الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا تعارض حينئذ بين كراهيتهم لكتابة الحديث وبين حبهم ورغبتهم فى روايته، على ما زعمه الدكتور حسين الحاج (1) .
فهل عند من يزعمون عدم حجية السنة، أو يزعمون أن النهى عن الكتابة ناسخ للأذن؟
هل عندكم دليل لنسخ هذا الأمر النبوى بحفظ سنته وتبليغها للناس كافة؟؟ وإن لم تجدوا دليلاً ولن تجدوا،
فعلام يدل عندكم هذا الأمر النبوى-بحفظ سنته وتبليغها؟
هل يدل على مجرد اللهو والعبث؟ أم يدل على أنه صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين أرادوا ألَاّ يجعلوا السنة القولية ديناً وشريعة عامة كالقرآن، كما ذهب إلى ذلك خصوم السنة، وتأثر بهم بعض المسلمين (2) ، وتلك دعوى يكذبها قول وفعل النبى صلى الله عليه وسلم، ومن صار على دربه إلى يوم الدين، وسيأتى تفصيل ذلك فى: علة النهى عن كتابه السنة عند أعدائها (3) .
علة النهى عن كتابة السنة كما وردت فى الأحاديث والآثار
التى استشهد بها خصوم السنة على شبهتهم
(1) حسين الحاج: هو حسين الحاج حسن، كاتب سورى لبنانى، حصل على العالمية، من جامعة القديس يوسف، وكانت رسالته بعنوان (نقد الحديث فى علم الرواية وعلم الدراية) خلط فيها بين الحق والباطل، ودس السم فى الدسم، وكانت جل اعتماده فى مراجعه على ما كتبه محمود أبو رية، وطه حسين، وأمثالهما، ورسالته مطبوعة. ومن مؤلفاته أدب العرب فى صدر الإسلام، ونظم إسلامية، وغير ذلك. قال فى معرض كلامه عن نشأة الحديث:"أما إذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون فى روايته، وهو أمر غريب، يحبون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحث وتفسير"!! انظر: نقد الحديث فى علم الرواية والدراية 1/142.
(2)
كالأستاذ محمد رشيد رضا (رحمه الله تعالى)
(3)
انظر: ص 298، 299-306.
.. أشرت فيما سبق عند عرض شبهة النهى عن كتابة السنة إلى أن أصحابها أغمضوا أعينهم عن علة النهى، وسفهوا رأى من يقول بها من أئمة المسلمين من المحدثين والفقهاء، وسائر علماء المسلمين إلى يومنا هذا، بالرغم من أن هذه العلة واردة فى نفس الأحاديث التى احتجوا بها علينا.
…
وأولى هذه العلل كما جاء فى الأحاديث:
المحافظة على كتاب الله عز وجل وصيانته عن خلطه بالسنة دون تمييز بينهما. ويبدو هذا واضحاً فى رواية أبى هريرة: "أكتاب مع كتاب الله
…
امحضوا كتاب الله أو خلصوه" وهذه الرواية مع ضعف سندها لوجود عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ المتفق على ضعفه (1) ، إلا أن رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه والتى أخرجها الطبرانى فى الكبير والبراز فى مسنده بإسناد صحيح، كما قال الحافظ الهيثمى فى مجمع الزوائد (2) تشهد لصحة رواية أبى هريرة، كما تشهد لصحة هذه العلة؛ ففيها التصريح الذى لا لبس فيه بأن الأحاديث كتبت بجوار القرآن فى صحيفة واحدة بلا تمييز يؤمن معه سلامة القرآن. وهذا قول أبى موسى الأشعرى صريحاً: "لولا أن فيه كتاب الله لأحرقته".
…
ففى رواية أبى هريرة، وكذا فى قول أبى موسى الأشعرى ما يبين أن السنة فى عهد النبوة والصحابة كانت تكتب بجوار القرآن فى صحيفة واحدة بلا تمييز يحفظ معه القرآن من اشتباهه بالسنة التى كتبت بجواره.
…
ويؤكد ذلك القراءات الشاذة، فما هى إلا تفسير لبعض كلمات القرآن كتبت بجوارها للإيضاح والبيان- ومن فعل ذلك من الصحابة كان محققاً لما تلقاه عن النبى صلى الله عليه وسلم قرآناً، وذلك كقراءة ابن عباس-رضى الله عنهما-:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (3)
(1) راجع: ص 262.
(2)
مجمع الزوائد 1/151.
(3)
الآية 198 من سورة البقرة.
