الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فوجدنا من يصف أهل الحديث بأنهم "عبيد الأسانيد"(1) و "أسرى الأسانيد"(2) .
ووجدنا من يصف الإسناد بأنه نوع من التزمت (3) .
…
ووجدنا إسماعيل منصور يقول: "إن هذا التعلق غير الطبيعى بالسند، والمبالغة فى الاعتداد به وربط الأحكام الشرعية به -واعتباره بالدرجة الأولى- أساساً لصحة الحديث كل ذلك مجتمعاً قد أثمر افتراقاً كبيراً بين المسلمين، وصيرورتهم فرقاً وشيعاً وأحزاباً يعارض بعضها بعضاً، وقاتل بعضها بعضاً، ويكيد بعضها لبعض على مر السنين (4) .
…
ويقول طاعناً فى علوم الحديث كلها: "ما أقامه البعض من أهل هذا العلم من إنشاء ما يسمى بعلم الحديث، إنما هو بالحياد المطلق، وَهْمٌ لا يثبت، وظن لا يستقيم"(5) .
ويجاب على هذه الشبه بما يلى:
…
بادئ ذى بدء نحب أن نقول للطاعنين فى الإسناد، كلمة مهمة قالها العلامة السيد سليمان الندوى، وهو يتحدث عن تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها. قال تحت عنوان:(الرواية أمر ضرورى) : "لا مندوحة لعلم من العلوم، ولا لشأن من شؤون الدنيا عن النقل والرواية؛ لأنه لا يمكن لكل إنسان أن يكون حاضراً فى كل الحوادث، فإذاً لا يتصور علم الوقائع للغائبين عنها إلا بطريق الرواية شفاهاً أو تحريراً، وكذلك المولودون بعد تلك الحوادث لا يمكنهم العلم بها إلا بالرواية عمن قبلهم.
هذه تواريخ الأمم الغابرة والحاضرة، والمذاهب والأديان، ونظريات الحكماء والفلاسفة، وتجارب العلماء واختراعاتهم، هل وصلت إلينا إلا بطريق النقل والرواية؟
(1) أضواء على السنة لمحمود أبو ريه ص 62.
(2)
السنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال الدين ص 12، 15، 84.
(3)
ظهر الإسلام لأحمد أمين 3/86، 88.
(4)
تبصير الأمة بحقيقة السنة ص 377.
(5)
المصدر السابق ص 656، وانظر: من نفس المصدر ص 145، 165، 176، وانظر: حد الردة لأحمد صبحى منصور 87، 91، والقرآن والحديث والإسلام لمحمد رشاد خليفة ص 40.
.. فهل كان الدين الإسلامى بدعاً من الحوادث حتى لا تنقل أحكامه وأخباره بهذا الطريق؟ أم كان الواجب اتخاذ طريق آخر لنقل أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأخباره غير الرواية؟!
…
لنفرض أن هؤلاء المنكرين علينا رواية الأحاديث -بالأسانيد- أصبحوا زعماء لمن كان على شاكلتهم، فهل هناك طريقة -غير الرواية- لتبليغ استنباطهم، وتحقيقاتهم لأفراد جماعتهم البعيدين عن حلقات دروسهم، أو الذين سيولدون بعدهم (1) ؟!!
حرى بالمشككين فى الإسناد وعلوم الحديث الإمساك عن لغوهم.
وإلا فأين أسانيدهم المتصلة إلى أممهم البائدة؟
بل أين أخبارهم الصحيحة عن أنبيائهم وعظمائهم؟
بل أين الضوابط التى تثبت صحة أخبارهم فيما سبق؟!
…
أما ما زعمه شاخت من حملة الفتنة المذكورة فى كلام محمد بن سيرين على فتنة مقتل الوليد بن يزيد سنة (126هـ) علماً بأن وفاة ابن سيرين كانت سنة (110هـ) كما ذكر هو أيضاً.
فيقول رداً على ذلك الدكتور همام عبد الرحيم: "ولو أنصف شاخت وفكر بنزاهة وموضوعية لما قال إن ابن سيرين يتحدث عن فتنة وقعت بعد وفاته بست عشرة سنة! (2) .
وزعمه بأن ذلك الخبر مكذوب على ابن سيرين فهو ما لا دليل عليه، ويكذبه إخراج الإمام مسلم له فى مقدمة صحيحه (3) ، والترمذى (4) ، والدارمى (5) .
(1) تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها ص 9، 10.
(2)
الفكر المنهجى عند المحدثين ص 59.
(3)
مسلم (بشرح النووى) فى المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين 1/119.
(4)
الترمذى فى كتاب العلل بآخر السنن 5/695.
(5)
الدارمى فى المقدمة، باب فى الحديث عن الثقات 1/123 رقم 416.
