الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استعراض شبه النهى عن كتابة السنة عند أعدائها والرد عليها
…
زعم أعداء السنة أن العلة الحقيقية فى نهى النبى صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعين عن كتابة السنة هو:
أولاً: أنهم لم يريدوا أن يكون مع كتاب الله عز وجل كتاب آخر. وفى ذلك يقول جمال البنا: "والحق الذى لا مراء فيه أن الرسول نهى عن تدوين أحاديثه. حتى لا يكون مع كتاب الله كتب أخرى، وحديث أبى هريرة صريح فى هذا قال أبو هريرة خرج علينا لرسول الله ونحن نكتب أحاديثه
…
وذكر الحديث ثم قال وهذا هو ما فعله أبو بكر عندما أحرق الأحاديث المدونة التى كانت عنده قبل أن يموت. كما أن عمر بعد أن استشار الصحابة فى كتابة السنن
…
وذكر الحديث" (1) .
…
وبنفس هذه العلة وأدلتها يصرح نيازى عز الدين فيقول بعد اعتراضه على علة الخوف من اختلاط السنة بالقرآن: "وذلك التخوف لم يكن موجوداً من الأساس، بدليل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديث كبار الصحابة، بل كان الخوف كله من أمر آخر ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم وذكره الصحابة أجمعون، وقد قرأنا قبل قليل فى حديث أبى هريرة، وفى الحديث المروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما أراد أن يكتب السنن وهو ألا يكون إلى جانب كتاب الله كتاب آخر، وانشغال الناس بالحديث عن كتاب الله وهذا التخوف ما زال موجوداً إلى اليوم
…
ثم يقول فى موضع آخر، وهذا السبب وحده -يعنى ألا يكون إلى جانب كتاب الله كتاب آخر- ملزم بعدم كتابة الأحاديث إلى يوم يبعثون- ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسخ أبداً" (2) .
ثانياً: وتارة ثانية يزعم خصوم السنة أن العلة فى نهى النبى صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، عن كتابة السنة المطهرة هو: أنهم لم يريدوا أن يجعلوها ديناً وشريعةً عامةً كالقرآن الكريم.
(1) السنة ودورها فى الفقه الجديد ص 199.
(2)
إنذار من السماء ص 123، 127.
.. وفى ذلك يقول توفيق صدقى: "إن ما بينته السنة للعرب فى ذلك الزمن لا يصلح لجميع الأمم فى الأوقات المختلفة"(1) وفى موضع آخر يقول: "وكان بعض الصحابة ينهى عن التحديث ولو كانت السنة عامة لجميع البشر لبذلوا الوسع فى ضبطها ولتسابقوا فى نشرها بين العالمين ولما وجد بينهم متوان أو متكاسل أو مثبط لهم"(2) .
…
وبهذا القول تأثر الأستاذ محمد رشيد رضا (3)
(1) مجلة المنار المجلد 9/521، 908 – 912.
(2)
المصدر السابق 9/913.
(3)
الأستاذ محمد رشيد رضا: هو محمد رشيد بن على رضا، البغدادى الأصل، الحسينى النسب، صاحب مجلة المنار، وتفسير المنار، والوحى المحمدى، والوهابيون والحجاز، وغير ذلك من مؤلفاته النافعة. وهو رحمه الله أحد رواد المدرسة العقلية الحديثة، كان فى أول أمرة متأثراً بوجهة شيخه محمد عبده، وكان مثله فى أول الأمر قليل البضاعة من الحديث قليل المعرفة بعلومه، ولكنه كما قال الدكتور السباعى – رحمه الله: "منذ أن استلم لواء الإصلاح بعد وفاة الإمام محمد عبده، وأخذ يخوض غمار الميادين الفقهية والحديثية وغيرهما وأصبح مرجع المسلمين فى أنحاء العالم فى كل ما يعرض لهم من مشكلات، كثرت بضاعته من الحديث وخبرته بعلومه، حتى غدا آخر الأمر حامل لواء السنة وأبرز أعلامها
…
ويقول الدكتور السباعى رداً على استشهاد أبى رية بكلام السيد رشيد رضا فى كتابه أضواء على السنة قال: "وكنت أتردد على بيته فأستفيد من علمه وفهمه للشريعة ودفاعه عن السنة ما أجد من حق تاريخه علىّ أن أشهد بأنه كان من أشد العلماء أخذاً بالسنة (القولية) وإنكاراً لما يخالفها فى المذاهب الفقهية وإنى على ثقة بأنه لو كان حياً حين صدر (أبو رية) كتابه، لكان أول من يرد عليه فى أكثر من موضع فى ذلك الكتاب، أ. هـ. ومات رحمه الله سنة 1354هـ – 1935م. له ترجمة فى الأعلام 6/361، وانظر: المجددون فى الإسلام للأستاذ عبد المتعال الصعيدى ص 539 – 544، والسنة ومكانتها للدكتور السباعى ص 30، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير للدكتور فهد الرومى ص170–187، ومحمد رشيد رضا وجهوده فى السنة للدكتور يوسف عبد المقصود، مخطوط بكلية أصول الدين بالقاهرة رقم 1266.
