الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: شبهة عرض السنة النبوية على العقل والرد عليها
لم يكتف أهل الزيغ والهوى بعرض السنة المطهرة على القرآن الكريم للحكم عليها قبولاً أو رفضًا، وإنما سلكوا مسلكًا آخر في الحكم عليها والتشكيك فيها بعرضها على العقل (الصريح) ، فما وافقه قبل ولو كان آحادًا _ صح أو لم يصح _ وما لم يوافقه _ حتى ولو مع إمكان التأويل _ ردوه ولو كان متواترًا صحيحًا.
وهذا المسلك والمنهج (عرض السنة على العقل بالمفهوم السابق من أصول أهل الكفر والبدع والأهواء كما حكاه عنهم الأئمة: ابن قيم الجوزية، وابن أبي العز، وابن قتيبة، والشاطبي.
يقول ابن قيم الجوزرية: وبالجملة فمعارضة أمر الرسل أو خبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار" (1) .
ويقول ابن أبي العز (2) : "كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولاً، فما وفقه قال: إنه محكم، وقبله، واحتج به، وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم رده، وسمى رده تقويضًا، أو حرفه وسمى تحريفه تأويلاً (3) .
ويقول الشاطبي في باب (مأخذ أهل البدع بالاستدلال) : "ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها، ولما ردوها بتحكم العقول كان الكلام معهم راجعًا إلى أصل التحسين والتقبيح العقليين، فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التى بنى عليها أهل الابتداع في الدين،
(1) مختصر الصواعق المرسلة 1/ 121.
(2)
ابن أبى العز: هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم السلمي الشافعي أبو محمد، أحد الأئمة الأعلام، الملقب بسلطان العلماء، من مصنفاته: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، والإلمام في أدلة الأحكام، والتفسير الكبير، مات سنة 660هـ. له ترجمة في: طبقات المفسرين للداودي 1/ 315 رقم 288، والبداية والنهاية 13 / 335، شذرات الذهب 5/ 301، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 2/ 873 رقم 10، وذيل طبقات الفقهاء للشافعيين للعبّادي ص 36.
(3)
شرح العقيدة الطحاوية 2/ 80.
بحيث أن الشرع إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه (1) .
وبهذه الشبهة قال أهل الزيغ والهوى حديثًا: مثل محمود أبو رية (2) ، وقاسم أحمد (3) ، وسعيد العشماوي (4) ، ومحمد شحرور (5) ، وإسماعيل منصور (6) ، وجمال البنا (7) ، ونصر أبو زيد وغيره.
ومن الأحاديث التى يستشهد بها خصوم السنة المطهرة في وجوب عرضها على العقل، ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.:" إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولاتنكرونه، قلته أو لم أقله، فصدقوا به، وإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني بحديث تنكرون، لا تعرفونه، فكذبوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف"(9) .
وهذا الحديث استدل به قديمًا: الطائفة التى ردت الأخبار كلها، وناظر الإمام الشافعي واحدًا من أتباعها كما حكاه الإمام الشافعي عنهم (10) .
واستدل به حديثًا؛ الدكتور توفيق صدقي (11) ، والأستاذ جمال البنا (12) ، وغيرهم ممن سبقوا.
ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أنه يفيد في نظرهم وجوب عرض ما نسب إلي النبي صلى الله عليه وسلم. على المستحسن المعروف عن الناس _ حتى ولو كانوا أهل زيغ وضلالة _ فما وافق عقول هؤلاء الناس؛ فهو من السنة حتى ولو لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم. فعلاً، وما خالف تلك العقول، فكذب ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.، ولم يقله حتى ولو جاء متواترًا صحيحًا فالحجة عندهم في تلك العقول لا في السنة النبوية المطهرة.
الجواب عن الحديث:
(1) الاعتصام 1/ 186، 187، 2/ 589.
(2)
أضواء على السنة ص 19، 143.
(3)
إعادة تقييم الحديث ص 59.
(4)
حقيقة الحجاب وحجية الحديث ص 91، 92.
(5)
الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ص 726.
(6)
تبصير الأمة بحقيقة السنة ص 659.
(7)
السنة ودورها في الفقه الجديد ص 86، 161، وانظر: كتابه الإسلام والعقلانية ص 38 وما بعدها.
(8)
نقد الخطاب الديني ص 101، 103، 131، 132، وانظر له مفهوم النص ص 28.
(9)
أخرجه الدارقطني في سننه كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك باب، كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبى موسى الأشعري 4/ 208 رقمي 18، 19، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول الأصل الرابع والأربعون فيما يعدونه صدق الحديث 1/ 357 واللفظ له. وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير 1/ 32، 33 رقم 14، والخطيب في تاريخه 11/ 311 رقم 6268، والبخاري في تاريخه 3/ 473 رقم 1585.
(10)
الأم كتاب سير الأوزاعي، باب سهم الفارس الراجل وتفضيل الخيل 7/ 339.
(11)
مجلة المنار المجلد 9/ 522.
(12)
الأصلان العظيمان ص 231.
هذا الحديث الذي استشهد به خصوم السنة المطهرة روي من طرق مختلفة كلها ضعيفة لا يصلح شيء منها، بل ولا بمجموعها للاحتجاج والاستشهاد. وكشف عن ذلك علماء الحديث.
فقال الإمام البيهقي: "قال ابن خزيمة: في صحة هذا الحديث مقال، لم نر في شرق الأرض ولا غربها أحدًا يعرف خبر ابن أبي ذئب (1) من غير رواية يحيي بن آدم (2) ، ولا رأيت أحدًا من علماء الحديث يثبت هذا عن أبي هريرة. وهو مختلف على يحيي بن آدم في إسناده ومتنه اختلافًا كثيرًا يوجب الاضطراب، منهم من ينكر أبا هريرة، ومنهم من لا يذكر ويرسل الحديث، ومنهم من يقول في متنه: "إذا رويتم الحديث عنى فاعرضوه على كتاب الله" (3) .
وقال البخاري في تاريخه: وقال يحيى بن آدم عن أبى هريرة وهو وهم، ليس فيه أبو هريرة (4)، وفي علل ابن أبي حاتم قال: قال أبي: هذا حديث منكر، الثقات لا يرفعونه (5) . أى لا يرفعون في إسناده فوق المقبري، ليوافق قول البخاري.
