الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجواب عن زعم أعداء السنة بأن النهى عن كتابة السنة يدل على عدم حجيتها:
أما أعداء السنة من دعاة اللادينية فمع اعترافهم بصحة النهى عن كتابة السنة من النبي صلى الله عليه وسلم. ومن صحابته الكرام؛ إلا أنهم اتخذوا من ذلك النهى دليلا على عدم حجية السنة النبوية. غاضين الطرف كما سبق وأن أشرت عن علل النهى الواردة في نفس الأحاديث السابقة التى احتجوا بها، بل غاضين الطرف من الأمر الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم. لأصحابة رضي الله عنهم عقب نهيهم عن الكتابة وهو التحديث والتبليغ للسنة النبوية بعد حفظها، وهو نفس الأمر الصادر من الصحابة للتابعين بعد نهيهم عن الكتابة،
وعلى نفس الدرب صار التابعون من الناهين للكتابة، أمروا من نهوهم عن الكتابة من تابعي التابعين بحفظ السنة وتبليغها كما حفظوها عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم. فيما تنبأ به:"تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم"(1) .
يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق _ رحمه الله _: "وكيف يكون نهيه صلى الله عليه وسلم. دليلا على عدم الحجية والنبي صلى الله عليه وسلم. عقب هذا لنهى مباشرة عندما أمر الصحابة بالتحديث عنه، وفي الوقت نفسه يتوعد من يكذب عليه متعمدًا أشد الوعيد، كما في حديث أبى سعيد الخدري الذي رواه مسلم.
ويقول صلى الله عليه وسلم. في حجة الوداع: " ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه (2) .
ويقول أيضا: نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (3) ويقول صلى الله عليه وسلم. لوفد عبد القيس _
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب العلم، باب فضل نشر العلم 3/ 321 رقم 3659، وأحمد في مسنده 1/ 321، والحاكم في المستدرك كتاب العلم: باب فضيلة مذاكرة الحديث 1/ 95 وقاال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وليس له علة ولم يخرجاه، وفي الباب أيضا عن ابن مسعود، ووافقه الذهبي وقال على شرطهما ولا علة له.
(2)
البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب التوحيد، باب قال الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} 13 / 433 رقم 7447، ومسلم (بشرح النووي) كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض 6/ 182 رقم 1679 واللفظ له من حديث أبى بكر رضي الله عنه.
(3)
سبق تخريجه ص 39.
بعد أن أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "احفظوه وأخبروا به من وراءكم"(1) . ويقول: " ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما حرم الله"(2) .
يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: " أليس الأمر بالتحديث والتبليغ والحفظ، والإبعاد على الكذب عليه أشد الوعيد، والنهى عن عدم الأخذ بالسنة؛ دليلاً على أن السنة لها شأن خطير، وفائدة جليلة للسامع والمبلغ؟ فما هذه الفائدة وما هذا الشأن العظيم؟ أليس هو أنها حجة في الدين، وبيان للأحكام الشرعية. كما يدل عليه تعقيبهصلى الله عليه وسلم. الأمر بالتبليغ والتحديث _ في الروايات السابقة _ بقوله صلى الله عليه وسلم.: " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" " احفظوه وأخبروا من وراءكم" وقوله صلى الله عليه وسلم. ".. إلا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. مثل ما حرم الله " وقوله صلى الله عليه وسلم. "وحدثوا عنى ولا حرج" ألا يشعرك هذا القول أن القصد من تبليغ السامع الحديث لمن بعده، أن يأخذ الغائب ما اشتمل عليه الحديث من فقه وحكم شرعي؟ وهل يكون ذلك إلا إذا كان الحديث حجة، ودليلاً تثبت به الأحكام التى تضمنها؟ وهل يصح أن يذهب من عنده ذرة من عقل وإيمان إلى أن أمره صلى الله عليه وسلم. بالتحديث والتبليغ إنما كان لمجرد التسلية والمسامرة في المجالس كما يفعل بتواريخ الملوك والأمراء؟ كلا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم. أجل وأعظم وأشد عصمة من أن يأمر أمته بما لا فائدة فيه، وبما هو مدعاة للهوهم وعبثهم.