-رحمه الله إذ يقول: "هل الأحاديث ويسمونها بسنن الأقوال دين وشريعة عامة وإن لم تكن سنناً متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف لا سيما فى الصدر الأول (1) ؟ إن قلنا: نعم فأكبر شبهة ترد علينا؛ نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة شىء عنه غير القرآن (2) ، وعدم كتابة الصحابة للحديث (3) ، وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء بالتحديث بل نقل عنهم الرغبة عنه (4) ، ونفس هذا الكلام كرره فى موضع آخر قائلاً: "وإذا أضفت إلى هذا ما ورد فى عدم رغبة كبار الصحابة فى التحديث بل فى رغبتهم عنه بل فى نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً، كالقرآن. ولو كانوا فهموا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها" (5) .
(1) الحق أن السنة القولية كانت متبعة بالعمل كالسنة العملية وهذا بلا نزاع ولا خلاف منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا. وهذا ما سنثبته إن شاء الله تعالى فى الرد على هذه الشبهة انظر: ص 299-306
(2)
سبق الرد على ما ذهب إليه بأن النهى ناسخ للإذن ص 276.
(3)
سيأتى ما يثبت كتابتهم فى الجواب عن شبهة التأخر فى التدوين ص 347-353.
(4)
مجلة المنار المجلد 9/929 وسيأتى استعراض هذه الشبهة والرد عليها ص 298، 299-306.
(5)
مجلة المنار المجلد 10/768.
.. وأيد الأستاذ رشيد رضا فى ذلك محمود أبو رية (1)، وجمال البنا فى كتابه:"السنة ودورها فى الفقه الجديد" إذ يقول: "ولا جدال فى صحة ما ذهب إليه السيد رضا-رحمه الله من أن الصحابة "لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً دائماً كالقرآن" فالحق أبلج، ولا يقف فى سبيله تلك الدعاوى والتعلات"(2)، وفى موضع آخر يصرح بذلك من قوله قا ئلاً:"نهى الرسول عن كتابة حديثه ورفض الخلفاء والصحابة الكتابة، الدلالة الوحيدة التى تستخلص من هذه الوقائع: الرسول والخلفاء الراشدون والصحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السنن من أحكام"(3)
…
وهكذا يذهب أعداء السنة إلى أن علة النهى عن كتابة السنة هى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة أرادوا ألا يجعلوا مع كتاب الله عز وجل كتاب آخر، وأنهم ما أرادوا أن تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم، ويستدلون على ذلك بما مر من حديث أبى هريرة مرفوعاً وحديثى أبى بكر وعمر الموقوفان، ويزعمون أن تلك الأحاديث صريحة فى دعواهم.
الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرادوا ألا يكون مع كتاب الله عز وجل كتاب آخر.
(1) أضواء على السنة ص48 – 50.
(2)
السنة ودورها فى الفقه الجديد ص 225.
(3)
السنة ودورها فى الفقه الجديد ص 202، وانظر: السلطة فى الإسلام للمستشار عبد الجواد ياسين ص 238.
