الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. قالوا ففيما سبق بيان أن الصحابة كانوا لا يقبلون خبر الواحد، وكانوا يعتبرون لطمأنينة القلب عدد الشهادة كما كانوا يعتبرون لذلك صفة العدالة، ومن بالغ فى الاحتياط فقد اعتبر فى قبول الخبر أقصى عدد الشهادة أربع لأن ما دون ذلك محتمل للعلم (1) .
كما استشهد بعض خصوم السنة برد عمر خبر فاطمة بنت قيس فى المطلقة ثلاثاً، بأنه لا سكنى لها ولا نفقة لمخالفته لقوله تعالى:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (2) .
…
ورد عائشة - رضى الله عنها - لخبر عمر وابنه عبد الله - رضى الله عنهما - فى "تعذيب الميت ببعض بكاء أهله عليه" لمخالفته فى رأيها لقوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3) . وغير ذلك مما استشهد به خصوم السنة، وسيأتى تخريجه والرد عليه فى الجواب عما اشترطوه لصحة قبول خبر الواحد.
الرد على شبه منكرى حجية خبر الآحاد
إن ما ذكره أهل الزيغ والابتداع قديماً من أدلة على عدم حجية خبر الواحد، وتبعهم فيها أهل الزيغ والهوى فى عصرنا، ما ذكروه من أدلة لا حجة لهم فيها، بل هو حجة لنا عليهم
(1) انظر: المعتمد فى أصول الفقه 2/115، وأصول السرخسى 1/331، والمحصول للرازى 2/186، والإحكام للآمدى 2/35، 60، وتدريب الراوى 1/73.واستشهد بذلك حديثاً محمود أبو رية فى أضواء على السنة ص 57، 58، وأحمد أمين فى فجر الإسلام ص 210،= =وأحمد حجازى السقا فى دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص 113، وجمال البنا فى كتابيه الأصلان العظيمان ص 299، 300، والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 112، 113، وإسماعيل منصور فى تبصير الأمة بحقيقة السنة ص 367 وغيرهم، وانظر: ما كتبه حسن السقاف فى تقديمه لكتاب ابن الجوزى دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص 27-45.
(2)
الآية 1 من سورة الطلاق.
(3)
الآية 38 من سورة النجم.
.. فما زعموه من أن العمل بخبر الواحد اقتفاء ما ليس لنا به علم استناداً إلى قول رب العزة {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (1) .
فهذه الآية حجة لنا عليهم فى هذه المسألة، لأنا لم نقف ما ليس لنا به علم، بل قد صح لنا به العلم من انعقاد إجماع من يعتد به على حجية خبر الواحد ووجوب العمل به، والإجماع قاطع فاتباعه لا يكون اتباعاً لما ليس لنا به علم، ولا اتباعاً للظن (2) .
قال الشوكانى: "ولا نزاع فى أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الواحد إذ تلقته الأمة بالقبول
…
ومن هذا القسم أحاديث صحيحى البخارى ومسلم - رحمهما الله تعالى (3) - فسقط اعتراضهم بهذه الآية.
…
أما ما ضلل به أهل الزيغ والهوى من ربط ظنية خبر الآحاد، بالظن الوارد فى قوله تعالى:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} (4) وقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (5) وقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"(6) .
(1) الآية 36 من سورة الإسراء.
(2)
انظر: الإحكام للآمدى 1/35، 46، والإحكام لابن حزم 1/111.
(3)
إرشاد الفحول للشوكانى 1/212، 213.
(4)
الآية 23 من سورة النجم.
(5)
الآية 28 من سورة النجم.
(6)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب "يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" 10/499 رقم 6066، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن، والتجسس، والتنافس، والتناجش وغيرها 8/361 رقم 2563 من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.
هذا الإطلاق والربط من أفرى، الفرى لأن الظن الوارد فى الآيات السابقة، والحديث الشريف وارد فى معرض ترك الحق الثابت باليقين، واتباع للهوى الذى لا دليل عليه، وليس كذلك الظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد.
فإطلاق كلمة "الظن" على أحاديث الآحاد وهى فى حقيقتها أكثر السنة النبوية، وربطها بالمعنى الوارد فى الآيات السابقة، والحديث النبوى، وقول بعض الأئمة إن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، ثم نتيجة هذا الربط بأن خبر الآحاد من أكذب الحديث ولا يغنى من الحق شيئاً هذا الربط ونتيجته ضلال مبين.
…
يقول المستشار سالم البهنساوى: "وأعظم من ذلك تلقين أكثر مدرسى الفقه الإسلامى بالجامعات الإسلامية هذه الظنية فى نفوس الطلاب دون بيان حقيقة المراد بهذه الكلمة، مما يسر اقتناع الطلاب بالتيارات الإلحادية المنحرفة التى تشكك فى حجية السنة، أو ترد بعض الأحاديث الصحيحة فى العقائد أو المعاملات أو غير ذلك بحجة أن الحديث آحاد، والآحاد يفيد الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئاً، ومن ثم تصبح هذه الأقوال جناية ضد السنة النبوية، لأنها خلت من بيان المقصود من هذه الظنية، وأنه لا أثر لها على حجية السنة، ووجوب العمل بها، فى العبادات والمعاملات والحدود
…
إلخ (1) .
…
إن الظن الوارد فى هذه الآيات غير الظن الذى يتحدث عنه أهل الكلام، غير الظن الذى وصف به خبر الآحاد على لسان أئمة المسلمين من الفقهاء، والمحدثين، والأصوليين. وبالتالى من الخطأ البين حصر معنى الظن فيما استدلوا به.
(1) السنة المفترى عليها للمستشار البهنساوى ص 148، 149، 155، 160 بتصرف.