الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع: الجواب عن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن
…
إن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن واعتمادهم على السند، أطلقها بعض المستشرقين (1) الحاقدين للنيل من ديننا، ومن هذا العلم الشريف الذى خص الله به هذه الأمة على سائر الأمم، وهى دعوى باطلة تبناها من سار على هديهم من دعاة اللادينية (2) ، وتأثر بها بعض المسلمين (3) .
(1) انظر: العقيدة والشريعة ص 50، ودراسات محمدية ترجمة الأستاذ الصديق بشير نقلاً عن مجلة كلية الدعوة بليبيا العدد10 ص508، وانظر: دائرة المعارف الإسلامية 7/335-337.
(2)
أضواء على السنة ص 288 وما بعدها، وإعادة تقييم الحديث ص 118 وما بعدها، والسلطة فى الإٍسلام ص 259، وحقيقة الحجاب وحجية الحديث ص 91، ودليل المسلم الحزين ص 59، وتبصير الأمة بحقيقة السنة ص 173، 180، 352، 384، 655، والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 117، والإسلام والعقلانية لجمال البنا ص 37 وما بعدها، وأهل السنة شعب الله المختار ص 24، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص 13، 33، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص 81 وما بعدها وغير ذلك.
(3)
انظر: فجر الإسلام 217، 218، وضحى الإسلام 2/130، 132 وظهر الإسلام 2/48، وانظر: حياة محمد للدكتور محمد هيكل ص 55، ومصادر التاريخ الإسلامى ومناهج البحث فيه للدكتورة سيدة إسماعيل كاشف ص 21 وغيرهم.
.. يقول الأستاذ الصديق بشير: "وسبب فساد هذا الزعم لو أحسنا الظن بقائليه من المستشرقين؛ أن المنهج النقدى للأخبار عند الغربيين منصب على المتن وحده، ولم ينل السند عندهم كبير نصيب لأنهم لا يعولون عليه، وإن تكلموا عن السند فلا يتعدى بعض المفاهيم النظرية التى ليس لها رصيد فى واقعهم النقدى وذلك مخالف للمنهج النقدى عند المسلمين فقد طبق عملياً بشكل واسع ومنقطع النظير، وهى قفزة عريضة لم يصلها الأوربيون حتى اليوم، وأنى لهم ذلك وأخبارهم القديمة منقطعة الأسانيد قد يئسوا أن يصلوها (1) .
ورحم الله ابن حزم إذ يقول: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال، والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير فى نقل اليهود والنصارى (2) ، وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع والأهواء.
…
ويبدو تهافت دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن بما اشترطه أصحاب الحديث لصحة الخبر، وبما وضعوه من علامات يعرف بها وضع الخبر.
وكيف يهملون ضبط المتن وما قام علم الحديث دراية إلا لخدمة علم الحديث رواية!! وبتعبير آخر ما كانت علوم الحديث بأسرها إلا لضمان ضبط المتن، والتأكد من صحة نسبته إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
…
ولا نبالغ إذا قلنا أن الشروط الخمسة التى وضعها علماء الحديث لصحة الخبر كلها شروط لضبط المتن، وما يبدو من ظاهر الشروط لضبط السند هو فى حقيقة الأمر يتعلق بالمتن ظاهراً وباطناً.
فالشروط الثلاثة الأولى لصحة الخبر وهى اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبط الراوى هى فى الظاهر شروط خاصة بضبط السند. وفى الحقيقة أن فقدان أى شرط منهم يخل بضبط المتن.
(1) ضوابط الرواية عند المحدثين ص 39، 40.
(2)
الفصل فى الملل والنحل 2/81 – 84 بتصرف، وانظر: تدريب الراوى 2/159.
لأن عدم اتصال السند ينتج عنه أنواع من الحديث الضعيف: المنقطع، والمعضل، والمعلق، والمدلس، والمرسل، وكلها تخل بصحة المتن.
وفقدان عدالة الراوى ينتج عنها من الحديث الضعيف المخل بضبط المتن. الموضوع، والمتروك، والمنكر.
وفقدان ضبط الراوى ينتج عنه من أنواع الضعيف المخل بضبط المتن: المدرج، والمقلوب، والمضطرب، والمصحف، والمحرف، وغير ذلك.
