا الحديث نفسه، وقال: رواه كله صاحب (الصارم المسلول) ص 169 من طريق البغوى عن يحيى الحمانى عن على بن مسهر وصححه، ولم يصح بوجه. والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط 3/59 عن عبد الله بن عمرو بن العاصرضي الله عنه، وفى إسناده عطاء بن السائب الكوفى وقد اختلط كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/145، وقد نص الطبرانى أن هذا الحديث لم يروه عن عطاء إلا وهيب بن خالد، وقد ذكر أبو داود أنه سمع منه بعد اختلاطه. انظر: نهاية الاغتباط ص241 رقم 71، وفى تهذيب التهذيب 7/203 رقم 385 رواية وهيب عنه فى جملة ما يدخل فى الاختلاط، هذا وقد تتبع الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة هذا الحديث برواياته المتعددة فى كتابه "لمحات من تاريخ السنة" تحت عنوان "بطلان الأحاديث الدالة على وجود الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته ص 56 – 65، وقال: وأما الحديث الذى جاء فى سبب ورود حديث "من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، فهو حديث منكر لا يصح الالتفات إليه ولا التعويل عليه، انظر: لمحات من تاريخ السنة ص 56
2-
القول الثانى: ذهب إلى أن بداية الوضع فى الحديث، كانت باندلاع الفتنة التى أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر الدكتور السباعى سنة أربعين من الهجرة هى الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والانقسامات الداخلية بعد أن اتخذ الخلاف بين علىّ ومعاوية -رضى الله عنهما- شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة (1) . وربما بدأ قبل ذلك، فى الفتنة التى كانت زمن عثمان رضي الله عنه، هذا إذا اعتبرناها الفتنة المذكورة فى خبر ابن سيرين، والتى جعلها بداية لطلب الإسناد.
…
وأياً كانت بداية الوضع فى الحديث "زمن النبوة المباركة" أو "زمن الفتنة" فلا يمكن أن يكون الوضع فى الحديث وقع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم العدول الثقات المعروفين بالخيرية، والتقى، والبر والصلاح، والذين يدور عليهم نقل الحديث.
(1) السنة ومكانتها للدكتور السباعى ص 75، وممن ذهب إلى القول الثانى الدكتور همام سعيد فى كتابه الفكر المنهجى عند المحدثين ص 51، والدكتور أبو لبابة فى كتابه أصول علم الحديث ص89-91، والأستاذ أبو غدة فى كتابه لمحات من تاريخ السنة ص 73 - 76 وغيرهم.
وعلى فرض صحة الروايات التى تشير إلى أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة. فليس فيها ما يشكك فى صدق الصحابة، ولا ما يطعن فى عدالتهم، إذ كان معهم منافقون، وهم الذين كانت تصدر منهم أعمال النفاق، فلا يبعد أن يكون الرجل الوارد فى تلك الروايات واحد من المنافقين، وبذلك قال الدكتور صلاح الدين الأدلبى (1) ، والدكتور فاروق حمادة (2) دفاعاً عن تهمة الصحابة بالكذب عليه - صلى الله عليه
(1) منهج نقد المتن عند علماء الحديث ص 41.
(2)
المنهج الإسلامى فى الجرح والتعديل ص 273، وسبقهم إلى ذلك الإمام ابن حزم فى كتابة الإحكام فى مباحث المرسل فصل (ليس كل من أدرك النبى صلى الله عليه وسلم ورآه صحابياً 2/218. فبعد أن روى الحديث السابق من رواية بريدة رضي الله عنه وفى إسناده أيضاً "صالح بن حيان القرشى"، قال ابن حزم: فهذا من كان فى عصره صلى الله عليه وسلم يكذب عليه كما ترى فلا يقبل إلا من سمى وعرف فضله، وقبل ذكره للحديث قال: "وقد كان فى المدينة فى عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضاً من لا ترضى حاله "كهيت" المخنث الذى أمر عليه السلام بنفيه، والحكم ابن أبى العاص الطريد وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة أ. هـ. وهذا الذى قاله الإمام ابن حزم قبل روايته لحديث بريدة يؤكد حمله تلك الرواية على رجل من المنافقين، لا على أحد من الصحابة العدول الثقات. ومن العجب أن محمود أبو رية استشهد برواية ابن حزم ولم ينقل كلامه السابق. انظر: أضواء على السنة ص 65، وتابعه على ذلك من الشيعة زكريا عباس داود فى كتابه تأملات فى الحديث ص 123، كما لم يلتفت الأستاذ أبو غدة –رحمه الله إلى أن ابن حزم حمل رواية بريدة على رجل من المنافقين، فغلط الأستاذ أبو غدة الإمام ابن حزم ظناً منه أنه اعتد بصحة الحديث عندما ذكره فى موضعين من كتابه. انظر: لمحات من تاريخ وعلوم الحديث للأستاذ أبو غدة ص 58 هامش.
وسلم - فى زمانه، وهما من أصحاب القول الأول أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة.
أما ما زعمه غلاة الشيعة والمستشرقون ودعاة اللادينية: أن بداية الوضع كانت فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم ووقعت من صحابته الكرام، واستدلالهم على ذلك بالروايات السابقة (1) . وغيرها مما جاء فيها تخطئة بعض الصحابة لبعضهم، واستشهادهم بذلك على أنهم كانوا يشكون فى صدق بعضهم بعضاً.
…
فهذا لا يقوله إلا قوم امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على من اختارهم واصطفاهم ربهم عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وتبليغ رسالته إلى الخلق كافة.
(1) انظر: أضواء على السنة ص 65، والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 139، وإنذار من السماء ص 700، 701، ودين السلطان ص 258، 325، وتبصير الأمة بحقيقة السنة ص 294،428، وفجر الإسلام ص 211، ومعالم المدرستين المجلد 1/435، والنص والاجتهاد عبد الحسين شرف الدين ص 335، وتأملات فى الحديث عند السنة والشيعة زكريا داود ص 126، ودراسات محمدية ترجمة الأستاذ الصديق بشير نقلاً عن مجلة كلية الدعوة بليبيا العدد 10 ص539.
.. يقول الدكتور أبو لبابة حسين: "لا يختلف منصفان فى أن العصر الأول للإسلام يعد أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة (1) ، كما أن التربية القرآنية التى غرسها صلى الله عليه وسلم فى صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملاً فعالاً فى تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والافتراء، ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} (2) ، {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (3) .
…
وكيف يكذبون! وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(4) وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرى من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوى؟!!
(1) أصول علم الحديث للدكتور أبو لبابة ص89،وراجع: ما سبق فى الجواب عن شبهة نهىالصحابة عن الإكثار من الرواية اتهام من أبى بكر وعمر –رضى الله عنهما- للصحابة بالكذب ص336-339.
(2)
الآية 32 من سورة الزمر.
(3)
الآية 69 من سورة يونس.
(4)
سبق تخريجه ص 275.
.. بل إنه كما يقول الدكتور السباعى رحمه الله: "ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فدوا الرسول بأرواحهم وأموالهم وهجروا فى سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم: ليس من السهل أن نتصور هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كانت الدواعى إلى ذلك (1)
…
ولقد دلنا تاريخ الصحابة فى حياة الرسول وبعده، أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الافتراء على الله ورسوله، وكانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها، والذب عنها، وإبلاغها إلى الناس، كما تلقوها عن رسوله يتحملون فى سبيل ذلك كل تضحية ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أى رجل يرون فيه انحرافاً عن دين الله عز وجل لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، لا اضطهاداً.
(1) قارن بالإسلام على مفترق الطرق للأستاذ محمد أسد ص 94.