إن ما استدل به أعداء السنة على زعمهم لا حجة لهم فيه، لأنه إذا جاء فى حديث أبى هريرة قوله صلى الله عليه وسلم "أكتاب غير كتاب الله" ألم يقل صلى الله عليه وسلم بعدها مباشرة (امحضوا كتاب الله أو خلصوه) وهو مما يشير إلى العلة الحقيقية فى النهى، وهى: صيانة كتاب الله مما اختلط به من السنة بلا تمييز؛ بدليل: رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه وهى أصح سنداً من رواية أبى هريرة. ثم أليس فى حديث أبى هريرة رضي الله عنه أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالتحديث والتبليغ وهو أبلغ فى حجية السنة كما مر
…
وكذا حديث أبى بكر رضي الله عنه على فرض صحته أليس فيه دليل على كتابة السنة فى عهده صلى الله عليه وسلم، وما حرقه رضي الله عنه لما جمعه من أحاديث ليس شكاً منه فى حجية السنة، كيف! وقد علل ذلك بخشيته أن يكون الذى حدثه وَهِمَ فَكَرِهَ تقلد ذلك كما خشى أن يتوهم متوهم أن ما جمعه هو كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول هذا المتوهم، كما قال أبو بكر معللاً صنيعه:"لو كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غاب على أبى بكر" ثم يصرح رضي الله عنه بعد ذلك مباشرة بأنه حدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجمع فى الصحيفة التى حرقها كل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "إنى حدثتكم الحديث ولا أدرى لعلى لم أتتبعه حرفاً حرفاً".
.. أما حديث عمر رضي الله عنه ففيه أبلغ حجة على حجية السنة عند الصحابة أجمع رضي الله عنهم فعمر رضي الله عنه عندما هم بكتابة السنة -ليس مجرد الكتابة. فهى كانت مكتوبة- وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عاماً فى مكان واحد، كما كان رضي الله عنه صاحب اقتراح تدوين القرآن الكريم تدويناً عاماً فى مكان واحد زمن أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتردد أبو بكر وزيد بن ثابت فى هذا التدوين فى أول الأمر -كان منهم تورعاً كما قالوا: "كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
فهل يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يقول أن تردد أبو بكر وزيد –رضى الله عنهما- دليل على عدم حجية كتاب الله عز وجل عندهم (1) ؟؟
ألم يقل لهم الفاروق عمر "أنه والله خير"، فكان الأمر كما قال.
…
وعندما هم بتدوين السنة تدويناً عاماً، كالقرآن، واستشار فى ذلك الصحابة هل تردد واحد منهم؟ كلا! كما جاء فى الحديث "فأشاروا عليه بأن يكتبها" ولكنه عدل عن هذا التدوين فى زمنه لعدم الأمن من انشغال الناس بها والاهتمام بها على حساب كتاب الله عز وجل (2) حتى لا يبقى المصحف بغبارة لا ينظر فيه كما قال الضحاك، وهذا هو معنى قوله "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً"، ولم يقل:"حسبنا كتاب الله".
ولو كان المراد بالانشغال عن السنة فى قول النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم خشيتهم أن تكون السنة حجة وكتاباً آخر مع كتاب الله عز وجل كما فهم أعداء الإسلام وزعمهم بأن هذا السبب "ملزم بعدم كتابة الأحاديث إلى يوم يبعثون، ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسخ أبداً" كما مر من قول نيازى عز الدين.
لو كان هذا -الفهم الأعوج- هو المراد بالانشغال الذى كان من أجله النهى عن كتابة السنة:
(1) انظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى ص 454.
(2)
المصدر السابق ص 455.
أ- ما كان للنبى صلى الله عليه وسلم أن يكتب.
ب- ولما كان له أن يأذن بالكتابة عنه.
ج- وما كان له أن يأمر بالتحديث عنه.
د-ولما كان للصحابة والتابعين أن يقتدوا بالنبىصلى الله عليه وسلم فيما سبق، من الكتابة والإذن بالتحديث
هـ- ولما كان هناك مَعْنَى [لَهِمِّ] عمر بالتدوين وإقرار الصحابة له على ذلك ثم عدوله عنه، إذ كيف يهم بتدوين شىء ليس بحجة، وكيف يجوز على الصحابة أجمع إقراره على هذا التدوين؟
و بل ولم يجز تدوين السنة تدويناً رسمياً فى عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ز- ولما جاز إجماع الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا على كتابتها وتدوينها
ح- بل ولما جاز منهم الإجماع على حجيتها واعتبارها المصدر التشريعى الثانى الملازم لكتاب الله عز وجل لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
ثانياً: الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أرادوا ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم:
…
إذا بطل هذا الفهم الأعوج من أعداء الإسلام لمعنى"خوف النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم من الانشغال بالسنة عن كتاب الله، بألا يكون مع كتاب الله كتاب آخر، بطل أيضاً ما فهموه من أن النهى عن كتابة السنة من النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضي الله عنهم. دلالته عدم صلاحية السنة لكل زمان ومكان، وعدم تأبيد ما جاء به السنن من أحكام.