فى مواسم الحج (1) وكقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} (2) من أم (3)، وكقراءة ابن مسعود رضي الله عنه:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} (4) متتابعات (5) .
…
فمثل هذا عند الأئمة من القراءات الشاذة، وحكمة التفسير (6) على خلاف فى العمل به هل له حكم الرفع أم هو مذهب الراوى (7) ؟
…
وإذا كان هذا يؤكد أنه وجد من الصحابة من يكتب السنة بجوار القرآن فى صحيفة واحدة، مع خطورة هذا الأمر، فقد وجد فى التابعين من يكتب الرأى بجوار السنة ولا يبعد كتابتهم الرأى بجوار القرآن.
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" 8/34 رقم 4519.
(2)
جزء من الآية 12 من سورة النساء.
(3)
أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الفرائض، باب الكلالة 2/462 رقم 2975، وسعيد بن منصور فى سننه كتاب التفسير، باب تفسير سورة النساء 3/1187 رقم 592، والبيهقى فى سننه كتاب الفرائض، باب فرض الأخوة والأخوات للأم 6/231.
(4)
جزء من الآية 89 من سورة المائدة.
(5)
انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/91، ونيل الأوطار 8/238.
(6)
انظر: الإتقان للسيوطى 1/208 فقرات رقم 1049، 1109-1111، ومناهل العرفان للزرقانى 1/429.
(7)
عند البخارى ومسلم أن تفسر الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل حديث مسند إذا كان ما فسره ما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا مدخل للرأى فيه.
.. يدل على هذا ما روى عن الشعبى (1) أن مروان (2) أجلس لزيد بن ثابت (3) رجلاً وراء الستر، ثم دعاه فجلس يسأله ويكتبون فنظر إليهم زيد، فقال: يا مروان عذراً إنما أقول برأيى" (4) وروى عن يحيى بن سعيد (5) قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب (6)
(1) انظر: تدريب الراوى للسيوطى 1/192، 193، وفتح المغيث للسخاوى 1/138، 139.
(2)
الشعبى هو: عامر بن شراحيل بن عبد ذى كبار، الشعبى الحميرى، أبو عمرو، علامة التابعين، كان إماماً حافظاً يضرب المثل بحفظه، روى عن على، وأبى هريرة، وعائشة، وابن عمر وغيرهم. مات سنة 103هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/461 رقم 3103، والكاشف 1/522 رقم 2531، والثقات للعجلى ص243 رقم 751، ووفيات الأعيان 3/12-16 رقم 317.
(3)
مروان هو ابن الحكم بن أبى العاص، بن أميه، أبو عبد الملك الأموى، المدنى، ولى الخلافة فى آخر سنة 64هـ. لا تثبت له صحبة- روى عن عمر، وعثمان، وعلى، وعنه سهل بن سعد، وعلى بن الحسين، وعروة مات سنة 105هـ. له ترجمة فى: الجرح والتعديل 8/271، وتقريب التهذيب 2/171 رقم 6588، والكاشف 2/253 رقم 5363.
(4)
طبقات ابن سعد 5/117، وسير أعلام النبلاء للذهبى 2/476 رقم 102.
(5)
هو: يحيى بن سعيد بن فروخ، التميمى، أبو سعيد القطان البصرى، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ متقن، كان رأساً فى العلم والعمل، روى عن هشام بن عروة، وحميد والأعمش. وعنه أحمد وعلى ويحيى مات 198هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/303 رقم 7584، والكاشف 2/366 رقم 6175، ومشاهير علماء الأمصار ص 192 رقم 1278، وتذكرة الحفاظ 1/298 رقم 280، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص 131 رقم 268.
(6)
سعيد بن المسيب بن حزن، الإمام، أبو محمد المخزومى، أحد العلماء الإثبات، الفقهاء الكبار، روى عن عمر وعثمان وسعد، وعنه الزهرى، ويحيى بن سعيد وقتادة، مات بعد التسعين. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/364 رقم 2403، والكاشف 1/444 رقم 1960، تذكرة الحافظ 1/54 رقم 38، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص25 رقم 37، ومشاهير علماء الأمصار ص81 رقم 426.
، فسأله عن شىء، فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه؛ فأجابه فكتب الرجل فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولينها فناوله الصحيفة فخرقها" (1) .
…
وكان مجاهد يقول لأصحابه: "لا تكتبوا عنى كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث. ولعل كل شىء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً"(2) .