.. أما ما زعمه "روبسون" من حملة الفتنة المذكورة فى كلام ابن سيرين على فتنة ابن الزبير، فهو زعم بعيد؛ لأن عبارة ابن سيرين تقول:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد"، ولم يقل:"كنا لا نسأل عن الإسناد" وهذه العبارة التى استخدمها تفيد؛ أنه يتكلم عن شيوخه من الصحابة رضي الله عنهم (1) .
…
ويقول الدكتور أكرم ضياء العمرى: "ما استند إليه روبسون غير صحيح فإن تقدير عمر محمد بن سيرين للإفادة منه فى تفسير كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمداً على دراسته لتاريخ الحديث الذى عنى به كثيراً"(2) .
والذى يؤكد هذا الرأى قول عبد الله بن عباس وهو من صغار الصحابة (3)، لما جاءه بشير بن كعب العدوى فجعل يحدث ويقول:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس مالى لا أراك تسمع لحديثى، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"(4) .
فكأنه رضي الله عنه أراد أن يقول: إنه لما دخل فى هذا الأمر من هم ليسوا من أهله، صار الإعراض عن سماعهم، والنظر فيه أولى، فكان بذلك الإذن فى التحرج من قبول مطلق الأخبار مجردة من أسانيدها" (5) .
(1) الفكر المنهجى عند المحدثين ص 59.
(2)
بحوث فى تاريخ السنة المشرفة ص 5 – 52.
(3)
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل ابن خمس عشرة سنة. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر 3/933 رقم 1588.
(4)
سبق تخريجه ص 327.
(5)
ضوابط الرواية عند المحدثين ص 65.
ثم إن الفتنة إذا أطلقت فهى الفتنة الكبرى التى عصفت بالخلافة الراشدة. وإذا قيل: الفتنة بالتعريف (بأل) التى هى للعهد، فهى الفتنة المعهودة التى لا يجهلها أحد (1) أ. هـ.
…
والحق –الذى لا مراء فيه- أن اشتراط السند، والبحث عن الإسناد، بدأ مع زمن النبوة المباركة.
وفى ذلك يقول الحاكم: "طلب الإسناد العالى سنة صحيحة" ثم ذكر حديث أنس بن مالك فى مجئ الأعرابى (2) وقوله: "يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا
…
الحديث" (3) . فقد استنبط الحاكم من هذا الحديث أصل طلب الإسناد والعلو فيه؛ لأنه سمع أركان الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة (4) .
ولو كان طلب الإسناد والعلو فيه غير مستحب لأنكر عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (5) .
(1) الفكر المنهجى عند المحدثين ص 59.
(2)
هو الصحابى الجليل ضمام بن ثعلبة كما جاء صريحاً فى رواية أنس عند الحاكم فى المستدرك كتاب المغازى والسير 3/55، 56 رقم 4830 وقال: صحيح ووافقه الذهبى.
(3)
أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العلم، باب ما جاء فى العلم وقوله تعالى:"وَقُل رَّبِّ زِدْنَى عِلْمَاً" 1/179 رقم 63، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام 1/201 رقم 12.
(4)
فتح البارى 1/183 رقم 63، وانظر: تدريب الراوى 2/160، 161.
(5)
معرفة علوم الحديث للحاكم ص 6 بتصرف يسير.
واستمر طلب الإسناد والبحث عنه مع زمان الصحابة، ودليل ذلك سؤال عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعرى -وغيره (1) - أن يأتوا بشاهد على صحة ما رووا من الأحاديث. وهذا طلب أشد من عموم السند، إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وكلام ابن سيرين دليل لهذا التقدم فى طلب الإسناد (2) .
وإذا كانت بداية الإسناد متواضعة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وفى حياة الصحابة للبعد عن الكذب، إلى زمن الفتنة، فإن هذا العلم اشتد الأخذ به بعد الفتنة، حتى ما قارب القرن الأول نهايته، حتى بلغ علم الإسناد مبلغاً عظيماً (3) أ. هـ.
…
أما ما زعمه بعض دعاة الفتنة، وأدعياء العلم من المستشرقين، ومن قال بقولهم، من أن الأسانيد اخترعت من قبل الضعفاء والكذابين، وركبت على المتون المختلقة، وإيهامهم بأن ذلك التبس على المحدثين.
…
فنقول نعم: اخترعت الأسانيد وركبت عليها المتون المختلفة ولكن هذا لم يخفى على جهابذة المحدثين وأئمة الجرح والتعديل-فلقد تنبهوا إلى هذا قبل أن يدعى أدعياء العلم بأكثر من ألف سنة، ولم يخف عليهم ذلك، كما يحاول الإيهام بذلك أهل الزيغ والهوى.
