الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإليك المراد بحقيقة هذه الكلمة عند علماء الأمة.
التعريف بالظن لغة واصطلاحاً:
…
قال الفيروزابادى: "الظن التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد غير الجازم (1)، قال الأستاذ محمد رشيد رضا: وهو تعريف مأخوذ من اصطلاح علماء المعقول كالمناطقة والفلاسفة (2)، ومثله قول الجرجانى: الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، وقيل الظن أحد طرفى الشك بصفة الرجحان، ويستعمل فى اليقين والشك (3) ، وعلى هذا صار أهل الأصول فى تعريفهم للظن (4) .
…
فمن استعمالاته فى اليقين قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} (5) وقال تعالى: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} (6) . ويطلق اليقين على الظن كما فى قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} (7) أى ظننتموهن.
"وليس معنى ذلك أن كل يقين ظن، وإنما المراد أن الظن على مراتب، منها ما يرادف اليقين، ومنها ما هو دونه فبينهما العموم والخصوص بإطلاق"(8) .
…
فخبر الآحاد وإن كان ظنياً "بمعنى احتمال الخطا والوهم والكذب على الراوى" فإن هذا الاحتمال بعد التثبت والتأكد من عدالة الراوى، ومقابلة روايته بروايات أقرانه من المحدثين، يصبح الاحتمال بخطأه ووهمه - ضعيفاً - فيفيد الخبر العلم اليقينى، ولا سيما إذا احتفت به قرينة من القرائن السابق تفصيلها.
وحتى مع القول بأن خبر الواحد يفيد الظن الراجح بصدق الخبر، فإن هذا الظن يستند إلى أصل قطعى وهو القرآن الكريم.
(1) القاموس المحيط 4/241، وانظر: مختار الصحاح ص 406.
(2)
انظر: مجلة المنار المجلد 19/343.
(3)
التعريفات ص 187 رقم 934، وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون 4/939، 940.
(4)
انظر: الإحكام للآمدى 1/31، والبحر المحيط للزركشى 1/74.
(5)
جزء من الآية 249 من سورة البقرة.
(6)
جزء من الآية 24 من سورة ص.
(7)
جزء من الآية 10 من سورة الممتحنة.
(8)
انظر: مجلة المنار المجلد 19/344.
يقول الشاطبى: "وهذه هى الظنون المعمول بها فى الشريعة أينما وقعت، لأنها استندت إلى أصل معلوم، فهى من قبيل المعلوم جنسه
…
فعلى كل تقدير: خبر واحد صح سنده فلابد من استناده إلى أصل فى الشريعة قطعى، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقاً، كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شئ فلابد من ردها (1) .
…
يقول الدكتور السباعى: ثم إن الشرع الحنيف قد جاء بتخصيص القطعى بظنى، كما فى الشهادة على القتل والمال باثنين، مع أن حرمة المال والدم مقطوع بهما، وقد قبلت فيهما شهادة الاثنين وهى ظنية (2) .
أما قياسهم الرواية على الشهادة فى اعتبار العدد بحجة أن الرواية شرع عام والشهادة شرع خاص ولم يقبل فيها رواية الواحد، فلأن لا تقبل فى حق كل الأمة من باب أولى.
هذا الكلام منقوض بسائر الأمور التى هى معتبرة فى الشهادة لا فى الرواية كالحرية، والذكورية والبصر، وعدم القرابة" (3) ، وقد حرر الحافظ السيوطى فى التدريب الفرق بين الرواية والشهادة فيما يقرب من إحدى وعشرين فرقاً، فانظرها؛ فإنها مهمة (4) .
…
ثم إن القول بظنية سنة الآحاد لا تنطبق على جميع السنة، بل على ما كان منها ضعيفاً أو الأحاديث التى حدث كلام فى صحتها، لاسيما وقد ذهب المحققون من أهل الحديث والأصول، والفقه، إلى إفادة الخبر العلم فيما تلقته الأمة بالقبول كأحاديث الصحيحين أو ما احتفت به قرينة من القرائن الخارجية السابق ذكرها.
(1) الاعتصام 1/190، وانظر: الموافقات 3/14 وما بعدها.
(2)
السنة ومكانتها فى التشريع للدكتور السباعى ص 152، وانظر: الإحكام للآمدى 2/62، والمحصول للرازى 2/193، والمدخل إلى السنة النبوية لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص 313، 318، 320.
(3)
المحصول للرازى 2/206، وانظر: الإحكام لابن حزم 1/111، 127.
(4)
تدريب الراوى 1/331 - 334.
.. وكذلك فإن الحكم على كون الدليل قطعياً أو ظنياً من الأمور النسبية: يقول ابن قيم الجوزية: "كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبى يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل فى نفسه، فهذا أمر لا ينازعه فيه عاقل، فقد يكون قطعياً عند زيد، ما هو ظنى عند عمرو، فقولهم إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم، بل هى ظنية هو إخبار عما عندهم، إذ لم يحصل لهم من الطرق التى استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم (1) . ولمعرفتهم بذلك فالكلمة الفصل والأخيرة فى المسألة لهم ولا تعويل على غيرهم كالمتكلمين.
ويقول الدكتور صالح أحمد رضا:"وأين الدليل على أن الله عز وجل منعنا بالعمل بالظن، وأمرنا دائماً وأبداً باليقين؟
(1) مختصر الصواعق المرسلة 2/576.
