الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و
الجواب:
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى رداً على أحمد صبحى منصور، وعلى من قال بقوله قال: "إن قصة أم سليم، وأم حرام، والتى لم يتورع أحمد صبحى منصور أن يتخذ منها تكأة للتشويش على شخصية النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا يعلم أن التفصيل فى نفى النقص عن الكاملين نقص، خصوصاً إذا دخل فى شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها فى تشويه صورة النبى صلى الله عليه وسلم، والتقليل من هيبته فى نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصراً بالمناهج، ومن هم أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفراً، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز للنبى صلى الله عليه وسلم نقباً.
والشئ الذى لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريباً على أن النبى كان يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أم سليم، وأم حرام.
والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟
…
والروايات تجيب أن أم سليم، وأم حرام أختان، يقال لأحدهما الرميضاء، وللأخرى الغميصاء، لا بعينها، فمنهم من يقول: إن الرميصاء بالراء هى أم حرام، والغميصاء بالغين هى أم سليم، ومنهم من يعكس (1) .
…
والرميصاء، والغميصاء: لفظان يدلان على حالتين فى العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس.
(1) انظر: فتح البارى 11/75 رقمى 6282، 6283.
.. وأم سليم هى أم أنس بن مالك رضي الله عنه، وأم حرام خالته، وأنس بن مالك كان فى صباه يخدم النبى عشر سنين وكان النبى يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس: خدمت النبى عشر سنين، فما قال لى لشئ فعلته لم فعلته، ولا لشئ تركته لما تركته (1) .
…
هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل فى الصحابة والصحابيات، وما الذى جعل علاقة النبى بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم.
إن هذا لا يكون إلا فى حالة واحدة، وهى أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النبى صلى الله عليه وسلم، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قال بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرضاعة كما قال البعض الآخر (2) .
وإلا فهل يمكن عقلاً للنبى صلى الله عليه وسلم، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟
وهل يمكن عقلاً أو اتفاقاً أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين فى وقت واحد؟
وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النبى لغير قريبه من الصبيان أن يخدمه فى بيته عشر سنوات كاملات؟
وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى صلى الله عليه وسلم، وفى نبوته؟
أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى صلى الله عليه وسلم، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام.
(1) أخرجه البخارى "بشرح فتح البارى" فى عدة أماكن منها كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل 10/471 رقم 6038، ومسلم "بشرح النووى" كتاب الفضائل، باب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً 8/76، 77 رقم 2309.
(2)
انظر: فتح البارى 11/80، 81 رقمى 6282، 6283، والمنهاج شرح مسلم للنووى 7/67
وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول كان النبى صلى الله عليه وسلم، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه (1)، ورواية تقول:"نام النبى صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسى قال لا"(2) .
وقد يقول قائل قريبات النبى صلى الله عليه وسلم معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام.
والجواب أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى هذا المجتمع وأهملهن الرواة (3) .
قال الإمام النووى – رحمه الله – قوله: "أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها".
اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فى كيفية ذلك.
فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار.
وقوله: "تَفْلِى" بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام أى تفتش ما فى الرأس، وتقتل القمل منه، ولا يعنى وجود ذلك فى رأس النبى صلى الله عليه وسلم.
وأخذ من ذلك الحديث جواز فلى الرأس، وقتل القمل منه، وجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها، وهذا كله مجمع عليه (4)
(1) أخرجه مسلم "بشرح النووى" كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبى صلى الله عليه وسلم 8/95 رقم 2331.
(2)
أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الجهاد باب فضل الغزو فى البحر 3/7 رقم 2492.
(3)
انظر: السنة فى مواجهة أعدائها لفضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى ص 204 هامش.
(4)
المنهاج شرح مسلم للنووى 7/67.
.. يقول فضيلة الدكتور طه حبيشى: "بقى أن يتشدق صاحبنا فيقول: هب أن ذلك صحيح "وهو صحيح قطعاً" فكيف يدخل النبى بيتاً لمحرمة، وهى أم حرام من غير إذن زوجها عبادة بن الصامت؟
والجواب أن أم حرام كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت بغير زواج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تتزوج بعبادة بن الصامت، ويبقى معها بعد انتقال النبى صلى الله عليه وسلم، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه، وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن، ففى بعض روايات الحديث قال: ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت.
أما هذه الجملة التى وقع عليها صاحبنا وهى الواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى – كانت تحت عبادة بن الصامت – فقد أجمع العلماء أن هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها. قال الحافظ ابن حجر: والمراد بقوله هنا "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً لعياض" (1) .
…
أما ما زعمه أحمد صبحى، وحاول إ يهام القارئ به من أن روايات الحديث فيها أن النبى صلى الله عليه وسلم، كان يبادل أم حرام كلمات غير مقبولة، وحاشاه.
(1) فتح البارى 11/75، وانظر: المنهاج شرح مسلم للنووى 7/69 رقم 1812.
فيقول رداً على ذلك فضيلة الدكتور طه حبيشى: "نعم، النبى صلى الله عليه وسلم، كان عند أم حرام، ونام عندها، واستيقظ يضحك، وسألته أم حرام عن الأمر الذى يضحك منه، فأخبرها أن أناساً من أمته سيركبون البحر ظهره، ووسطه، ويكونون فيه، وهو أمر فيه أمثال الملوك على الأسرة، وهذا أمر يسعد النبى صلى الله عليه وسلم، ويرضيه، لما فيه من المخاطر ما فيه، إن فيه خطر ركوب البحر، وفيه الجهاد وما فى الجهاد من أهوال، وفيه احتمال الموت والشهادة، وأم حرام تعرف ذلك وتدركه، ثم تطمع فيه وتبتغيه، وتسأل النبى الذى لا ترد دعوته وتقول له: سل الله أن يجعلنى منهم، والنبى سأل ربه، واستجاب له ربه عز وجل، فسألته أم حرام بعد أن نام المرة الثانية فى الوقت نفسه وقام يضحك، مم تضحك يا رسول الله؟ فقال كما قال فى الأولى: إن أناساً من أمتى سيركبون البحر مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله أأنا منهم قال، لا، أنت من الأولين.
…
ومرت الأيام وركبت أم حرام مع زوجها، وعلى ساحل البحر ركبت دابة فسقطت من على دابتها فماتت، وقبرها على رأى البعض ما يزال ظاهراً، يعرفه الناس فى قبرص باسم قبر المرأة الصالحة.
أى حديث هذا الحديث الذى جرى بين النبى وبين أم حرام، إنه حديث عن المخاطر والأهوال، وهو حديث عن الموت والشهادة، وهو حديث عن استكمال الذات إلى ساعة الممات، وهو حديث فرح النبى صلى الله عليه وسلم، بأمته حين ينتشرون بالدين ويحملون لواء الجهاد. إن مثل هذا الحديث: لهو حديث الرجولة والكمال، وهو حديث الطمع فى رحمة الله ورضوانه. فما علاقة مثل هذا الحديث الشاق بأحاديث الرضا ومتابعة هوى النفس.
إن المرء ليسمع الحديث المستقيم، فيدركه على وجهه، إن كان سليم النفس، حسن الطوية
وهو ينحرف به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجاً، وهل ينضح البئر إلا بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