وهذا ما تأثر به رشيد رضا رحمه الله وعبر عنه بأنهم:"لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن".
وكيف يصح القول بأن مراد النبى صلى الله عليه وسلم من نهيه عن كتابة سنته ألا تكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن.
1-
فعلام إذن يقرنها مع كتاب الله عز وجل مبيناً أن الاعتصام بهما عصمة من الضلال فى قوله: "إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه"(1) .
2-
وعلام يأمر بتبليغ سنته المطهرة فى قوله: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع (2) .
3-
وعلام يوصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف فى قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم: فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (3) .
4-
وعلام التحذير الشديد من الكذب صلى الله عليه وسلم: "إن كذباً على ليس ككذب على أحد. فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(4) .
5-
وعلام يحذر ممن يأتيه الأمر مما أمر به أو نهى عنه فيعترض ويقول: "بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ثم يبين صلى الله عليه وسلم أن ما يجرمه بوحى مثل ما حرمه الله فى كتابه قائلاً: "إلا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله" (5) وذلك التحريم دينٌ دائمٌ إلى يوم القيامة كما سيأتى من قول عمر ابن عبد العزيز: "فما أحل على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة".
(1) سبق تخريجه ص 196.
(2)
سبق تخريجه ص 273.
(3)
سبق تخريجه ص 38.
(4)
سبق تخريجه ص 275.
(5)
سبق تخريجه ص 223.
6-
علام يصف الزائغ عن سنته المطهرة بأنه هَالِكٌ كما قال صلى الله عليه وسلم: "قد تركتكم على البيضاء. ليلها كنهارها. لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك"(1) .
(1) جزء من حديث طويل أخرجه ابن ماجة فى سنته المقدمة، باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين 1/29 رقم 43، وابن أبى عاصم فى كتاب السنة، باب ذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم تركتم على مثل البيضاء وتحذيره أياهم أن يتغيروا عما يتركهم عليه 1/26 رقم 48، واللفظ لابن ماجة.
.. فعلام يدل هذا إذا لم تكن السنة النبوية حجة وديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم!
إن كل ما نقلناه هنا من هذه الأحاديث ونحوها كثير بمثابة التصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سنته المطهرة حجة ودينٌ عامٌ دائمٌ ملازمٌ للقرآن الكريم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (1) وهذا ما فهمه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أول المخاطبين بما سبق من الأحاديث، وهم أول المخاطبين بكتاب الله عز وجل وفيه الأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم والتحذير من مخالفة أمره قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (2) .
…
فهل هذا الأمر الإلهى بإتباع أمر نبيه صلى الله عليه وسلم الوارد فى سنته المطهرة أراد به رب العزة ألا يكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟؟؟
(1) الآية 37 من سورة ق.
(2)
جزء من الآية 63 من سورة النور.
إن القول بهذا طعن فى القرآن نفسه، وفى عالمية الدعوة الإسلامية؛ ثم إن رب العزة يقسم بذاته المقدسة على عدم إيمان من لم يحكم رسوله فى كل شأن من شئون حياته ومن المعلوم بالضرورة أننا نحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته وهو حى، فإذا انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حكمنا سنته المطهرة، على أنه ليس فقط أن نحكم الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته، بل لابد وأن تمتلئ قلوبنا بالرضا والسعادة بهذا الحكم النبوى وأن نخضع له خضوعاً كاملاً مع التسليم التام قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1) وعلى ذلك يؤكد النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"(2) .
…
ولم يخالف فى ذلك أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقول بخلاف هذا إلا من جهل طريقتهم فى العمل بأحكام الدين وكيف كانوا يأخذونها.
(1) الآية 65 من سورة النساء.
(2)
أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة باب ما يجب أن يكون هوى المرء تبعاً لما جاء به النبىصلى الله عليه وسلم 1/12 رقم 15، والبغوى فى شرح السنة كتاب الإيمان، باب رد البدع والأهواء 1/145 رقم 104 وقال النووى فى أربعينه:"هذا حديث صحيح رويناه فى كتاب الحجة بإسناد صحيح" انظر: جامع العلوم والحكم 2/393، وقواعد التحديث للقا سمى ص 45.