إن الله تعالى لم يطالبنا إلا بالظن الذى يغلب صدقه، أما الوصول إلى اليقين القاطع الذى ليس معه أى احتمال، فهذا لا يطلب من الإنسان المسلم، إذ ليس فى مقدوره أن يصل إلى اليقين، ولهذا عندما تكلم العلماء عن القرآن الكريم قالوا: إن بعضه قطعى الثبوت قطعى الدلالة، وبعضه قطعى الثبوت ظنى الدلالة، وقد قال تعالى فى محكم كتابه:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (1) فالراسخون فى العلم هم الذين يعودون بالمتشابه إلى المحكم، ويفهمون بذلك الجميع، ومن يطلع على علم أصول الفقه يتبين الفروق بين العموم والخصوص، ودلالات الألفاظ على المعانى ودرجة تلك الدلالة مما جرى فيه اختلاف العلماء فى كل زمان، وفهمهم من كتاب الله تعالى، مما يدل على أننا لسنا متعبدين باليقين ....
فقد أوجب الله تعالى علينا قبول قول شاهدين والعمل بمقتضى شهادتها فى إثبات الحقوق، والدماء، ولا شك أن خبر الشاهدين هو خبر آحاد ومع ذلك فخبرهما معتبر شرعاً (2) .
…
أما ما استدلوا به من الأخبار والآثار المرفوعة والموقوفة على عدم حجية خبر الواحد فهو أيضاً حجة عليهم لا لهم.
لأن الأخبار والآثار السابقة قبلها من توقف فيها، بموافقة راوى آخر، ولم تبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرجت عن رتبة الآحاد.
…
فانضمام أبى بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذى اليدين عمل بخبر آحاد.
(1) الآية 7 من سورة آل عمران.
(2)
ظاهرة رفض السنة وعدم الاحتجاج بها للدكتور صالح أحمد رضا ص 58-60.
وكذلك الحال فى قصة أبى بكر وعمر، فانضمام محمد بن مسلمة إلى المغيرة بن شعبة لم يجعل حديث الجدة ينتقل من خبر آحاد إلى خبر متواتر.
وكذلك انضمام أبى سعيد الخدرى إلى أبى موسى الأشعرى رضي الله عنهم لم ينقل الحديث إلى رتبة التواتر.
…
قال الإمام الآمدى: "فعلم من ذلك أن ما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه لم يكن لعدم حجية خبر الآحاد عندهم، وإنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط؛ لا لعدم الاحتجاج بها فى جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها، ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لأمور خارجة عنها (1) .
1-
فتوقف النبى صلى الله عليه وسلم فى خبر ذى اليدين لتوهم غلطه لانفراده بذلك السؤال دون من صلى معه صلى الله عليه وسلم، مع كثرتهم، فاستبعد الرسول صلى الله عليه وسلم حفظه دونهم، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع توهم غلط ذى اليدين، وعمل بموجب خبره، فلم يلزم من ذلك رد خبر الواحد مطلقاً" (2) .
…
وهذه كتب الآثار طافحة بأمثلة عديدة تؤيد اعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد حجة فقد "بعث رسله واحداً واحداً إلى الملوك، ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه صلى الله عليه وسلم مع عدم اشتراط التعدد (3) .
وهو القائل صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع"(4) .
وقل مثل ذلك فى قصة أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - فتوقف أبى بكر فى خبر المغيرة بن شعبة فى ميراث الجدة. هذا ليس منه مطرداً، فهو يريد مزيداً من التثبت والتحوط لا اتهاماً للمغيرة باعتباره راوياً فرداً، ولا طعناً فى حجية خبر الواحد.
(1) الإحكام للآمدى 2/61.
(2)
الإحكام للآمدى 1/62، وانظر: فتح البارى 13/250 رقم 7254 - 7260.
(3)
تدريب الراوى 1/73.
(4)
سبق تخريجه ص 34، 273.
بدليل أنه قبل خبر عائشة وحدها فى أن النبى صلى الله عليه وسلم مات يوم الاثنين وقبل أيضاً خبرها وحدها فى قدر كفن النبى صلى الله عليه وسلم فعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "دخلت على أبى بكر رضي الله عنه فقال: فى كم كفنتم النبى صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص، ولا عمامة، وقال لها فى أى يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت يوم الاثنين. قال: فأى يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين. قال: أرجوا فيما بينى وبين الليل
…
الحديث" (1) .
3-
وأما قصة عمر رضي الله عنه وتوقفه فى خبر أبى موسى فى الاستئذان، فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه بعد الثلاث، وتوعده، فأراد التثبت خشية أن يكون دافع بذلك عن نفسه (2) . يدل على ذلك ما جاء فى إحدى طرق الحديث أن أبى ابن كعب قال لعمر:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمقال سبحان الله! إنما سمعت شيئاً. فأحببت أن أتثبت"(3) .
…
وفى رواية:"والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أحببت أن أتثبت (4) ،وفى رواية:"أما إنى لم أتهمك.ولكن خشيت أن يتقوَّل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)
وقد قبل عمر رضي الله عنه أخبار آحاد كثيرة دون توقف.
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجنائز، باب موت يوم الاثنين 3/297 رقم 1387
(2)
انظر: تدريب الراوى 1/73، والرسالة للشافعى ص 433 فقرات رقم 1189، 1196.
(3)
أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الآداب، باب الاستئذان 7/387 رقم 7254.
(4)
انظر: فتح البارى 11/32 رقم 6245.
(5)
أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الاستئذان، باب الاستئذان 2/734 رقم 30، وانظر: شرح الزرقانى 4/425 - 427، والرسالة للشافعى ص 435، 436 فقرات رقم 1195 - 1200.