وقال العقيلي في الضعفاء: ليس له إسناد يصح (6)
(1) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبى ذئب القرشي العامري، أبو الحارث، المدني، أحد الأعلام، ثقة فقيه فاضل. مات 158هـ. وقيل 159 هـ. له ترجمة في: تقريب التهذيب 2/ 105 رقم 6102، والكاشف 2/ 194 رقم 5001 والثقات لابن شاهين ص 278 رقم 1140، والجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني 2/ 444 رقم 1695.
(2)
هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، أحد أعلام ثقة حافظ فاضل مات سنة 203هـ. له ترجمة في: تقريب التهذيب 2/ 296 رقم 7523، والكاشف 2/ 360 رقم 6124، والثقات للعجلي 468 رقم 1789، والتعريف برواة مسند الشاميين للدكتور على جماز ص 463 رقم 874.
(3)
انظر: مفتاج الجنة في الاحتجاج بالسنة ص 39.
(4)
التاريخ الكبير 3/ 474 رقم 1585 ترجمة سعيد المقبري.
(5)
العلل لابن أبى حاتم 2/ 310.
(6)
الضعفاء الكبير 1/ 32، 33 رقم 14.
والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (1) ، وتعقبه في حكمه الحافظ السيوطي في كتابيه النكت البديعات على الموضوعات (2) ، واللآلئ المصنوعة (3) مقويا الحديث بشواهده، ووافقه على ذلك ابن عراق في تنزيه الشريعة (4) ، وتعقب السيوطي، وابن عراق في تقوية الحديث بشواهده الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف _ رحمه الله تعالى _ وسبق قوله في حديث عرض السنة على القرآن (5) .
كما تعقب الأستاذ المعلمي اليماني الإمام السيوطى في شواهد الحديث بروايتي أحمد وابن ماجة.
فالشاهد الأول " رواية أحمد" بين فيه وهمه؛ بأنه ذكرها بسند متن آخر وهو: "المؤمن القوي خير وأفضل
…
إلخ (6)، والمتن الشاهد في رواية أحمد في سنده أبو معشر (7) : وهو نجيح السندي، كان أول أمره ضعيفًا، ثم اختلط اختلاطًا شديدًا، وجاء بأحاديث منكرة، ولا سيما في روايته عن سعيد المقبري، وهو الذي روى عنه هذا الحديث الشاهد (8) ، مع أن سعيدًا نفسه اختلط أيضًا (9)، قال الحافظ الهيثمي (10) : أبو معشر نجيح ضعفه أحمد وغيره وقد وثق (11) .
(1) الموضوعات 1/ 257، 258.
(2)
النكت البديعات على الموضوعات ص 48 رقم 23.
(3)
اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/ 213.
(4)
تنزيه الشريعة 1/ 264.
(5)
راجع: ص 221.
(6)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 366.
(7)
المصدر السابق 2/ 367، 483.
(8)
الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة 279 هامش؛ والكاشف 2/ 317 رقم 5802، والتقريب 2/ 241 رقم 7126، وتهذيب التهذيب 10/ 419 رقم 758، ولسان الميزان 7/ 409 رقم 5015 وميزان الاعتدال 4/ 246 رقم 9017، والجرح والتعديل 8/ 493 رقم 2263، والمغنى 2/ 694، والضعفاء لابن نعيم ص 153 رقم 254، والضعفاء والمتروكين ص 235 رقم 618.
(9)
نهاية الاغتباط بمن رمى من الرواة بالاختلاط ص 132 رقم 40.
(10)
الحافظ الهيثمي هو: على بن أبى بكر بن سليمان، نور الدين أبو الحسن، إمام حافظ، رافق الحافظ العراقي في السماع، سمع جميع ما سمعه، من مصنفاته مجمع الزوائد، وبغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، وغير ذلك، مات سنة 807هـ. له ترجمة في:طبقات الحافظ للسيوطي ص 545 رقم 1178، وأنباء الغمر 2/ 307، وشذرات الذهب 7/ 70، والأعلام 4/ 266.
(11)
مجمع الزوائد 1/ 154.
كما تعقب المعلمي اليماني الإمام السيوطي في الشاهد الثاني رواية ابن ماجة؛ بأن في سندها المقبري (1) . وهو عبد الله بن سعيد أبي سعيد، متروك ساقط البتة (2) .
وأمثل شاهد روي في هذا المعنى، واستشهد به الحافظ السيوطي ما أخرجه أحمد والبزار عن أبى حميد وأبى أسيد مرفوعًا:" إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب؛ فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد؛ فأنا أبعدكم منه"(3) .
والحديث أخرجه البخاري في تاريخه بلفظ: " إذا جاءكم الحديث عني يلين قلوبكم، فأنا أمرتكم به "، ثم أخرج من طريق عباس بن سهل عن أبى بن كعب قال:" إذا بلغكم عن النبي صلى الله عليه وسلم. ما يعرف ويلين الجلد، فقد يقول النبي صلى الله عليه وسلم. الخير، ولا يقول إلا الخير.
قال البخاري: هذا أشبه وأصح (4) . قال البيهقي؛ يعني أصح من رواية من رواه عن أبي حميد، أو أبي أسيد وقد رواه ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد عن القاسم بن سهل، عن أبى بن كعب قال ذلك بمعناه، فصار الحديث المسند معلولاً (5) .
وهذا ما رجحه المعلمي من أربعة أوجه في تحقيقه للحديث في الفوائد المجموعة (6) .
وبالجملة: فالحديث بطرقه وشواهده لايصلح للاحتجاج والاستشهاد.
(1) اخرجه ابن ماجة في سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه 1/ 23 رقم 21.
(2)
الفوائد المجموعة ص 279 هامش، وانظر: في ترجمة عبد الله المقبري، الكاشف 1/ 558 رقم 2752، والتقريب 1/ 497 رقم 3367، وتهذيب التهذيب 5/ 237 رقم 412، وميزان الاعتدال 2/ 429 رقم 4353، ولسان الميزان 7/ 263 رقم 3532، والجرح والتعديل 5/ 71 رقم 336، والمغنى 1/ 340، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 199، والضعفاء والمتروكين ص 152 رقم 360.
(3)
أخرجه أحمد في مسنده 33/ 497، 5/ 425، وأخرجه البزار (كشف الأستار) 1/ 105، وقال البزار لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 149، 150، رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.
(4)
التاريخ الكبير 5/ 514 رقم 1349.
(5)
مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة ص 41.
(6)
الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص 281، 282 هامش.
يقول الإمام الشوكاني: "فهذا الحديث بشواهده لم تسكن إليه نفسي، وإني أظن أن ابن الجوزي قد وفق للصواب بذكره في موضوعاته"(1) .