…
ولذلك نجد علماء الحديث كما سبق وأن قلنا-يقررون عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن، وينبهون على الكذابين المختلقين للأسانيد.
وفى ذلك يقول ابن الجوزى (ت 597هـ) وهو يبين أصناف الوضاعين.
(1) انظر: المصدر السابق ص 14، 15، وانظر: ما ساقه الحاكم فى معرفة علوم الحديث ص 7 على رحلة غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم فى طلب الإسناد، وانظر: تدريب الراوى 2/160، 161، والسنة المطهرة والتحديات للدكتور نور الدين عتر ص 36، 37.
(2)
الفكر المنهجى عند المحدثين ص 60.
(3)
دراسات فى الحديث النبوى للدكتور الأعظمى 2/392 بتصرف، وللمزيد من الرد على هذه الشبهة انظر: المصدر نفسه 2/397 – 433.
القسم الرابع: قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ومن هؤلاء محمد بن سعيد (1) القائل:"لا بأس إذا كان كلاماً حسناً أن نضع له إسناداً"(2) .
…
وفى ذلك أيضاً يقول ابن عراق فى كتابه (3)(تنزيه الشريعة) وهو يبين أصناف الوضاعين.
الصنف السادس: "قوم حملهم الشره ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذى الإسناد الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، وجعل بعضهم للحديث إسناداً غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب.
قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبى دحيه كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا، على حديث ذاك، لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيبى، وبهلول بن عبيد، وأصرم بن حوشب.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا داخل فى قسم المقلوب،
…
وقال الأستاذ الإسفرايينى: "إن: من قلب الإسناد ليستغرب حديثه، ويرغب فيه، يصير دجالاً كذاباً تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها"(4) .
(1) هو: محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدى، الشامى المصلوب، ويقال له: ابن أبى عتبة، أو ابن أبى قيس، أو ابن الطبرى، وقيل إنهم قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى، كذبوه، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 2/79 رقم 5926، والكاشف 2/174 رقم4871،والمجروحين لابن حبان 2/247، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص213رقم543، والجرح والتعديل 7/262 رقم 1436، ولسان الميزان 9/105 رقم 14225.
(2)
الموضوعات لابن الجوزى 1/41، 42.
(3)
ابن عراق هو أبو الحسن، سعد الدين على بن محمد بن علىبن عراق، الكنانى الدمشقى، له مؤلفات نافعة من أهمها كتابة تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، مات سنة 963هـ. له ترجمة فى: شذرات الذهب 8/337، والرسالة المستطرفة ص 150، والإعلام 5/12.
(4)
انظر: تنزيه الشريعة 1/15، والموضوعات 1/41 – 43.
وفى حديث:"إن الله عز وجل يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة يا أبا بكر"
يقول الحافظ الخطيب: "لا أصل له وضعه محمد بن عبد سنداً، ومتناً"(1) .
وكذلك تنبه جهابذة المحدثين إلى الأسانيد العائلية وانتقدوها كثيراً، ولم يغفلوا عنها، كما زعم "روبسون" وغيره، بل قبلوا منها ما يستحق القبول، ورفضوا منها ما يستحق الترك والرفض، وكانوا منصفين فى حكمهم، فأعطوا كل ذى حق حقه، وأصَّلوا فى ذلك علماً يعرف بـ "رواية الآباء عن الأبناء وعكسه"(2) .
فمن أمثلة ما قبلوه على الراجح: سند عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (3) .
ومن أمثلة ما ردوه: سند كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده (4) ، وسند موسى بن مطير، عن أبيه (5) ، وغيرهم كثير ممن امتلئت بهم كتب المجروحين والمتروكين، مما يبين أن علماء الحديث لم يغفلوا عنهم كما يزعم دعاة الفتنة وأدعياء العلم.
(1) انظر: اللآلئ المصنوعة 1/263، والموضوعات 1/306 - 307.
(2)
صنف فيه غير واحد من المحدثين منهم ابن أبى خيثمة، والمزى، وغيرهم، ومن أجمع المصنفات فيه ما صنفه الحافظ العلائى فى كتابه "الوشى المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبىصلى الله عليه وسلم".
(3)
انظر: تدريب الراوى 2/257-259، وفتح المغيث للسخاوى 3/154 - 156، وفتح المغيث للعراقى ص381-383،والباعث الحثيث171-173، ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد للذهبى ص76 رقم55،وسؤالات مسعود بن على السجزى للحاكم ص147رقم150.
(4)
انظر: المجروحين لابن حبان 2/221 - 222، وميزان الاعتدال للذهبى 3/406.
(5)
انظر: المجروحين 2/242، وميزان الاعتدال 4/223 وإن شئت مزيد من الرد انظر: دراسات فى الحديث النبوى للدكتور الأعظمى 2/435 - 436.