…
ومن هنا ندرك صحة علة النهى عن كتابة شىء -فى أول الأمر- سوى القرآن الكريم صيانة لهذا الكتاب المعجز ممن كانوا حديثى عهد بالإسلام ولم يعتادوا على أسلوبه وأكثرهم من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا فى الدين.
…
وفى نفس الوقت تعليم للصحابة وللأمة من بعدهم المنهج الأمثل فى المحافظة على هذا الكتاب الخالد.
مع العلم بأن النهى فى أول الأمر كان يشمل وقت نزول القرآن أو بعده، ممن يمكن أن تقع فى يده هذه الصحيفة وهو من غير أهل العلم حتى إذا تعلموا الدرس، جاء الإذن بكتابة السنة لمن اعتادوا أسلوب القرآن وتمييزه كعبد الله بن عمرو وغيره ممن أذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم، مع استمرار النهى عن كتابة السنة مع القرآن فى صحيفة واحدة حتى وإن كان مميزاً بينهما.
(1) أخرجه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم 2/144.
(2)
الميزان للشعرانى 1/32، وانظر: قواعد التحديث للقاسمى ص 52، وانظر: أثر آخر عن جابر بن زيد فى جامع بيان العلم 2/31، وانظر: تقييد العلم ص 20، تصدير الدكتور يوسف العش.
أما رفض دعاة اللادينية وغلاة الشيعة لهذه العلة بحجة أن تلك العلة تعنى جعل الأحاديث من جنس القرآن فى الأسلوب والبلاغة، وفى ذلك إبطال لإعجاز القرآن الكريم (1) .
…
فأقول: ليس فى ذلك إبطال لإعجاز القرآن، بل حفاظاً لهذا الإعجاز بمنهج نبوى طبقة النبى صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، واستوعبه الخلفاء وطبقوه كما فهموه من النبى صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا كان هناك من كبار الصحابة من يدرك ويميز بين الأسلوب القرآنى وإعجازه وبين الأسلوب النبوى، فهناك من عامة الصحابة من لا يدرك ذلك، وهذا هو حال جميع الناس فى جميع العصور والأمصار وهذا أمر بديهى لا يجادل فيه منصف.
…
فكان من المنهج الربانى فى المحافظة على كتابه العزيز النهى عن كتابة ما سواه فى أول الأمر؛ لأنه متعبد بلفظه فى الصلاة وغيرها، ولا يجوز إبدال حرف منه بآخر؛ فكان لابد من المحافظة على هذا الإعجاز ممن لا يدركه فى زمن النبوة المباركة، وجميع العرب فيما بعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين فى جميع العصور. ممن لا يؤمن أن يلحقوا ما يجدون فى الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام رب العباد.
(1) ممن ذهب إلى ذلك توفيق صدقى فى مقالة (الإسلام هو القرآن وحده) انظر: مجلة المنار المجلد 9/515 ومحمود أبو ريه فى أضواء على السنة ص 50، 51، وإسماعيل منصور فى تبصير الأمة بحقيقة السنة ص26، 291، 310، وجمال البنا فى: السنة ودورها فى الفقه الجديد ص199، وعبد الجواد ياسين فى السلطة فى الإسلام ص 244، ومن غلاة الشيعة مروان خليفات فى كتابه وركبت السفينة ص 181، وزكريا عباس داود فى تأملات فى الحديث عند السنة والشيعة ص40،41. وغيرهم من أعداء السنة السابق ذكرهم عند استعراض الشبهة وأصحابها.
.. أما سؤال بعضهم: لماذا لم يأمر النبىصلى الله عليه وسلم بكتابة السنة فى صحف على حدتها، ويكتب عليها ما يفيد أنها أقوال النبى صلى الله عليه وسلم فتتميز السنة على القرآن فلا يؤمن اختلاطهما (1) .
فنقول: أذن النبى صلى الله عليه وسلم بكتابة سنته المطهرة فى صحف على حدتها، وميزها من أذن له النبى صلى الله عليه وسلم بذلك كعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأبى هريرة وغيرهم ممن عددهم الدكتور الأعظمى فى كتابه "دراسات فى الحديث النبوى"(2) كما أملى النبى صلى الله عليه وسلم كثير من سنته المطهرة فى حياته المباركة، وهذا ما استوعبه الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة"(3) .
فالنبىصلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة فى أول الأمر، ثم أذن بعد ذلك، وكان النهى دائر مع الخوف، والإذن دائر مع الأمن وجوداً وعدماً، وكان خلال الإذن كتابات ولكن لم تدون تلك الكتابات فى مكان واحد، كيف والقرآن نفسه كتب فى عهده صلى الله عليه وسلم، ولم يدون فى مكان واحد بين دفتيه إلا فى عهد الصديق رضي الله عنه.
(1) ممن سأل هذا توفيق صدقى انظر: مجلة المنار المجلد 9/912، وتابعه عليه إسماعيل منصور فى تبصير الأمة بحقيقة السنة ص 27، 28، ونيازى عز الدين فى إنذار من السماء ص 114.
(2)
انظر: دراسات فى الحديث النبوى فصل كتابة الصحابة والكتابات عنهم 1/92 وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسنة ص 500-541.
(3)
انظر: دلائل التوثيق المبكر للسنة، فصل الكتابات المبكرة 368-415، وانظر: السنة قبل التدوين للدكتور عجاج الخطيب ص343-361.
.. ومع وجود كتابات فى زمن النبوة فى وقت الإذن إلا أنهصلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة سنته كلها للفرق الشاسع بين حجم القرآن، وحجم السنة التى من وظيفتها الشرح والبيان له، وعادة الشرح أن يكون أكبر حجماً من المشروح، ولو فرض كتابة السنة كلها زمن النبوة كما كتب القرآن الكريم، وأُمن من التمييز بينهما لم يؤمن انشغال الناس بها دون القرآن.
وهذه هى العلة الثانية الواردة فى الأحاديث التى تنهى عن كتابة السنة: خشية الانشغال عن القرآن الكريم ومضاهاته بغيره من الكتب حتى ولو كانت السنة.
…
والمراد بالانشغال بالسنة عن القرآن الكريم تقديمها فى الاهتمام بها قبل الاهتمام أولاً بكتاب الله عز وجل مما يؤدى إلى ترك كتاب الله عز وجل وإهماله وهذا ما صرح به الفاروق عمر رضي الله عنه بعد عدوله عن تدوين السنة وموافقة الصحابة "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً"(1) وإعلان سيدنا عمر رضي الله عنه هذا على ملأ من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وإقرارهم بذلك يدل على استقرار أمر هذه العلة فى نفوسهم (2) .
…
وأكثر صراحة من ذلك فى تأكيد المراد بالانشغال بالمعنى السابق قول الضحاك-رحمه الله "يأتى على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبق المص-حف بغبارة لا ينظر فيه".
(1) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث 1/132 رقم 464.
(2)
انظر: منهج نقد المتن للدكتور نور الدين عتر ص 44، والسنة فى مواجهة أعدائها لفضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى ص 243.
.. وعن أبى خالد الأحمر (1) قال: "يأتى على الناس زمان تعطل فيه المصاحف، لا يقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأى، ثم قال: أياكم وذلك؛ فإنه يصفق الوجه، ويكثر الكلام، ويشغل القلب" كما كان الخوف من التشبه بالقرآن الكريم فى شكله، وفى ذلك يقول أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه:"أتريدون أن تجعلوها مصاحف" ويقول الضحاك: "لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف" وروى عن إبراهيم النخعى: أنه كان يكره أن يكتب الحديث فى الكراريس ويقول: "يشبه بالمصاحف"(2) .
كذا كان هناك خوف من التشبه بالقرآن فى روايته باللفظ وعدم إجازة رواية السنة بالمعنى، وذلك واضح فى رواية أبى سعيد الخدرى لما قال له أبو نضرة: إنك تحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً عجيباً، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص" فكانت إجابة أبى سعيد:"أردتم أن تجعلوه قرآناً لا، لا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ، وفى رواية ابن المبارك فى مسنده "لن أكتبكموه، ولن أجعله قرأناً".
وكان يشتد الخوف والغضب إذا كان التشاغل والمضاهاة بكتب أهل الكتاب.
(1) أبو خالد الأحمر هو: سليمان بن حيان الأزدى الكوفى روى عن عاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وعنه أحمد، وإسحاق، وهناد، صدوق يخطئ، مات سنة 190هـ أو قبلها. له ترجمة فى: تقريب التهذيب1/384 رقم2555، والكاشف1/458 رقم2080، والثقات للعجلى 201 رقم 607، ولسان الميزان 8/375 رقم 12825، وتهذيب الكمال 11/394 رقم 2504.
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث 1/132 رقم 464.
(3)
انظر: آثر آخر عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه فى جامع بيان العلم 1/79.