ويشهد لبطلان الحديث ما فيه من إباحة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.:"قلته أو لم أقله فصدقوا به". وفي لفظ: "ما بلغكم عنى من قول حسن لم أقله فأنا قلته".
قال ابن حزم:" وهذا هو نسبة الكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.؛ لأنه حكى عنه أنه قال: " لم أقله فأنا قلته" فكيف ما لم يقله أيستجيز هذا إلا كذاب زنديق كافر أحمق (2) ؟.
قلت: وفي هذا رد على ما زعمه كذبًا جولدتسيهر من أن المحدثين يقررون "احتجاجًا" مثل حديث "ما قيل من قول حسن فأنا قلته"(3) .
وحسبنا بهذه الطائفة المستشهدة بهذا الحديث أنهم مقرون على أنفسهم، بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قال:" من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين"(4) أ. هـ.
وعلى فرض صحة الحديث، فلا دلالة فيه على عدم حجية السنة النبوية، فكل ما يدل عليه أنه من أدلة صدق الحديث أن يكون وفق ما جاءت به الشريعة من المحاسن، فإن جاء على غير ذلك كان دليلاً على كذبه، ونحن نقول بذلك على ما هو مقرر عند المحدثين من علامات وضع الحديث، تكذيب الحسن له (5) .
ويقول الحكيم الترمذي (6) في تأويل الحديث: " قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا حدثتم عنى بحديث تعرفونه، ولا تنكرونه" فنقول من تكلم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. بشئ من الحق، وعلى سبيل الهدي؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم سابق إلى ذلك القول وإن لم يكن قد تكلم بذلك اللفظ الذي أتى به من بعده،
(1) المصدر السابق ص 281.
(2)
أخرجه ابن حزم في الإحكام 2/ 213 بسند فيه اشعث بن بزار، وقال فيه: كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه، وبسند آخر فيه الحارث والعرزمي وعبد الله بن سعيد، وضعف الأولين وقال في الثالث كذاب مشهور. وانظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص 39، 40.
(3)
العقيدة والشريعة في الإسلام ص 55.
(4)
سبق تخريجه ص 40.
(5)
المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزرية ص 51، وانظر: السنة ومكانتها في التشريع للدكتور السباعي ص 164.
(6)
الحكيم الترمذي هو: الإمام أبو عبد الله محمد بن على بن الحسن، الزاهد، الواعظ، المؤذن، صاحب التصانيف النافعة، منها نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، والرد على المعطلة، وختم الأولياء عاش إلى= =حدود 320هـ. له ترجمة في: تذكرة الحفاظ 2/ 645 رقم 668، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص 286 رقم 642، ولسان الميزان لابن حجر 5/ 308، رقم 1033، وطبقات الشافعية لابن السبكي 2/ 145، وتاريخ بغداد 11/ 373رقم 6226.
فقد أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بأصله مجملاً كما ثبت في صحيح السنة من حديث ابن مسعور صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:" ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه"(1) .
فلذلك قال: " فصدقوا به قلته أو لم أقله"، أي إن لم أقله بذلك اللفظ الذي يحدث به عنى فقد قلته بالأصل والأصل مؤد عن الفرع، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم. بالأصل، ثم تكلم أصحابه والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين من بعده بالفروع، فإذا كان الكلام معروفًا عن المحققين غير منكر؛ فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم. قاله أو لم يقله، يجب علينا تصديقه _ وخاصة إذا لم يكن مما يقال من قبل الرأي ولم يرفعوه؛ لأن الأصل قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. وأعطاه لنا، وإنما قال ذلك لأصحابه الذين عرفهم بالحق، فإنما يعرف الحق المحق بهم، وهم أولوا الألباب والبصائر (2) رضوان الله عليهم أجمعين.
أما الشواهد لهذا الحديث وهو متن: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم
…
إلخ".
فعلى فرض صحته فلا دلالة فيه على وجوب عرض السنة على العقل، فكل ما يدل عليه التثبيت عند سماع الحديث وخاصة إذا كانت فيه ظلمة وركاكة ومجازفات باردة لا يقول مثلها النبي وهذا ما قرره المحدثون، وجعلوه من دلائل الوضع في الحديث وإن صح سنده (3) .
وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "واعلم أن الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب" وروى عن الربيع بن خثيم (4)
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب البيوع 2/ 5 رقم 2136، وسكت عنه هو والذهبي، وأخرجه من حديث جابر، وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، ومن وجه آخر عن جابر وصححه الذهبي على شرط مسلم.
(2)
نوادر الأصول، الأصل الرابع والأربعون فيما يعدونه صدق الحديث 1/ 360، 361.
(3)
المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية ص 50 رقم 53.
(4)
الربيع بن خثيم: بضم المعجمة وفتح المثلثة، ابن عائد بن عبد الله الثوري، أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم= =رباني حجة، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأحبك، مات سنة 63هـ. له ترجمة في: تقريب التهذيب 1/ 294 رقم 1893، والكاشف 1/ 391 رقم 1529، والثقات لابن حبان 4/ 224، والثقات للعجلي ص 154 رقم 419 والثقات لابن شاهين ص 126 رقم 339، ومشاهير علماء الأمصار ص 125 رقم 737.
قال: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكرة"(1) .
يقول الأستاذ يحيي المعلمي اليماني: "وعلى فرض صحة الخبر، فلا سبيل إلى أن يفهم منه ما تدفعه القواطع، فمن المقطوع به، أن معارف الناس وآراءهم وأهواءهم تختلف اختلافًا شديدًا، وأن هناك أحاديث كثيرة، تقبلها قلوب، وتنكرها قلوب. وبهذا يعلم أن ما يعرض للسامع من قبول واستبشار، أو نفور واستنكار. قد يكون حيث ينبغي، وقد يكون حيث لاينبغي، وأنما هذا _ والله أعلم _ إرشاد إلى ما يستقبل به الخير عند سماعه، وقد يكون منشأ ذلك: أن المنافقين كانوا يرجفون بالمدينة ويشيعون الباطل، فقد يشيعون ما إذا سمعه المسملون، وظنوا صدقه ارتابوا في الدين، أو ظنوا السوء برسول الله، فأرشدوا إلى ما يدفع عنهم بادرة الارتياب، وظن السوء، ومع العلم بأن بادى الظن ليس بحجة شرعية، عليهم النظر والتدبر، والأخذ بالحجج المعروفة (2) .