فماذا بقى من شروط صحة الخبر سوى شرطى عدم الشذوذ، وعدم العلة، وفقدهما ينتج عنهما الحديث الشاذ، والمعلل، وهما يخلان بضبط المتن.
فأين من كل هذا ما يفترى كذباً على المحدثين من عدم اهتمامهم بنقد المتن عشر معشار السند؟!!
…
إن علماءنا لم يفرقوا هذا التفريق الظاهر بين نقدهم لسند الحديث، ونقدهم للمتن وليس أدل على ذلك ما قرروه من أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن.
فصحة السند لا يلزم منها صحة المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً أو موضوعاً معناه باطلاً، كما أنه لا يلزم من ضعف السند، ضعف المتن إذ يجئ بسند آخر صحيح.
ومن هنا قيدوا فى حكمهم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف بالإسناد دون متن الحديث فيقولون: إسناد صحيح دون حديث صحيح، وإسناد حسن، أو إسناد ضعيف، دون حديث حسن، أو حديث ضعيف.
…
"والحاصل أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن، إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما، ولا يصح المتن لشذوذ أو علة وقد لا يصح السند، ويصح المتن، من طرق أخرى"(1) .
(1) توضيح الأفكار للصنعانى 1/234.
يقول الدكتور صبحى الصالح مؤكداً عدم تفرقة المحدثين بين السند والمتن فى حكمهم على الحديث: "على أننا لن نرتكب الحماقة التى لا يزال المستشرقون، وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم "الغزير" يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوى، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين فى السند لا تفصل عن مقاييسهم فى المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم.
وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهى بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقى الذى لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند صحيح (1) .
…
ولبيان أن المحدثين لم يفرقوا بين السند والمتن التفريق الظاهر فى مباحثهم، وأن كلامهم على السند هو كلام عن المتن ومن أجله، نذكر بعض الأمثلة على ذلك:
منها زيادة الثقات فهى كما لا يخفى ترتبط بالمتن لأنها زيادة تطرأ عليه من راوٍ ثقة. قال ابن حجر: "وزيادة راويهما – أى الصحيح والحسن – مقبولة ما لم تقع منافيه لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها، وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقاً، لأنها فى حكم الحديث المستقل الذى ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره.
(1) علوم الحديث ومصطلحه ص 283.
.. وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها، رد الرواية الأخرى فهذه التى يقع الترجيح بينها، وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد المرجوح" (1) . ومثل لذلك بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى العمل أفضل؟ قال الصلاة لوقتها" (2) زاد الحسن ابن مكرم، وبندار بن بشار فى روايتهما: فى أول وقتها، وصححها الحاكم (3) وغيره. وهى مقبولة فهل الكلام على السند هنا إلا لضبط المتن وأجله.
(1) نزهة النظر ص 30.
(2)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها 2/12 رقم 527 ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1/350، 351 رقم 137.
(3)
أخرجه الحاكم فى المستدرك كتاب الصلاة، باب فى مواقيت الصلاة 1/300 رقمى 674، 675 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى، وانظر: تدريب الراوى1/248
ومنه "المصحف" وهو الذى وقع فيه تصحيف، ويكون فى الإسناد والمتن. ومن الثانى حديث:"احتجر النبى صلى الله عليه وسلم فى المسجد (1) . أى اتخذ حجرة، صحفة بعضهم بقوله: "احتجم" وهذا القسم من تصحيف اللفظ، وقد يكون فى المعنى كمن سمع خطيباً يروى حديث: "لا يدخل الجنة قتات" (2) ، فبكى وقال: ما الذى أصنع، وليست لى حرفة سوى بيع القت؟ يعنى الذى يعلف الدواب"(3) .
…
يقول الأستاذ الصديق بشير: "ولعل من أوسع المباحث المتعلقة بنقد المتن والتى تفوق فيها علم الحديث، على منهج النقد الغربى للمضمون والمتن مبحث "تحرى النص، والمجئ باللفظ". وهذه كما يقول أسد رستم: "مأثرة أخرى من مآثر علماء الحديث فإنهم قالوا بالأمانة فى نقل الحديث، وفرضوا وجوب تحرى النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلى، ومنهم من أبى أن يقوم اللحن أو أن يصلح الخطأ واكتفى بإبداء رأيه على الهامش (4) .