.. كما جاء فى رواية جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله، من غضب الله ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى (1) ، وفى بعض
(1) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى صلى الله عليه وسلم 1/126 رقم 435، وأحمد فى مسنده 3/387، والسنة لابن أبى عاصم 1/27 رقم 50. واللفظ للدارمى وفيه مجالد بن سعيد، الجمهور على تضعيفه لأنه اختلط فى آخر عمره. لكن روايته لهذا الحديث مقبولة؛ لأنه قد سمعه منه هشيم قبل الاختلاط قال ابن عدى: رواية القدماء عنه كهشيم وشعبة وحماد بن زيد مقبولة، وقال ابن عدى: له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة يعنى كما فى سند هذا الحديث، قال يعقوب بن سفيان صدوق، وأخرج له مسلم مقروناً، وقال النسائى: ليس سند هذا الحديث، قال يعقوب بن سفيان صدوق، وأخرج له مسلم مقروناً، وقال النسائى: ليس بالقوى، وقال مرة: ثقة، انظر: مجمع الزوائد 1/173، 174، وانظر: تقريب التهذيب 2/159 رقم 6498، والكاشف 2/239 رقم 5286، والثقات للعجلى ص420 رقم 1537، والضعفاء للنسائى ص 223 رقم 579، والمجروحين لابن حبان 3/10، والحديث صحح إسناده الحافظ ابن كثير من رواية أحمد فقال يعد إيراده فى (بيان الإذن فى الرواية عن أخبار بنى إسرائيل) قال: تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم. انظر: البداية والنهاية 2/123، وانظر من نفس المصدر 1/185.
الروايات: "
…
ثم جعل أى النبى صلى الله عليه وسلم يتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقة وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا وتهوكوا" حتى محا آخره حرفاً حرفاً (1) .
وعلى هذا الدرب صار الصحابة كما روى عن عمر بن الخطاب؛ أنه أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس (2) فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدى قال: نعم، فضربه بعصا معه فقال الرجل: مالى يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: اجلس فجلس فقرأ عليه {الر تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (3) .
…
فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً، فقال الرجل: مالى يا أمير المؤمنين فقال: أنت الذى نسخت كتب دانيال (4)، قال: مرنى بأمرك اتبعه قال: انطلق فامحه بالحميم (5) والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه أنت، ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغنى عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم 2/468.
(2)
بلدة بخورستان فى بلاد فارس بها قبر دانيال النبى عليه السلام، وفتحت الأهواز فى أيام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وكان آخر ما فتح منها السوس، انظر: معجم البلدان 3/280، 281.
(3)
الآيات 1-3 من سورة يوسف
(4)
دانيال: أحد أنبياء بنى إسرائيل فى الفترة ما بين داود وسليمان وبين زكريا وعيسى بن مريم عليهما السلام، وقد ذكر الحافظ ابن كثير فى كتابه: البداية والنهاية شىء من خبره تحت عنوان "شىء من خبر دانيال عليه السلام" 2/37.
(5)
الحميم هو: المار الحار. انظر: القاموس المحيط 4/102.
من الناس؛ لأنهكتك عقوبة، ثم قال له: اجلس فجلس بين يديه قال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب، ثم جئت به فى أديم (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الذى فى يدك يا عمر؟ فقلت: يا رسول الله: كتاب نسخته لنزداد علماً إلى علمنا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحمرت وجنتاه (2)
…
ونقل قصته بنحو رواية جابر بن عبد الله السابقة.
ومثل هذه القصة وقعت مع الإمام أبى حنيفة لما دخل شخص الكوفة بكتاب دانيال فكاد أبو حنيفة أن يقتله، وقال له أكتاب ثَمَّ غير القرآن والحديث (3) ؟
(1) أديم، أى جلد، وقيل المدبوغ منه. انظر: لسان العرب 1/45.
(2)
أخرجه أبو يعلى فى مسنده ولم أجده فى الجزء المطبوع من المسند، وعزاه إليه الحافظ الهيثمى وقال: فيه عبد الرحمن إسحاق الواسطى، ضعفه أحمد، وجماعة كما قال الحافظ الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/173، 182.فهل يعاب عمر رضي الله عنه فى اقتداءه بالنبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الأمر أم يمدح؟ وهل فى هذه القصة دليل على كراهة عمر للتحديث والتدوين بشكل مطلق، سواء كان من سنة النبى أو غيرها، وسواء كان من صحيح ما ورد من أخبار الأمم السالفة أو سقيمها، كما زعم على الشهرستانى فى كتابه منع تدوين الحديث ص105-107.