وبعد
فهذا قول أهل العلم في حديث: "إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه
…
إلخ" وشواهده وتبين لنا أنه لا حجة فيه لأعداء السنة وفي منهجهم بعرض السنة على العقل حيث الحكم عليها بالقبول أو الرفض.
ونقول أيضًا في بيان تهافت وبطلان شبهة: "عرض السنة على العقل" سائلين القائلين بها:
l أيهما الحاكم على الآخر النقل أم العقل؟
l ما أراد بالعقل الصريح الذي ترددونه؟ وما حدوده؟ وما مدى الاتفاق عليه؟
l وهل يتعارض النقل مع العقل؟ وإذا تعرضا فأيهما أحق التقديم؟
وأخيرًا هل أهمل المحدثون _ حقًا _ العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما تدعون؟
الجواب
إننا إذا نظرنا في كتب الأصول نجد الإجابة على السؤال الأول أيهما الحاكم على الآخر النقل أم العقل؟
فعند أهل الأصول العلم بالأحكام (الحكم، والحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه) هو القطب الأول من الأقطاب الأربعة التى تندرج تحتها أصول الفقه، من هنا كان لابد من تعريف الحكم حيث له تعلق بالحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه.
(1) الموضوعات لابن الجوزي 1/ 103، والكفاية ص 605.
(2)
الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص 282 هامش.
فنقول: الحكم لغة: المنع والصرف، ومنه الحكمة للحديدة التى في اللجام، وبمعنى الإحكام، ومنه الحكيم في صفاته سبحانه (1) .
وفي الاصطلاح: على المختار من قول الآمدي قال هو: "خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية"(2) وإذا تبين أن الحكم (خطاب الشارع) علم أنه لا حاكم على المكلفين سوى الله عز وجل ولا حكم إلا ما حكم به عز وجل {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون} (3) وهذا بإجماع الأمة سوى من شذ من المعتزلة، حيث حكموا العقل وجعلوه حاكمًا.
وأنكر ذلك شارح مسلم الثبوت وقال:" إن هذا مما لايجترئ عليه أحد ممن يدعى الإسلام، بل إنما يقولون: "إن العقل معرف لبعض الأحكام الإلهية سواء ورد به الشرع أم لا. وهذا مأثور عن أكابر مشايخنا أيضًا (4) .
والجمهور من الأصوليين، والمحدثين، والفقهاء، على خلاف ما ذهب إليه العلامة ابن عبد الشكور (5) ؛ حيث أثبتوا أن المعتزلة حكموا عقولهم، وجعلوها حاكمة لا محكومة بحكم خالقها.
(1) البحر المحيط للزركشي 1/ 117.
(2)
الإحكام للآمدي 1/ 90.
(3)
الآية 50 من سورة المائدة.
(4)
لفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 1/ 25.
(5)
ابن عبد الشكور: هو محب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي، الفقيه الحفنى الأصولى المنطقي، توفي سنة 1119هـ. له ترجمة في الفتح المبين عبد الله المراغي 3/ 122، وأصول الفقه تاريخه ورجاله للدكتور شعبان إسماعيل ص 507، 508.
ولهذا فرع علماء الأصول على مسئلة (أنه لا حاكم سوى الله، ولا حكم إلا ما حكم به) فرعوا على ذلك خلافًا للمعتزلة: "أن العقل لايحسن ولايقبح، ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع"(1) .
ثم إن الله عز وجل جعل العقول في إدراكها حدًا تنتهى إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري عز وجل في إدراك جميع ما كان، وما يكون، وما لايكون، إذا لو كان كيف يكون.
فمعلومات الله لا تنتاهي، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوى ما لايتناهي، وهذا قول ابن خلدون (2) : "واعلم أن الشارع أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا؛ لاطلاعه على ما وراء الحس، والعقل يقف عاجزًا عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة، ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك، وأعلم أن الوجود منحصر في مداركه لايعدوها (3) .
ويقول الشاطبي مبطلا زعم من قال: إن مصالح الدنيا تدرك بالعقل في قوله: "إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع. وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات".
ويقول الشاطبي ردًا: "أما إن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع فكما قال، وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه، بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض. ولذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة، تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة، وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام ومن أجل
(1) انظر: تفصيل ذلك في المستصفى للغزالي 1/ 8، والإحكام للآمدى 1/ 76 _ 90، والإبهاج في شرح المنهاج 1/ 43، 135، وإرشاد الفحول 1/ 56، وأصول الفقه للخضري ص 23، 24.
(2)
ابن خلدون: هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، أبو زيد، الفيلسوف المؤرخ العالم البحاثة، ولي قضاء المالكية بمصر، اشتهر بكتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر" مات سنة 808هـ. له ترجمة في: الضوء اللامع 4/ 145 رقم 378، والأعلام 3/ 330.
(3)
المقدمة الفصل العاشر في علم الكلام ص 508، وانظر: الإسلام على مفترق الطرق الأستاذ محمد أسد ص 100 وما بعدها.
هذا القصور في تلك العقول وقع الإعذار والإنذار كما قال عز وجل: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (1) .
ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق، لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة، خاصة وذلك لم يكن، وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا والآخرة معًا، وإن كان قصده بإقامة الدنيا والآخرة، فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدنيا، حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة، وقد بث في ذلك من التصرفات، وحسم من أوجه الفساد التى كانت جارية، ما لا مزيد عليه.
فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها، بعد وضع الشرع أصولها فذلك لا نزاع فيه" (2) .
ومن هنا وجب أن يقدم ما حقه التقديم _ وهو الشرع _ ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العقل؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكمًا على الكامل؛ ولأنه خلاف المعقول والمنقول، ولذلك قال: اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، تنبيها على تقدم الشرع على العقل (3) .
ومن قدم العقل على الشرع لزمه القدح في العقل نفسه؛ لأن العقل قد شهد للشرع والوحي بأنه أعلم منه، فلو قدم عليه؛ لكان ذلك قدحًا في شهادته، وإذا بطلت شهادته؛ بطل قبول قوله، بل إن من قدم العقل على الشرع؛ لزمه القدح في الشرع أيضًا.
يقول الإمام الشاطبي:
أولاً: "إنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل، لم يكن الحد الذي حده النقل فائدة، لأن الفرض أنه حد له حدًا، فإذا جاز تعديه صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل، فما أدى إليه مثله.