.. فالصحابة أجمع وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين كانوا يعظمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحكمونه فى كل شأن من شئون حياتهم. فعن ميمون بن مهران (1) قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن فى الكتاب، وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاءاً فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (2) أ. هـ.
…
وعن جابر بن زيد (3) ، أن ابن عمر لقيه فى الطواف، فقال له: يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت (4) .
(1) ميمون بن مهران: هو ميمون بن مهران الجزرى أبو أيوب الرقى، روى عن عائشة، وأبى هريرة، وأبى عباس، وطائفة، وعنه أبو بشر، والأوزاعى، وخلق كثير، متفق على توثيقه. مات 117هـ. له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 1/98 رقم 91، وتقريب التهذيب 2/234 رقم7075، والكاشف 2/302 رقم 5764، والثقات للعجلى ص 445 رقم 1669.
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/69، 70 رقم 161، وانظر: إعلام الموقعين 2/62.
(3)
جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدى، روى عن ابن عباس، وعنه قتادة، وأيوب، وخلق. متفق على توثيقه مات93هـ. له ترجمة فى تقريب التهذيب1/152رقم867،والكاشف1/287 رقم728، والثقات للعجلى ص 93 رقم 194.
(4)
الدارمى فى سننه المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/70، 71 رقم 164، وجامع بيان العلم 2/56.
.. وأخرج الدارمى عن شريح (1) : أن عمر بن الخطاب كتب إليه: "إن جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس فى كتاب ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن فتأخر فتتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك (2) ، ونحو ذلك روى عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم (3) -رضى الله عنهم أجمعين-.
…
وبذلك كانت مصادر الأحكام فى الصدر الأول أربعة:
القرآن الكريم: وهو المصدر الأول لهذا الدين وعمدة الملة، وكانوا يفهمونه واضحاً جلياً، لأنه بلسانهم نزل مع ما امتازوا به من معرفة أسباب نزوله.
السنة النبوية: وهى المصدر الثانى الملازم للمصدر الأول، وقد اتفقوا على اتباعها متى ظفروا بها.
القياس، أو الرأى المستند إلى كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) شريح هو: القاضى شريح بن الحارث بن قيس الكندى أبو أميه الكوفى، روى عن عمر، وعلى، وابن مسعود رضى الله عنهم، وعنه الشعبى والنخعى وابن سيرين وطائفة، مخضرم ثقة. مات قبل الثمانين أو بعدها له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 1/59 رقم 44، والثقات للعجلى 216 رقم660، وتقريب التهذيب 1/416 رقم 782، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص27 رقم 42.
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/71، 72 رقم 167، وانظر: جامع بيان العلم 1/56.
(3)
انظر:سنن الدارمى، وجامع بيان العلم فى الأماكن السابقة، وانظر:أعلام الموقعين 1/57-86.
الإجماع المستند إلى نص من كتاب أو سنة أو قياس (1) .
…
ولم يزل أئمة الإسلام من المحدثين والفقهاء من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة على تحكيم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول القاسمى: "كان عندهم أنه إذا وجد فى المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملاً لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان مستفيضاً دائراً بين الفقهاء، أو كان مختصاً بأهل بلد، أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به، ومتى كان فى المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا فرغوا جهدهم فى تتبع الأحاديث، ولم يجدوا فى المسألة حديثاً، أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد
…
فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شئ فهو المقنع، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علماً، وأورعهم ورعاً، أو أكثرهم ضبطاً، أو ما اشتهر عنهم،
…
وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم (2) كما مر فى الأحاديث الموقوفة.
(1) انظر: تاريخ التشريع الإسلامى للشيخ محمد الخضرى ص 75، 76، وأصول الفقه الإسلامى للدكتور طه جابر العلوانى ص6-10.
(2)
انظر: قواعد التحديث للقاسمى، مبحث الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأى ص 338، للاستزادة انظر: من نفس المصدر باب السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها ص 273 – 281 وباب حال الناس فى الصدر الأول وبعده ص 344 – 351، وانظر: أعلام الموقعين فصل "أئمة الإسلام يقدمون الكتاب والسنة" 2/229، وجامع بيان العلم وفضله، "باب معرفة أصول العلم وحقيقته" 2/23 – 29.