(3)
انظر: قواعد التحديث للقاسمى ص 298.
.. وكذلك صنع ابن مسعود رضي الله عنه فى الصحيفة التى قُدِمَ بها عليه من الشام محاها ثم تلا نفس الآية التى تلاها عمر {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (1) .
…
وقال: "القلوب أوعية فاشغولها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتاب ربهم".
وهو يعنى بالكتب هنا كتب أهل الكتاب أو ما أخذت عنها كما قال أبو عبيد أحد رواة هذا الحديث فى رواية ابن عبد البر: "يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب فلهذا كره عبد الله النظر فيها".
…
ويؤكد مرة الهمدانى الراوى عن ابن مسعود كما فى رواية الدارمى أن الصحيفة ليست من السنة، وإنما كانت من كتب أهل الكتاب بقوله:"أما أنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب".
وفيما سبق رد على ما ذهب إليه بعض غلاة الشيعة، أن محو السنة فى زمن الخلفاء، لأجل ما فى الأحاديث من فضائل لأهل البيت وحجتهم رواية ابن مسعود عند الخطيب (2) .
(1) وفيما سبق أبلغ رد على ما ذهب إليه بعض غلاة الشيعة من أن النهى عن الكتابة نابع من موقف سياسى. أى سياسة هنا! أليس فى قصة عمر مع ناسخ كتاب (دانيال) عليه السلام سنة بقصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فجاء النهى من عمر ابتداء بنهى النبى صلى الله عليه وسلم له لعلة خشية الاشتغال بها عن كتاب الله وسنة رسوله وهى نفس العلة التى فهمها ابن مسعود وسائر الصحابة وسائر الأئمة من بعدهم.
(2)
معالم المدرستين مرتضى العسكرى المجلد 2/44-45، ومنع تدوين الحديث لعلى الشهرستان ص64، وقد تناقض فى ذلك مرة بتأييده لذلك هنا ص 64 ثم رفضه لذلك السبب وتضعيفه ص66، 70 ثم تأييده ثانية ص 71، 81، 358، 361، 362.
.. ولو فُرِضَ صحة رواية الخطيب، أن الصحيفة التى محاها ابن مسعود كانت فيها أحاديث فى فضائل أهل البيت، فذلك المحو محمول على أنها كانت أحاديث مكذوبة فى فضائل أهل البيت، وإلا لو كانت صحيحة لكانت من السنة وما محاها رضي الله عنه كما قال مرة الهمدانى "أما إنه لو كانت من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب (1) .
وكتب أهل الكتاب هذه هى التى قال فيها أيضاً ابن عون: "إنى أرى هذه الكتب يا أبا إسماعيل ستضل الناس.
وهذه الكتب أو ما أخذ منها هو ما جعل السلف الصالح يكرهون الكتابة خشية الاشتغال بها عن القرآن الكريم والسنة النبوية معاً.
(1) وما زعمه بعض غلاة الشيعة من أن سبب النهى عن كتابة السنة زمن أبى بكر وعمر هو خوفهم من اشتهار أحاديث فضائل أهل البيت–عليهم الصلاة والسلام يكذبه الواقع فكتب السنة الصحيحة بين أيدينا، تشهد بكذب هذا الزعم، بمجرد النظر فى كتب المناقب وفضائل الصحابة، نجدها مملؤة بالأحاديث الصحيحة الواردة فى فضائل آل البيت–عليهم الصلاة والسلام–ثم إن النهى عن كتابة السنة لم يرد فقط عن أبى بكر وعمر كما يزعمون وإنما ورد أيضاً عن الإمام على كرم الله وجهه وعلته فى ذلك هى نفس أخوانه من الصحابة وعلى رأسهم سيدنا عمر رضي الله عنه حيث قال الإمام على:"فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم"
.. وفى ذلك يقول الخطيب (1) –رحمه الله تعالى–: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هى لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ؛ لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها"(2) .
…
وفى نفس الوقت الذى كان فيه نهى عن الكتابة سواء فى عهد النبوة، أو الصحابة، أو التابعين؛ كان الأمر بالتحديث بالسنة وتبليغها.
وكان هذا التبليغ للسنة معتمداً بجوار الكتابة على ملكة الحفظ، والتى هى العمدة والأساس فى وصول القرآن والسنة إلينا سالمين من التصحيف والتحريف والتبديل.