وإليك ما قاله الشافعي _ تعليقًا على حديث "نضر الله أمرءًا سمع منا شيئًا
…
" المتقدم مما فيه تأييد لما ذكرنا لك.
(1) البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان 1/ 157 رقم 53، ومسلم "بشرح النووي" كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين 1/ 212 رقم 17، واللفظ له، من حديث بن عباس _ رضى الله عنهما _.
(2)
أخرجه الترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما نه ى عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم. 5/ 37 رقم 2664، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه ابن ماجة في سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتغليظ على من عارضه 1/ 20 رقم 12 من حديث المقدام بن معد يكرب.
.. قال رضي الله عنه: "فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها أمراً يؤديها، والامرء واحد -: دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة فى دين ودنيا، ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه ويكون له حافظاً، ولا يكون فيه فقيهاً"(1) أ. هـ.
…
ثم نقول "ولا زال الكلام للدكتور عبد الغنى": لا شك فى أنه صلى الله عليه وسلم إنما نص على خصوص الكذب عليه، وخصه بهذا الوعيد الشديد مع دخوله فى عموم الكذب المعلوم حرمته للجميع؛ لأن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم مستلزم لتبديل الأحكام الشرعية، واعتقاد الحلال حراماً، والحرام حلالاً.وهذا الاستلزام لم يتفرع إلا عن حجية السنة، وأنها تدل على الأحكام الشرعية.
…
وإذا أردت أن تتحقق مما قلناه؛ فعليك بما رواه الشيخان عن المغيرة؛ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن كذباً علىَّ ليس ككذب على أحد. فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(2) ثم انظر إلى ما رواه مسلم عن أبى هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يكون فى آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم (3) .
(1) الرسالة للشافعى ص 402، 403، رقم الفقرات 1103، 1104، وانظر: سنن الدارمى المقدمة، باب البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم السنن 1/145 من رقم 542 - 561.
(2)
البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت3/191رقم1291، ومسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول اللهصلى الله عليه وسلم1/101 رقم4 واللفظ له.
(3)
مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب النهىعن الرواية عن الضعفاء والاحتياط فى تحملها1/111رقم7
.. وأخبرنى بربك: إذا لم يكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة، فعلام هذا التحذير من الأحاديث المكذوبة عنه؟ ولم يحصل بها الضلال والفتنة؟
ولو كان المقصود من التحديث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد التسلية واللهو كرواية الأشعار وأخبار العرب وغيرهم أفلا يستوى الصادق منها والكاذب فى هذا المعنى؟
ولو كان هناك فرق بينهما أفيستحق هذا الفرق التحذير الشديد من الضلال والفتنة؟ كلا.
…
وبالجملة: فكل ما نقلناه لك من هذه الأحاديث ونحوها يؤيد ما قلناه من حجية السنة، وهو بمثابة التصريح من الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عند من له سمع يسمع وعقل يدرك، وهو فى الوقت نفسه صريح فى رغبته صلى الله عليه وسلم فى نقل السنة والمحافظة عليها. فكيف مع هذا كله يزعم زاعم بأن نهيه عن كتابتها دليل على رغبته فى عدم نقلها والمحافظة عليها وعلى عدم حجيتها {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} (1) .
…
قلت: بل كيف مع هذا يصح زعم زاعم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الكتابة ناسخ للإذن كما ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد رشيد رضا (2) ، وتابعه على ذلك محمود أبو رية (3) ، وجمال البنا (4) وغيرهم.
(1) الآيتان 52،53 من سورة الروم، وانظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص424 - 426 بتصرف.
(2)
مجلة المنار المجلد10/767،768،ووجهة نظر رشيد رضا فىهذا الأمر لم تجد التأييد الكافى حتىمن تلاميذه، ومنهم محمد الخولى أيد أئمة الحديث فى أن النهى سبق الجواز-انظر: مفتاح السنة ص16
(3)
أضواء على السنة 48.