فأين الاتفاق الذى زعمه محمد رشيد رضا -ومن قال بقوله من أعداء السنة- أن الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم لم يعملوا بالأحاديث القولية ولم تكن عندهم سنناً متبعة بالعمل؟
بل أين نزاع صحابى واحد فى عدم العمل بالأحاديث القولية وعدم اعتبارها من السنة المطهرة؟!
…
وكيف يصح هذا القول فى حق أناس أشربت قلوبهم بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته المطهرة وتعظيمها وتوقيرها وزجر من لم يعظمها وهجره.
.. يدل على ذلك ما روى عن عبد الله بن المغفل (1) رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يخذف (2) فقال له لا تخذف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف-وقال: إنه لا يصاد به صيداً ولا ينكأ (3) به عدو، ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين.ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف -أو كره الخذف- وأنت تخذف؟ لا أكلمك كذا وكذا" (4) ،وفى رواية للدارمى:"والله لا أشهد لك جنازة ولا أعودك فى مرض، ولا أكلمك أبداً" (5)
(1) عبد الله بن المغفل صحابى جليل له ترجمة فى: الإصابة 2/372 رقم 4988، والاستيعاب 3/996 رقم 1667، وتاريخ الصحابة 160 رقم 776، ومشاهير علماء الأمصار 48 رقم221، واسد الغابة 3/395 رقم 3202.
(2)
الخذف هو: وضع الحصاة أو النواة بين السبابتين ثم الرمى بها، انظر: النهايةفىغريب الحديث2/16
(3)
ينكأ: ويكتب بغير همز، والمعنى: تكثر الجراح والقتل فى العدو، انظر: النهاية فى غريب الحديث5/117
(4)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الذبائح والصيد، باب الخذف والبندقة 9/522 رقم5479، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيد، باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو، وكراهة الخذف 7/117 رقم 1954.
(5)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد 2/409 رقم 873، والدارمى فى سنته المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره 1/128 رقم 440 واللفظ له.
.. وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها. فقال فلان ابن عبد الله إذا والله أمنعها! فأقبل عليه ابن عمر، فشتمه شتمة لم أره شتمها أحداً قبله، ثم قال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: إذاً والله أمنعها؟!! (1) .
…
وفى رواية لابن عبد البر: قال بلال بن عبد الله بن عمر (2) فقلت أما أنا فسأمنع أهلى فمن شاء فليسرح أهله فالتفت إلى وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعنى أقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يُمْنَعْنَ، وقام مغضباً" (3) .
…
وعن عبادة بن الصامت أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن درهمين بدرهم، فقال فلان: ما أرى بهذا بأساً يداً بيد، فقال عبادة أقول: قال النبى صلى الله عليه وسلم وتقول: لا ارى به بأساً؟!! والله لا يظلنى وإياك سقفٌ أبداً" (4) .
(1) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة باب تعجيل عقوبة من مؤلفه عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره 1/128 رقم 442.
(2)
بلال بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشى، العدوى، ثقة، وعده يحيى القطان: فى فقهاء المدينة. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/140 رقم 783، والكاشف 1/277 رقم 659، والثقات للعجلى ص 87 رقم 173، والثقات لابن حبان 4/65.
(3)
جامع بيان العلم 2/195.
(4)
أخرجه الدارمى فى سننه فى المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره 1/129 رقم 443،وانظر: شذرات من علوم السنة لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الأحمدى ص 84 –97.
.. وعلى الدرب صار التابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، فعن قتادة (1)، قال: حدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال رجل: قال فلان كذا وكذا. فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبى صلى الله عليه وسلم وتقول: قال فلان وفلان كذا وكذا؟ !! لا أكلمك أبداً (2) .
(1) قتادة هو: قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسى، أبو الخطاب البصرى الأكمه، أحد الأعلام روى عن أنس، وابن سيرين، وابن المسيب، وخلق، وعنه أبو حنيفة، وشعبة والأوزاعى وخلق، ثقة ثبت، قال أحمد: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لم يسمع شيئاً إلا حفظه، مات 117هـ. له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 1/122 رقم 107، وطبقات الحفاظ ص54 رقم 104، وتقريب التهذيب 2/26 رقم 5535، والكاشف 2/134 رقم 4551.
