الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: ما زعموه أن زيادة خبر الواحد على النص القرآنى تعد نسخاً:
فقد أفاض فى الرد على ذلك الامام ابن قيم الجوزية، مبيناً المراد بالنسخ فى السنة الزائدة على القرآن الكريم، قائلاً: "ما تعنون بالنسخ الذى تضمنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد على القرآن من الإيجاب، والتحريم، والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شئ عليه من شرط أو قيد أو مانع أو تخصيص أو ما هو أعم من ذلك؟
…
فإن عنيتم الأول فلا ريب أن زيادة خبر الواحد لا تتضمن ذلك، فلا تكون ناسخة. وإن عنيتم الثانى، فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه، ولا رفعه، ولا معارضته، بل غاية الزيادة بخبر الواحد كالشروط، والموانع، والقيود، والمخصصات، وشئ من ذلك لا يكون نسخاً يوجب إبطال الأول ورفعه رأساً.
وإن كان نسخاً بالمعنى العام الذى يسميه السلف نسخاً، وهو رفع الحكم الظاهر فى القرآن بتخصيص أو تقييد أو توضيح
…
إلخ، فهذا كثير من السلف يسميه نسخاً. حتى سمى الاستثناء نسخاً، فإن أردتم هذا المعنى، فلا مشاحة فى الاسم، ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد ممن يعتد به نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا فى جواز نسخ القرآن بالسنة، النسخ الخاص الذى هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة (1) .
(1) أعلام الموقعين 2/297 بتصرف، وانظر: البحر المحيط 4/348، والإحكام لابن حزم 1/113، والسنة مع القرآن لفضيلة الدكتور سيد أحمد المسير ص 52 - 64.
.. ومما هو جدير بالذكر هنا أن الأحناف مع قولهم بعدم قبول خبر الواحد إذا كان زائد على القرآن، فقد قبلوا أحكاماً كثيرة زائدة على ما فى القرآن بعضها من السنة المشهورة كحد الرجم، وتحريم الجمع بين المرأة، وعمتها والمرأة وخالتها، وغير ذلك من الأحكام الزائدة على ما فى القرآن وقبلوها لأنها ثبتت بسنة مشهورة تفيد عندهم علم طمأنينة القلب (1) .
هذا فى حين أن أهل الزيغ والهوى عندما يستدلون بمذهب الأحناف وبشرطهم يتجاهلون هذا إما عن عمدٍ للتضليل، وإما عن جهل بشرطهم، وهو جعلهم المشهور قسيماً للمتواتر فى إفادة العلم، وقبول ما أثبته زائداً على النص القرآنى.
وهو ما رفضه أعداء السنة فى خبر الرجم، والجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها
…
وغير ذلك بالرغم من استشهادهم بشرط الأحناف بعدم قبولهم خبر الواحد إذا كان زائد على القرآن الكريم.
…
فتأمل كيف استغلوا ذلك الشرط للتشكيك فى حجية خبر الواحد، والطعن فى الأحكام التى استقلت السنة بتشريعها!!
واعلم: أن من اشترط ذلك الشرط؛ فقد اشترطه على هوى فى نفسه، حيث طبقه حيث اشتهى، ورفضه أيضاً حيث اشتهى، وقد أكد ذلك غير واحد من الأئمة بعد ذكرهم أمثلة كثيرة على مخالفتهم لما اشترطوه، وقبولهم أحكاماً زائدة على ما فى القرآن.
يقول ابن حزم: "فمن أين جوزتم أخذ الزائد على ما فى القرآن كما ذكرنا حيث اشتهيتم، ومنعتم منه حيث اشتهيتم، وهذا ضلال لا خفاء به، وكل ما وجب العمل به فى الشريعة فهو واجب أبداً فى كل حال (2) .
(1) انظر: الأم للشافعى 7/11 وما بعدها.
(2)
الإحكام لابن حزم 1/114، وانظر: الأم 7/15، وأعلام الموقعين 2/289، 293 وما بعدها.