ثانيًا: ما تبين في علم الكلام والأصول، من أن العقل لايحسن ولا يقبح، ولو فرضناه متعديًا لماحده الشرع، ولكان محسنًا ومقبحًا، وهذا خلف.
. (1) الآية 165 من سورة النساء.
(2)
الموافقات 2/ 360 وانظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإمام ابن عبد السلام 1/ 5 _ 10.
(3)
الاعتصام للشاطبي 2/ 568.
ثالثًا: أنه لو قدم العقل على النقل؛ لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال باطل.
وبيان ذلك: أن معنى الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودًا في أفعالهم، وأقوالهم، واعتقاداتهم وهو جملة ما تضمنته. فإن جاز للعقل تعدى حد واحد، جاز له تعدى جميع الحدود؛ لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدى حد واحد هو بمعنى إبطاله، أي ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد، جاز إبطال السائر، وهذا لايقول به أحد، لظهور محاله" (1) فكان تقديم العقل على النقل _ لا لشئ إلا لأنه عقل _ يتضمن القدح في العقل والنقل _ كما مر وهذا ظاهر لا خفاء فيه.
ويقول الدكتور السباعي _ رحمه الله تعالى _: ولننظر إلى المسألة من ناحة أخرى. ولنفرض أن تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل هذا الذي تريدون أن تحكموه؟
أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إلا وهو ينقض قول من سبقه.
أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإن عنايتهم _ عفا الله عنهم _ بالنوادر والحكايات.
أعقل علماء الطب، أم الهندسة، أم الرياضيات؟ مالهم ولهذا؟
أعقل المحدثين؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تهمونه بالغباوة والبساطة.
أعقل الفقهاء؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم _ في رأيكم _ لعقلية المحدثين.
أعقل الملحدين؟ إنهم يرون أن إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة.
أعقل المؤمنين بوجود الله؟ فنحن نسألكم: عقل أي مذهب من مذاهبهم ترتضون؟
أعقل أهل السنة والجماعة؟ هذا لا يرضى الشيعة، ولا المعتزلة.
أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين فأي عقل ترتضون (2) ؟
فمجرد الاتفاق على طبيعة العقل الحاكم غير واردة.
(1) الموافقات 1/ 78، 79، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة 1/ 110.
(2)
السنة ومكانتها في التشريع 39، 40.
يقول ابن قيم الجوزية: "فإن قالوا: إنما تقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه، وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل الصريح هذا وقد شهد الله وكفى بالله شهيدا، وشهد بشهادته الملائكة وأولوا العلم؛ أن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم. هي الطريقة البرهانية للحكمة كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُم} (1) . وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم} (2) فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي كتابًا وسنة معظمة للرشد داعية إلي الخير، والطريقة العقلية _ التقليدية التخمينية هي المأخوذة من رجل _ من يونان _ وضع بعقله قانونا من مقدمتين ونتيجة _ يصحح بزعمه علوم الخلائق وعقولهم، فلم يستفد به عاقل تصحيح مسألة واحدة في شئ من علوم بنى آدم، بل ما وزن به علم إلا أفسده، وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان (3) .
ونقول لمن حكموا عقولهم في شرع الله عز وجل، وقدموها عليه: إن تحكيم العقل وهو مخلوق في خالقه بحيث يقولون: يجب عليه بعثه الرسل، ويجب عليه الصلاح والأصلح، ويجب عليه اللطف، ويجب عليه كذا، وكيف يجوز هذا في حق الله عز وجل مما ورد في صفاته وأسمائه جل جلاله _ في كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة؟ وكيف المعجزة؟ وكيف اليوم الآخر، وما فيه من حساب، وعقاب، وجنة، ونار، وميزان، وصراط، وشفاعة
…
؟ إلى آخر ما ينطق به في تلك الأشياء (الإلهيات والنبوات والمعجزات للأنبياء والسمعيات الغيبية) .
(1) الآية 174 من سورة النساء.
(2)
الآية 113 من سورة النساء.
(3)
مختصر الصواعق المرسلة 1/ 112، 113 بتصرف.
نقول: إن قولكم بعقولكم في تلك الأمور _ اعتراضًا _ هذا يجب، هذا يستحيل، كيف هذا. هذا منكم اجتراء على الله عز وجل، وعلى عظمته جل جلاله، واعتراض على حكمه وشرعه الحكيم، وتقديم بين يدي الله ورسوله، ومن أجل البارى وعظمه وعظم حكمه وشرعه، لم يجترئ على ذلك، فلله عز وجل الحجة البالغة والحكمة الكاملة، ولا معقب لحكمه؛ فوجب الوقوف مع قوله تعالى:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} (1) . وقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} (2) . وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه} (3) . ويكفيك في فساد عقل معارض الوحي قرآنًا وسنة اجتراءه على عصمة ربه عز وجل.
فكيف نجعل العقل حاكمًا على شرعه "كتابًا وسنة"، ونقدمه عليه بعد كل هذا، وكيف نتصور أن الشارع الحكيم يشرع شيئًا يتناقض مع العقول المحكومة بشرعه الحنيف.
يقول الدكتور السباعي: "من المقرر في الإسلام أنه ليس فيه ما يرفضه العقل، ويحكم باستحالته ولكن فيه _ كما في كل رسالة سماوية _ أمور قد "يستغربها" العقل ولا يستطيع أن يتصورها (4) في (الإلهيات والنبوات والمعجزات والسمعيات) فتلك الأمور فوق نطاق العقل وإدراكه، وقد يحصل الغلط في فهمها فيفهم منها ما يخالف صريح العقل، فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل، فهذا لايدفع (5) .
يقول ابن خلدون:" لأن هذه العقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعديل عليه
…
، فإذا هدانا الشارع إلى مدرك؛ فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادًا وعلمًا، عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع، ونعزل العقل عنه" (6) .
(1) الآية 149 من سورة الأنعام.
(2)
الآية 23 من سورة الأنبياء.
(3)
الآية 41 من سورة الرعد.
(4)
السنة ومكانتها في التشريع ص 34 بتصرف يسير.
(5)
انظر: أمثلة على ذلك مما رفضوه بعقولهم والرد عليهم في الباب الثالث حديث رؤية الله عز وجل 2/ 219-229، وحديث عذاب القبر ونعيمه 2/ 282-294، وانظر أيضًا:حديث الذباب 2 / 342-353.
(6)
المقدمة لابن خلدون الفصل الحادي عشر، في علم الإلهيات ص 548 بتصرف يسير.
