الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً: حجية خبر الواحد ووجوب العمل به:
…
اهتم علماء الإسلام فى القديم والحديث بالبحث فى مسألة وجوب العمل بخبر الواحد وصحة الاحتجاج به، فأطالوا فى شأنها، واعتنوا بتحقيقها، وما قيل فيها، وكل ما يتعلق بها - وما مر وما سيأتى -إلا نذر يسير من ذلك، فقد ألف فى هذه المسألة كثير من أهل الحديث، وأئمة الفقه، وأصحاب الأصول، فكتبوا فيها أبواباً مطولة، وفصولاً مطنبة، وكان أقدم من ألف فى ذلك فيما بلغنا أمامنا الشافعى - رحمه الله تعالى - حيث وضع باباً طويلاً فى كتابيه الأم (1) والرسالة (2) أجاد القول فيه وأحسن الرد على سائل يسأله الدليل على طلب العمل بخبر الواحد، كما كتب فى هذه المسألة أيضاً الإمام النووى فى شرحه على صحيح مسلم (3) ، والحافظ ابن حجر العسقلانى فى شرحه فتح البارى على صحيح البخارى (4) كما كتب غيرهما لا سيما أهل الأصول (5) فى كتبهم.
(1) انظر: الأم 7/288.
(2)
انظر: الرسالة، باب خبر الواحد ص 369 - 471 فقرات رقم 998 - 1308.
(3)
انظر: صحيح مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن 1/170
(4)
انظر: فتح البارى، كتاب أخبار الأحاد 13/244 - 258.
(5)
انظر: الإحكام للآمدى 2/30 - 70، والإبهاج فى شرح المنهاج 2/299 – 348، والإحكام لابن حزم 1/95 – 143، والبحر المحيط 4/255 – 267، والمعتمد فى أصول الفقه 2/92-140، وأصول السرخسى 1/321، والمستصفى للغزالى 1/145 - 155، وفواتح الرحموت 2/121 وما بعدها، والبرهان للجوينى 1/222 وما بعدها، والمحصول للرازى 2/170 - 193، وإعلام الموقعين 1/31 وما بعدها، وإرشاد الفحول 1/207 - 232.
.. وسر كل هذا الاهتمام بهذه المسألة وحكمته، أن هذه المسألة من أهم قواعد الدين وأشدها عند علماء المسلمين إذ ينبنى عليها معظم أحكام الشرع، ويتوقف على إثباتها كثير من معرفة الحلال والحرام، كما يترتب على إثباتها طلب العمل بالأوامر والنواهى النبوية التى لم يثبت أغلبها إلا عن طريق خبر الواحد" (1) .
…
وإذا كان هناك خلاف بين العلماء فى الدرجة التى يفيدها خبر الواحد من علم أو ظن، فإن هذا الخلاف لم يوجد بين من يعتد بهم - فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، حتى من قال منهم بأن درجة خبر الآحاد الظن.
…
فالذى عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأصحاب الحديث، والفقه والأصول، أن خبر الواحد حجة من حجج الشرع يحتج به، ويلزم من بلغه العمل به، ولو لم يحتف بقرائن خارجية، تدل على تأكيد طلب العمل به، إذا كان هذا الخبر عند أهل الحديث مقبولاً، بأن تحققت فيه الشروط الخمسة المتفق عليها لصحة الحديث،من اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة (2) .
…
وهاك بعض أقوال أهل العلم فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، متى صح.
قال شمس الأئمة السرخسى: "خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله حجة موجبة للعمل، ولكن امتنع بثبوت العلم به لشبهة فى النقل"(3) .
وقال أيضاً: "قال فقهاء الأمصار رحمهم الله، خبر الواحد حجة للعمل به فى أمر الدين، ولا يثبت به علم اليقين، وقال بعض من لا يعتد بقوله: خبر الواحد لا يكون حجة فى الدين أصلاً (4) .