وأسد رستم يشير بذلك إلى ما اشترطه أرباب هذا الفن فى عدم جواز الرواية بالمعنى "إن لم يكن الراوى عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها.
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب صلاة الليل 3/251 رقم 731، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة فى بيته 3/325، 326 رقم 781 من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر 10/487 رقم6056، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم النميمة 1/389 رقم 169 من حديث حذيفة رضي الله عنه
(3)
فتح المغيث للسخاوى 3/69، وانظر: علوم الحديث للدكتور صبحى الصالح ص 254-262.
(4)
مصطلح التاريخ ص 33، وانظر: ضوابط الرواية عند المحدثين ص 46.
ففى هذه الحالة يتعين على الراوى الرواية باللفظ الذى سمعه، ولا تجوز له الرواية بالمعنى بلا خلاف" (1) .
وهل كل ذلك إلا حفاظاً من المحدثين على سلامة المتن؟
…
وليس أدل على عناية المحدثين بنقد المتون من جعلهم من أمارة الحديث الموضوع، مخالفته للعقل، أو المشاهدة والحس، مع عدم إمكان تأويله تأويلاً قريباً محتملاً، وأنهم كثيراً ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن، أو السنة المشهورة الصحيحة، أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق" (2) .
…
ومن نماذج سبر المحدثين المتن فى نقدهم للحديث خبر وضع الجزية عن يهود خيبر، وهو ما حكاه غير واحد من العلماء؛ كالحافظ السبكى (3) ، وابن كثير (4) ، والسخاوى (5) "أن بعض اليهود أظهروا كتاباً، وادعوا أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة رضي الله عنهم وذكروا أن خط على رضي الله عنه عليه. وحمل الكتاب فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى رئيس الرؤساء أبى القاسم على بن الحسن وزير القائم بأمر الله الخليفة العباسى، فعرضه رئيس الرؤساء، على الحافظ الخطيب البغدادى، فتأمله ثم قال: هذا مزور.
(1) تدريب الراوى 2/98، وراجع: إن شئت ما سبق فى الجواب على شبهة رواية الحديث بالمعنى ص368-369.
(2)
دفاع عن السنة للدكتور أبو شهبة ص 31، ولمزيد فى الرد على هذه الشبهة انظر: منهج النقد عند علماء الحديث، والسنة المطهرة والتحديات كلاهما للدكتور نور الدين عتر، ومنهج نقد المتن عند علماء الحديث للدكتور صلاح الدين الأدلبى، واهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً، ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم للدكتور محمد لقمان السلفى.
(3)
طبقات الشافعية الكبرى 4/35.
(4)
البداية والنهاية 12/108 – 109.
(5)
الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص24، 25.
.. فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتح خيبر كان فى سنة سبع، ولم يكن معاوية مسلماً فى ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى فى خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات فى سنة خمس، فى يوم بنى قريظة، قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه رئيس الرؤساء، واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما فى الكتاب لظهور تزويره وبطلانه.
…
وقد سبق الحافظ الخطيب البغدادى إلى كشف كذب هذا الكتاب وتزويره: الإمام ابن جرير الطبرى، كما حكاه الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية" (1) .
وتعرض الحافظ ابن قيم الجوزية لهذا الكتاب المزور بأيدى اليهود فى كتابيه "أحكام أهل الذمة"(2) ، و"المنار المنيف فى الصحيح والضعيف"(3) ، وبين كذبه وتزويره من عشرة وجوه، ثم قال وأحضر هذا الكتاب بين يدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وحوله اليهود يزفونه ويجلُّونه، وقد غشى بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: هذا كذب من عدة أوجه. وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار" (4) .
بكل ما سبق تسقط دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن أ. هـ.
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
(1) البداية والنهاية 12/109.
(2)
أحكام أهل الذمة 1/7-9.
(3)
المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ص 102 – 105، وانظر: لمحات من تاريخ السنة للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ص 170 – 172.
(4)
المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ص 105.