وملكة الحفظ من مفاخر العرب وهى ملكة طبعوا عليها، والاعتماد على الكتابة يضعفها مع أهميتها، فكان التوجيه النبوى بالنهى عن الكتابة لتقوية تلك الملكة.
…
كما قال صلى الله عليه وسلم: "نضر الله أمرأ سمع منا حديثاً فحفظه". وقوله صلى الله عليه وسلم "احفظوه وأخبروا به من وراءكم".
(1) الخطيب: هو أحمد بن على بن ثابت بن مهدى، أبو بكر، أحد الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، من مؤلفاته، الكفاية فى علم الرواية، وتقييد العلم، والفقيه والمتفقة، وشرف أصحاب الحديث، وغير ذلك مات سنة 462 هـ. له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 3/1135 رقم 1015،= =والتقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد لابن نقطة ص153 رقم 176، ووفيات الأعيان 1/92 رقم 34، تهذيب بن عساكر 1/399، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص 433 رقم 980، والرسالة المستطرفة ص 52، وشذرات الذهب 3/311، والعبر 3|/253، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 2/441 رقم 1.
(2)
تقييد العلم ص 57، ونفس المعنى قاله الحافظ ابن عبد البر فى جامع بيان العلم 1/68.
.. وصار الصحابة والتابعون على الدرب نهوا عن الكتابة خوف الإتكال عليها وترك الحفظ لا سيما والإسناد قريب والعهد غير بعيد وهذه هى العلة الثالثة المصرح بها فى الأخبار والآثار الواردة فى النهى عن الكتابة.
3-
خوف الاتكال على الكتابة وترك الحفظ، وفى ذلك يقول إبراهيم النخعى:"وقل ما كتب رجل كتاباً إلا اتكل عليه" ويقول سفيان: "بئس المستودع العلم القراطيس" ومن كتب كتب ليحفظه فإذا حفظه محاه كما فى قول مسروق: "إنما أريد أن احفظها ثم أحرقها" فأقره علقمة بقوله "فلا بأس" وروى مثل ذلك عن ابن شهاب ومالك، وعاصم بن ضمرة، وغيرهم (1) ومر قول أبى سعيد الخدرى "احفظوا عنا كما حفظنا" وقول سفيان الثورى:"وما كتبت عنه شيئاً كنا نحفظ"(2) .
(1) انظر: سنن الدارمى فى المقدمة، باب من رخص فى كتابه العلم 1/139 رقم 508، وتقييد العلم ص 58-60، وجامع بيان العلم 1/64.
(2)
ومع ذمة الاتكال على الكتاب وأمره بالحفظ، كان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً فيما رواه عنه ابن عبد البر قال سفيان: إنى أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه حديث أكتبه أريد= =أن اتخذه ديناً، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به" انظر: جامع البيان العلم وفضله 1/76.
4-
والعلة الرابعة الواردة فى نفس أحاديث النهى عن الكتابة "خوف صيران الأحاديث إلى غير أهلها" فلا يعرف أحكامها، ويحمل جميع ما فيها على ظاهره وربما زاد فيها ونقص، فيكون ذلك منسوباً إلى كاتبها فى الأصل، وهذا كله وما أشبهه قد نقل عند المتقدمين الاحتراس منه" (1) ولعل الأصل فى ذلك ما صح من أنه صلى الله عليه وسلم، "كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. مخافة أن يناله العدو (2) ".
…
وعلى هذا يحمل ما ورد عن الصديق رضي الله عنه فى إحراقه ما جمعه من أحاديث على فرض صحته (3) ونحوه قول عَبِيْدة السلْمَانى: بعد محو كتبه عند موته: "أخشى أن يليها أحد بعدى، فيضعوها فى غير مواضعها".
ويقول أبو قلابة فى وصيته لأحد تلاميذه المقربين أيوب السختيانى: "ادفعوا كتبى إلى أيوب إن كان حياً، وإلا فأحرقوها (4) .
…
ويقول الأوزاعى: "كان هذا العلم شريفاً إذا كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار فى الكتب؛ ذهب نوره، وصار إلى غير أهله"(5) .
…
هذه هى علل النهى عن كتابة السنة تعلن عن نفسها بوضوح فى الأخبار والآثار التى استشهد بها أصحاب هذه الشبهة.
(1) تقييد العلم ص 61.
(2)
متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنه أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو 6/155 رقم 2990، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإمارة، باب النهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو إذ خيف وقوعه بين أيديهم 7/17 رقم 1869 واللفظ له.
(3)
انظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى ص 457.
(4)
تقييد العلم ص 62.