(1) مقاصد الحديث فى القديم والحديث 2/55، 56، وانظر: المدخل إلى السنة النبوية لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد المهدى مبحث (الآحاد هو المعول عليه فى الإسلام) ص 273.
(2)
مقاصد الحديث فى القديم والحديث 2/56.
(3)
أصول السرخسى 1/298.
(4)
المصدر السابق 1/321.
.. وقل ابن حزم: "القسم الثانى من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضاً (1) .
…
وقال أبو الحسين محمد بن على الطيب المعتزلى: "ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر، وإن رواه واحد"(2) .
…
وقال الإمام النووى: "الذى عليه جماهير المسلمين، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء، وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها، ويفيد الظن، ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به، عرفناه بالشرع لا بالعقل"(3) .
…
وقال الإمام ابن دحية (4) : "وعلى قبول خبر الواحد الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين، وجماعة أهل السنة يؤمنون بخبر الواحد، ويدينون به فى الاعتقادات"(5) أ. هـ.
(1) الإحكام لابن حزم 1/106، 135.
(2)
المعتمد فى أصول الفقه 2/138.
(3)
انظر: المنهاج شرح مسلم، المقدمة، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن 1/170.
(4)
ابن دحية: هو أبو الخطاب، عمر بن الحسن أبو الخطاب بن دحية الأندلسى المحدث، يلقب بذى النسبين، نسبة إلى دحية الكلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الحسين بن على رضي الله عنه. كان بصيراً بالحديث معتنياً به معروفاً بالضبط، له حظ وافر من اللغة. من مصنفاته: الابتهاج فى أحاديث المعراج، والعلم المشهور فى فضائل الأيام والشهور. وغير ذلك مات سنة 633هـ. له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ 4/1420 رقم 1136، وطبقات الحفاظ للسيوطىص 501 رقم 1102، ولسان الميزان 5/163، رقم 6086، ووفيات الأعيان 3/448 رقم 497، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادى 4/202 رقم 115.
(5)
انظر: الابتهاج فى أحاديث المعراج ص 78.
.. وقال الحافظ ابن عبد البر: "والضرب الثانى من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد؛ فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعاً"(1) .
…
ويقول الشيخ محمد الخضرى (2) :"إنه تواتر عن الصحابة فى وقائع لا تحصى، العمل بخبر الواحد، ومجموع هذه الوقائع تفيد إجماعهم على إيجاب العمل بأخبار الآحاد، وكثيراً ما كانوا يتركون آراءهم التى ظنوها باجتهادهم، إذا روى لهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(3) .
وبعد
…
فهذه بعض أقوال علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وغيرها كثير، فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، أما الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة فهى متوافرة، وسنذكر بعضها بمشيئة الله تعالى، فى ردنا على شبهات من أنكروا حجية خبر الواحد.
…
وإذا كان إجماع من يعتد به منعقد على كفر من رد حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره، ولا يقولون بكفر من رد حديث آحاد لشك فى ثبوته، "فمما لا شك فيه أن من شك وطعن فى جميع أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها يكون منكراً للسنة ويكفر"(4) أ. هـ.
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/34.
(2)
الخضرى: هو محمد بن عفيفى الباجورى، المعروف بالشيخ الخضرى، من علماء الشريعة، والأدب، وتاريخ الإسلام، مصرى، تخرج بمدرسة دار العلوم، من مصنفاته، أصول الفقه، وتاريخ التشريع الإسلامى. مات سنة 1345هـ. له ترجمة فى: الأعلام 7/151.
(3)
أصول الفقه ص 280، وانظر: اختلافات المحدثين والفقهاء فى الحكم على الحديث للدكتور عبد الله شعبان على ص224-225.
(4)
السنة المفترى عليها للمستشار سالم البهنساوى ص 161، وانظر: من نفس المصدر، مبحث "استحالة العمل بغير اعتقاد".