ويقول في موضع آخر: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح؛ فأحكامه يقينية، لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال
…
، ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذا القضايا، فذلك لقصور في فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك" (1) .
وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية: " إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء؛ لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة. ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار؛ وجد ما خالف النصوص الصريحة الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها. فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد؛ تجد ما يدل عليه صريح العقل، ونحن نعلم قطعا أن الرسل لايخبرون بمحالات العقول، وإن أخبروا بمجازات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل (2) .
ونختم قضية التعارض بين العقل والنقل بسؤال افترضه الإمام يحيي بن الحسين القاسم الرسي العلم الثاني من علمى الأئمة الزيدية (ت 298هـ) قال: "فإن قيل: هل يجوز أن تتضاد حجج الله وتختلف، فما تثبته حجة العقل تبطلها حجة الكتاب والسنة، وما تثبته حجة الكتاب والسنة تبطلها حجة العقل؟
فإن قال: نعم.ويكون ذلك ويوجد، استغنى عن مناظرته بجهله، واستدل على كفره بذلك، وخالف الخلق أجمعين، وقال بما لم يقل به أحد من العالمين، وافتضح عند نفسه فلا عن غيره؛ لأنه يزعم أن حجج الله تتناقض وتتضاد، وما تناقض وتضاد فليس بحجة الله على العباد....، ولو تناقضت حججه، لبطلت فرائضه، ولو بطلت فرائضه؛ لبطل معنى إرساله للرسل....، فبان بحمد الله، لكل ذي عقل وفهم وتمميز أن من قال بتناقض حجج الرحمن غير عارف به ولا مقر به، ومن لم يعرف الله جل جلاله فلم يعبده، ومن لم يعبده فقد عبد غيره ومن عبد غيره؛ فهو من الكافرين، ومن كان الكافرين فقد خرج بحمد الله من حد المؤمنين، فنعوذ بالله من الجهل والعمى ونسأله الزيادة في الرحمة والهدي" (3) .
(1) المصدر السابق الفصل العاشر في علم الكلام، ص 509 بتصرف يسير.
(2)
مختصر الصواعق المرسلة 1/ 114 وما بعدها.
(3)
رسائل العدل والتوحيد للدكتور محمد عمارة 2/ 301 _ 303 بتصرف. وانظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية 1/ 114 _ 130، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 1/ 171، وانظر: ما سبق في الجواب عن شبهة عرض السنة على القرآن ص 236-239.
يقول الإمام البيهقي: " وعلى الأحوال كلها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثابت عنه: قريب من العقول موافق للأصول، لا ينكره عقل من عقل عن الله الموضع الذي وضع به رسول الله صلى الله عليه وسلم.، من دينه، وما افترض على الناس من طاعته، ولا ينفر منه قلب من اعتقد بتصديقه فيما قال واتباعه فيماحكم به، وكما هو جميل حسن من حيث الشرع، جميل في الأخلاق حسن عند أولى الألباب (1) .
وأخيرًا هل أهمل المتحدثون _ حقًا _ العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما زعم أعداء السنة النبوية المطهرة؟
هذا السؤال أجاب عنه الشيخ عبد الرحمن المعلمي _ رحمه الله تعالى _ في كتابه الأنوار الكاشفة بقوله: "كلا، راعوا ذلك في أربعة مواطن: أولاً: عند السماع، ثانيًا: عند التحديث، ثالثًا: عند الحكم على الرواة، رابعًا: عند الحكم على الحديث.
أولاً: أما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع: فيبدو ذلك واضحًا في اعتمادهم صحة سماع الصبي متى كان مميزًا فاهمًا للخطاب ورد الجواب، سواء كان ابن خمس، أو أقل، وروى ذلك بعد بلوغه الحلم، ومتى لم يكن العقل فهم الخطاب، ورد الجواب لم يصح سماعه حتى قال ابن الصلاح (2) : وإن كان ابن خمسين سنة (3) .
ويقول المعلمي في شرح ذلك "فالمثبتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحته أو تبعد، لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإذا حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكرة، ذكروه مع القدح فيه وفي الرواي الذي عليه تبعته (4) .
(1) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص 41.
(2)
ابن الصلاح: هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري الشافعي، أبو عمرو، كان من أعلام الدين، وأحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث، والفقه، والأصول، متبحرًا في ذلك يضرب به المثل، من مؤلفاته، علوم الحديث، وشرح مسلم، وغير ذلك. مات سنة 643هـ وله ترجمته في: طبقات الحفاظ للسيوطي ص 503 رقم 1107، وتذكرة الحفاظ 4/ 1430 رقم 1141، والبداية والنهاية 13/ 168، والعبر 5/ 177، وشذرات الذهب 5/ 221، وطبقات المفسرين للداودي 1/ 382 _ 384 رقم 327، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص 84.
(3)
علوم الحديث لابن الصلاح ص 97، وانظر: فتح المغيث للسخاوي 2/ 14، 15، وتدريب الراوي للسيوطي 2/ 6.
(4)
الأنوار الكاشفة عبد الرحمن المعلمي ص 6.
ويقول الأستاذ أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: المراد بمراعاة العقل عند السماع، فحص التلميذ الواعي وانتباهه لحال الشيخ الرواي، الذي يريد أن يتلقى عنه، قبل سماعه منه، فإذا وجه سيئ الحفظ، أو مضطربًا في الحديث أو شديد التدليس عند التحديث، أو يروى الواهيات، أو المنكرات، أو يسوق الموضوعات والخرافات، أو يقلب الأسانيد أو المتون، أو صاحب بدعة تتصل بحديثه، أو لا تتصل: أعرض عن التحمل عنه، والسماع منه. وكانوا يوغلون، ويدققون جدًا في البحث عن الشيخ والكشف عن حاله قبل الأخذ عنه، حتى يقال لهم: أتريدون أن تزوجوه؟ روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى: "شاذان الأسود بن عامر _ قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوة؟ "(1) .
وكثير من طلبة الحديث كانوا لايكتبون عن أحد حتى يسألوه عنه أئمة الشأن الذين يعرفون الرواة، ومن يجوز أن يكتب عنه، ومن لا يحل كتب حديثه للاحتجاج أو الاعتبار، فعن أبى العباس بن باذام قال: قال لي والوليد بن مسلم القرشي: وكنت إذا أردت أن آتي الشيخ أسمع منه شيئًا، سألت عنه قبل أن آيته الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، فإذا رأيًا أن أتيه أتيته" (2) ونحو ذلك كثير منتشر في أخبار الراوة والمحدثين.