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبىصلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره 1/128 رقم 441.
.. وقال الحميدى (1) : سأل رجل الشافعى عن مسألة، فأفتاه قائلاً: قال النبى صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعى: أرأيت فى وسطى زناراً؟ أترانى خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبى صلى الله عليه وسلم، وتقول لى: أتقول بهذا؟ أروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا أقول به (2) ؟
…
ومن هنا حث السلف الصالح على التأدب مع السنة المطهرة فيمن دعى إلى التحاكم إليها يقول الإمام النووى رحمه الله: "وكذلك ينبغى إذا قال له صاحبه: هذا الذى فعلته خلاف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك أن لا يقول: لا التزم الحديث، أو لا أعمل بالحديث، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة، وإن كان الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك، بل يقول عند ذلك: هذا الحديث مخصوص أو متأول أو متروك الظاهر بالإجماع وشبه ذلك"(3) .
(1) الحميدى: هو عبد الله بن الزبير الأزدى أبو بكر المكى أحد الأئمة روى عن ابن عيينة، ومسلم الزنجى، وخلق، وعنه البخارى، والذهلى، وخلق. قال أحمد: الحميدى عندنا إمام، وقال أبو حاتم هو: ثقة إمام، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث مات 219هـ. له ترجمة فى تذكرة الحفاظ 2/413 رقم 419، وطبقات الحفاظ ص181 رقم 400، وتقريب التهذيب 1/492 رقم 3331، والكاشف 1/552 رقم 2721، والتقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد لابن نقطة ص 307 رقم 374، وشذرات الذهب 2/45، وسير أعلام النبلاء 10/616 رقم212، والوافى بالوفيات 17/179، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 1/138 رقم 33
(2)
أعلام الموقعين 2/266، وانظر: مناقب الشافعى للرازى ص 317.
(3)
الأذكار، باب ما يقول من دعى إلى حكم الله تعالى ص 280.
.. قوم هذا حالهم فى تعظيمهم وتوقيرهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وتحكيمها فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم وهجرهم -ولو كان قريباً لهم- من لم يتأدب معها إذا دعى إلى التحاكم إليها، كيف يقال أنهم يريدوا أن يتخذوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن (1) ؟!!!
…
اللهم إن هذا إنكار لإجماع الأمة منذ عهد نبيها صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا! وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - بحجية السنة المطهرة واتخاذها ديناً عاماً دائماً ملازماً لكتاب الله عز وجل وهذا الإجماع قائم على الحقائق الثابتة فى كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة أجمع رضي الله عنهم أجمعين وعلى هذا الإجماع أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا.
(1) ممن رد هذه الشبهة الدكتور محمد أبو زهو فى الحديث والمحدثون ص 237 – 238، والدكتور الأعظمى فى دراسات فى الحديث 1/80، والدكتور يوسف عبد المقصود فى رسالته للدكتوراه (محمد رشيد رضا وجهوده فى خدمة السنة) رد أيضاً موقف السيد رشيد رضا من التدوين، والجمع بين أحاديث النهى والإباحة وأيد رد فضيلة الدكتور محمد أبو زهو على السيد رشيد رضا قال "وبعد هذا اقول: إنه ليس من دليل قائم يساند الشيخ محمد رشيد رضا فيما يذهب إليه فى التدوين
…
والدليل الذى عليه هو فى جانب الشيخ محمد أبى زهو أ. هـ.، وانظر: محمد رشيد رضا وجهوده فى خدمة السنة ص 282-283.
وما أصدق ما قاله عمر بن عبد العزيز فى إحدى خطبه قال: "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إنى لست بقاض ولكنى منفذ، ولست بمبتدع ولكنى متبع، ولست بخير منكم غير أنى أثقلكم حملاً، ألا وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع فى معصية الله، ألا هل أسمعت"(1) .
…
وقال أيضاً رحمه الله "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعة الله عز وجل، وقوة على دين الله عز وجل، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً"(2) .
وقال الحافظ ابن عبد البر: "ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو إجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن فى سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق (3) أ. هـ.
والله أعلم
(1) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى صلى الله عليه وسلم وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم 1/126 رقم 433.
(2)
انظر: الشريعة للآجرى ص 48، 65، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/186، 187.
(3)
جامع بيان العلم 2/194.