(5)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث 1/132 رقم 467، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم 1/68.
وقد يتساءل بعضهم (1) عن سبب العدول عن علل كراهة كتابة السنة وإباحة كتابتها فى عصر التدوين وما بعده إلى يومنا هذا.
…
والإجابة على هذا؛ هى ما أجاب به الخطيب بقوله: "إنما اتسع الناس فى كتب العلم وعولوا على تدوينه فى الصحف بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات انتشرت، والأسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا
…
مع رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمن ضعف حفظه فى الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك" (2) .
…
وكما قال ابن الصلاح: "ولولا تدوينه فى الكتب لدرس فى الأعصر الآخرة"(3) ، ولقد صدق رحمه الله تعالى.
وبعد
…
فقد ظهر واضحاً جلياً أن النهى عن كتابة السنة ليس لذاته، بل لعلل نصت عليها الأحاديث ذاتها التى نهت عن كتابة السنة وتدوينها.
تلك العلل التى أغمض أعداء السنة أعينهم عنها بالرغم من وجودها صراحة فى نفس الأخبار والآثار التى احتجوا بها لشبهتهم، فإن سلموا بصحة تلك الأحاديث فعليهم التسليم بالعلل الواردة فيها، ولا يكونوا ممن قال فيهم رب العزة {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (4) .
…
وإن لم يسلموا بصحة ما استشهدوا به من الأخبار والآثار لم يبق لشبهتهم أساس فى أن النهى عن كتابة السنة زمن النبوة، والصحابة، والتابعين، دليل على عدم حجية السنة المطهرة، لأنه فى الوقت الذى كان فيه نهى عن الكتابة زمن النبوة، والصحابة، والتابعين، كان فى الوقت ذاته إذن بالكتابة.
(1) مثل نيازى عز الدين فى إنذار من السماء ص127،وإسماعيل منصور فى تبصير الأمة ص311-318.
(2)
تقييد العلم ص 64، 65.
(3)
فتح المغيث للسخاوى 2/145، تدريب الراوى 2/65.
(4)
جزء من الآية 85 البقرة.
ولا أقول هنا بنسخ أحدهما للآخر (1) ،لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو ممكن هنا. وهذا ما ذهب إليه الدكتور عبد الغنى-رحمه الله تعالى- فى الجمع بين
أحاديث النهى وأحاديث الإذن. قال: "وقد قال بالنسخ جمهور العلماء (2) ، واختاره بعض المتأخرين (3) .
والحق أنه لا نسخ أصلاً، وأن النهى دائر مع الخوف -من العلل السابقة- والأذن دائر مع الأمن وجوداً وعدماً
…
فإنه يجب أن لا نقول بالنسخ إلا عند عدم إمكان الجمع بغيره، وقد أمكننا الجمع بتخصيص النهى بحالة الخوف، والإذن بحالة الأمن، مع التحديث والتبليغ فى الحالتين، وهو جمع معقول المعنى. فما الذى يضطرنا إلى القول بالنسخ؟
ثم إنه لا داعى للتخصيصات بالصحف أو الأشخاص أو الأزمنة كما يذكر فى بعض أقوال الجمع، بل المدار فى النهى على حصول الاشتباه من كتابة السنة مع القرآن أو مستقلة ومن كاتب الوحى أو من غيره. وفى زمن نزول الوحى أو فى غيره. والمدار فى الإذن على الأمن من الاشتباه فى هذه الأحوال كلها (4) أ. هـ.
…
وهكذا شاءت إرادة الله عز وجل، أن يكون النهى عن كتابة السنة جزء من هذا المنهاج العظيم الذى حفظت به رسالة الإسلام القائمة على الكتاب والسنة معاً.
(1) لا نسخ النهى بالإذن، ولا الإذن بالنهى، ولو صح الأول فلا يصح الثانى بحال كما سبق ص276
(2)
أى نسخ أحاديث النهى بأحاديث الإذن، على ما حكاه ابن تيمية فى جوابه فى كتابة صحة أصول مذهب أهل المدينة ص 37. وفى مقابل الجمهور من عكس فذهب إلى أن الإذن منسوخ بالنهى كالأستاذ محمد رشيد رضا ومن تابعه وسبق الرد عليه ص 276-278.
(3)
كالأستاذ الخولى فى مفتاح السنة ص 17، والأستاذ أحمد محمد شاكر فى الباعث الحثيث ص112
(4)
حجية السنة للدكتور عبد الغنى 446 – 447 بتصرف.