وكثيرًا ما كان بعض الطلبة يمتحنون الشيوخ قبل التلقى عنهم، فيقلبون لهم بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، ويركبون عليها المتون، ويسألهم عنها على أنها من أحاديثهم وروايتهم، يفعلون هذا عمدًا: امتحانًا للشيخ قبل السماع منه، فإن انتبه عرفوا ضبطه ومتانة حفظه وشدة يقظته ودقة وعيه، وأخذوا عنه، وإن تلقن وأقر: الحديث المقلوب والمغلوط تركوا الرواية عنه.
ومن نماذج مراعاتهم للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع.
1_
ما رواه الدارقطنى في سننه عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الحجاج بن أرطاة (3) ، وسمعت كلامه، فذكر شيئًا أنكرته، فلم أحمل عنه شيئًا.
(1) الكفاية في علم الرواية ص 93.
(2)
تهذيب الكمال للمزي 3/ 1475.
(3)
الحجاج بن أرطاة: هو حجاج بن أرطاة _ بفتح الهمزة _ ابن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطاة الكوفي،= =القاضي، أحد فقهاء، صدوق، كثير الخطأ، والتدليس. مات سنة 149هـ. له ترجمة في: تقريب التهذيب 1/ 188 رقم 1122، والكاشف 1/ 311 رقم 928، وتذكرة الحفاظ 1/ 186 رقم 181، طبقات الحفاظ للسيوطي ص 87 رقم 172، والثقات للعجلي ص 107 رقم 250، ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد الذهبي ص 5 رقم 78، وحاشية سبط ابن العجمي على الكاشف 1/ 311.
وقال يحيى بن سعيد القطان: رأيت الحجاج بن أرطاة بمكة، فلم أحمل عنه شيئًا " (1) .
2_
وروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله المبارك (2)، قال: لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله محرر الجزري الرمى (3) قاضى الرقة _ لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلى منه" (4) .
ثانيًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند الحديث _ لا عند السماع والتحمل، فيبدو ذلك واضحًا في اشتراطهم العدالة، والضبط في صحة قبولهم للحديث، وتصحيحه.
ومن شروط العدالة بعد الإسلام: البلوغ والعقل، فلا يقبل حديث غير البالغ على الصحيح (5) ، ولا المجنون سواء المطبق والمنقطع إذا أثر في الإفاقة (6) .
(1) الدارقطني في سننه كتاب الحدود والديات وغيره 3/ 175 رقم 266.
(2)
عبد الله بن المبارك: هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وكان ثقة، عالمًا ربانيًا، متثبتًا، صحيح الحديث مات سنة 181هـ. له ترجمة في: تذكرة الحفاظ 1/ 274 رقم 260، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص 123 رقم 249، والثقات للعجلي ص 275 رقم 876، والثقات لابن حبان 7/ 7، والديباج المذهب ص 212 رقم 261، وطبقات المفسرين لداودي 1/ 250رقم 232، ومشاهير علماء الأمصار ص 227رقم 1564، والفهرست لابن النديم ص 377، 378.
(3)
عبد الله بن محرر، بمهملات، الجزري، القاضي، متروك، مات في خلافة أبي جعفر. له ترجمة في: تقريب التهذيب 1/ 528 رقم 3584، والكاشف 1/ 592 رقم 2944، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص 148 رقم 348، والمجروحين لابن حبان 2/ 22، والجرح والتعديل 5/ 176 رقم 824، والضعفاء لأبي نعيم ص 151 رقم 118.
(4)
مسلم (بشرح النووي) المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين 1/ 131، وانظر: لمحات من تاريخ السنة وعلوم الخديث الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ص 172 _ 174.
(5)
انظر: فتح المغيث للسخاوى 1/ 307، وهو الذي حكاه النووى عن الأكثرين، انظر: تدريب الراوي 1/ 300.
(6)
انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/ 307 وما بعدها، وتدريب الراوي 1/ 300.
وأما الضبط فيعرف بمدى موافقته لأهل الحفظ، فإن وافقهم غالبًا، ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى، أو في المعنى؛ فهو ضابط محتج بحديثه، وإن وافقهم نادرًا، وكثرت مخالفته لهم والزيادة عليهم فيما أتى به؛ فهو مخطئ مغفل، عديم الضبط، لا يحتج بحديثه، وإلى ذلك أشار الإمام الشافعي _ رحمه الله تعالى _ فيمن تقوم به الحجة؛ فقال:"إذا شارك أهل الحفظ وافق حديثهم"(1) .
ويقول أيضًا: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه، بأن الحديث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالة بالصدق منه"(2) .
وقال الخطيب في الكفاية:"باب وجوب اطراح المنكر والمستحيل من الأحاديث"(3) يقول الأستاذ عبد الرحمن المعلمي: وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بين البطلان، إلا وجدت في سنده واحدًا أو أثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة (4) .
يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: "إن المحدثين الحفاظ المتوسعين في جمع الحديث جرت عادتهم على سماع ما يحدث به من الأحاديث وما لا يحدث به، لأنه ينفع في وجوه كثيرة من علوم الحديث، ولذلك قالوا وقرروا هذا القاعدة، التى عبر عنها الحفاظ يحيى ين معين بقوله: "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش" أى عند تحمل الحديث وتلقيه عن شيوخ الرواية، يجمعون منه ما استطاعوا عن كل شيخ، ولكن عند تحديثهم يفتشون فيما تحملوه من الأسانيد والمتون، فلا يحدثون إلا بالأسانيد المتصلة بالعدول الثقات الضابطين عن مثلهم، والمتون الخالية من الشذوذ والعلة.
وما تبين لهم من كذب أو وهم أو بلايا للرواة في الأسانيد، أو الشذوذ، أو علة في المتنون يمكسون عن التحديث بها، ولا يذكرونها إلا مع البيان لما في تلك الأسانيد أو المتنون من ضعف وشذوذ، وربما يحرقون هذه الكتب ويقطعونها، وكل هذا تجده مذكورًا في تراجم طائفة كبيرة من الرواة المجروحين.
(1) الرسالة للإمام الشافعي ص 371 فقرة رقم 1001، وانظر: فتح المغيث للسخاوى 1/ 328.
(2)
الرسالة للشافعي ص 399 فقرة رقم 1099.
(3)
الكفاية ص 603.
(4)
الأنوار الكاشفة ص 6، 7.
ونسوق هنا نموذج من ذلك: جاء في الميزان، وتهذيب التهذيب في ترجمة "خالد بن يزيد بن أبى مالك الدمشقي "قال ابن أبى الحواري" (1) : سمعت يحيى بن معين يقول: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن: "كتاب الديات" لخالد بن يزيد بن أبى مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال أحمد بن أبى الحواري. قد كنت سمعت هذا الكتاب من خالد بن يزيد، ثم أعطيته لابن عبدوس العطار، فقطعه وأعطى للناس فيه الحوائج" (2) .
ثالثًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على الرواة: فهذا يظهر كثيرًا في كتب التراجم، فالأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوى بخبر واحد منكر جاء به فضلاً عن خبرين أو أكثر، ويقولون: للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد: "منكر" أو "باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات والمتثبتون لا يوثقون الراوى حتى يستعرضوا حديثه، وينقدوه حديثًا حديثًا (3) .
رابعًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على متون الأحاديث فهذا واضح في جعلهم من دلائل الوضع في الحديث مخالفته لبدهيات العقل (4)، إلا أن ذلك مقيدٌ بعدم إمكان التأويل والمقصود بالتأويل هنا: محاولة التوفيق بين ما ظاهره التعارض بين المنقصول والمعقلو وبشرط:"ألا يسرح العقل في مجال النظر والتأويل _ وهو يوفق _ إلا بقدر ما يسرحه النقل"(5) .
كما أن العقل مقيد بالمستنير بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. الثابتة.
وفي ذلك يقول الحكيم الترمذي: "وإنما تعرف، وتنكر العقول التى لها إلى الله سبيل يصل إلى الله ونور الله سراجه والعقل بصيرته، والحق خبئته والسكينة طابعه فرجع إلى خلقه والحق عنده أبلج يضئ في قلبه كضوء السراج يقينًا وعلمًا به كما قال ربيع بن خُيثم: " إن على الحق نورًا وضوءًا كضوء النهار نعرفه، وإن على الباطل ظلمة كظلمة الليل ننكرة".
(1) ابن أبي الحواري: هو أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس التغلبي بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، يكني أبا الحسن بن أبي الحواري، بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء، ثقة زاهد. مات سنة 246هـ له ترجمة في: تقريب التهذيب 1/ 39 رقم 61، والكاشف 1/ 197 رقم 51، والثقات لابن حبان 8/ 24، والإرشاد للخليلي ص 134، 135، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور 3/ 162.
(2)
ميزان الاعتدال 1/ 645 رقم 2475، وتهذيب التهذيب 3/ 126 رقم 232، وانظر: لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ص 174 _ 176.
(3)
الأنوار الكاشفة للمعلمي ص 7.
(4)
انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/ 276، وتوضيح الأفكار للصنعاني 2/ 96 وهذا ما قاله ابن خلدون في مقدمته، مقررًا ما قرره أهل الحديث، بدليل دفاعه عن النقل وتقديمه على العقل إذا تعارض معه، وسفه عقول من يقدمون العقل على النقل عند التعارض الظاهرى، انظر المقدمة ص 508، ولكن قاسم أحمد في إعادة تقييم الحديث ص 59، استدل بكلام ابن خلدون على وجوب أن تكون السنة مؤيدة بالقرآن والقياس العقلي _ بمفهوم أعداء السنة. ولا حجة له فيما نقله عن ابن خلدون، لقوله بالقاعدة بمفهوم أهل الحديث.
(5)
الموافقات للشاطبي 1/ 78.
فالمحققون هكذا صفتهم يعرفون الحق والباطل وكذلك وعد الله تعالى المتقين فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} (1) .
أما العقل المخلط المكب على شهوات الدنيا المحجوب عقله عن الله عز وجل فليس هو المغنى بهذا؛ لأن صدره مظلم، فكيف يعرف الحق؟ وإنما شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:"إذا جاءكم عنى حديث تعرفونه، ولا تنكرونه"(2) .
قلت: ومما سبق يتبين لنا أن "قاعدة عرض السنة على العقل" في الحكم على السنة النبوية المطهرة، قاعدة مقررة عند المحدثين والفقهاء، وطبقوها فعلاً في قبولهم للأحاديث وتصحيحها، إلا أنها مقيدة باستحالة التأويل بالجمع بين ما ظاهره التعارض بين النقل وما استغربه العقل الواقف عند الحدود التى وضعها له خالقه، فلا يحسن إلا ما حسنه الشرع، ولا يقبح إلا ما قبحه الشرع، ولا يقدم حكمه على حكم رب العباد عز وجل.
وأخيرًا: صدق الفاروق عمر رضي الله عنه قال: " ألا إن أصحاب الرأى أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا، ألا وإنا نقتدى ولا نبتدى، ونتبع ولا نبتدع، ما نضل ما تمسكنا بالأثر" وفي رواية قال: "إياكم ومجالسة أصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنة، أعيتهم السنة أن يحفظوها، ونسوا الأحاديث أن يعوها، وسئلوا عما لا يعلمون، فاستحيوا أن يقولوا لا نعلم، فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل، إن نبيكم لم يقبضه الله حتى أغناه الله بالوحي عن الرأي، ولو كان الرأي أولى من السنة، لكان باطن الخفين أولى بالمسح من ظاهرهما"(3) .
(1) الآية 29 من سورة الأنفال.
(2)
نوادر الأصول للحكيم الترمذي الأصل الرابع والأربعون فيما يعدونه صدق الحديث 1/ 361، وانظر: قواعد التحديث للقاسمي ص 165.
(3)
الفقيه والمتفقه للخطيب 1/ 453، 454 رقمى 477، 478، وقال ابن قيم الجوزية وأسانيد هذه الآثار = =عن عمر في غاية الصحة. انظر: أعلام الموقعين 1/ 55، وانظر: في نفس المصدر 1/ 66، 67، "معنى الرأي، ومتى يكون محمودًا، ومتى يكون مذمومًا"، وانظر: المدخل إلى السنة للأستاذ الدكتور عبد المهدي ص 114، 259.
وقال الحافظ ابن عبد البر: "ومن أعف نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل، ومن جهل كذلك كله أيضًا وتقحم في الفتوى بلا علم؛ فهو أشد عمى وأضل سبيلاً
…
واعلم يا أخي: أن القرآن والسنة هما أصل الرأى
…
ومن جهل الأصل لم يصل الفرع أبدًا" (1) أ. هـ.
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 173 بتصرف يسير.