(4)
الأصلان العظيمان 268 - 275 والسنة ودورها فى الفقه الجديد ص 198.
.. وإذا افترضنا صحة هذا القول منهم (1)
(1) وهو لا يصح بحال "أن يكون النهى ناسخ للإذن لأمور ثلاثة:
1-
أن أحاديث الإذن متأخرة: فحديث أبى شاة عام الفتح. وذلك فى أواخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم وحديث أبى هريرة فى المقارنة بينه وبين عبد الله بن عمرو متأخر أيضاً لأن أبا هريرة متأخر الإسلام. وهو يدل أيضاً على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة وحديث همه صلى الله عليه وسلم بكتابة كتاب لن تضل الأمة بعده كان فى مرض موته صلى الله عليه وسلم. ويبعد جداً أن يكون حديث أبى سعيد الخدرى قد تأخر عن هذه الأحاديث كلها خصوصاً حديث (الهم، ولو كان حديث أبى سعيد فى النهى متأخر عن هذه الأحاديث فىالإذن والجواز، لعرف ذلك عند الصحابة يقيناً صريحاً
2-
إجماع الأمة القطعى بعد عصر الصحابة والتابعين على الإذن وإباحة الكتابة وعلى أن الإذن متأخر عن النهى كما سبق. وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول -رضى الله عنهم أجمعين-كما قال الأستاذ أحمد محمد شاكر فى الباعث الحثيث ص112، وانظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى ص 447.
3-
سيأتى قريباً: أنه لا نسخ أصلاً حيث يصار إلى النسخ عند تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين وهو ممكن لنا كما سيأتى. فلا يصح أن يكون أحدهما ناسخاً للآخر ص 290،291.
، فأين دليل نسخ الإذن بالتحديث والتبليغ الذى هو أبلغ فى حجية السنة كما مر، بل وأبلغ وأقوى من النقل بالكتابة على ما سيأتى فى شبهة تأخر التدوين وهذا الإذن بالتحديث كما هو وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب نهيه عن الكتابة، هو أيضاً وارد عن الصحابة والتابعين عقب نهيهم عن الكتابة انظر إلى قول أبى سعيد الخدرى: "
…
إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ" وفى لفظ آخر "خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وانظر إلى قول أبى هريرة: "ارووا كما كنا نروى" وأبى موسى الأشعرى "خذ عنا كما أخذنا" وفى لفظ آخر "احفظوا عنا كما حفظنا" وكل هذه الروايات سبقت وهى مما استشهدوا بها على شبهتهم، وروى عن سليم بن عامر (1)، قال: كان أبو أمامة إذا قعدنا إليه يجيئنا من الحديث بأمر عظيم ويقول للناس: "اسمعوا واعقلوا، وبلغوا عنا ما تسمعون. قال سليم: بمنزلة الذى يشهد على ما علم"(2) .
…
وعن سليم بن عامر قال كنا نجلس إلى أبى أمامة فيحدثنا حديثاً كثيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سكت قال أعقلتم بلغوا كما بلغتم (3) .
(1) هو سليم بن عامر الكلاعى، ويقال الخبائرى بخاء معجمة وموحدة، أبو يحيى الحمصى روى عن أبى الدرداء، وعوف بن مالك، وعنه ثور ومعاوية بن صالح. ثقة وغلط من قال أدرك النبىصلى الله عليه وسلم مات سنة 130هـ. له ترجمة فى: تقريب التهذيب 1/381 رقم 2535، والكاشف 1/456 رقم 2064، والثقات للعجلى ص 199 رقم 600، والتاريخ الكبير 4/125 رقم 2190
(2)
أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب البلاغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليم السنن 1/146 رقم 544
(3)
أخرجه الطبرانى فى الكبير 8/187، والخطيب فى شرف أصحاب الحديث ص 168 رقم 189، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/140 وعزاه إلى الطبرانى فى الكبير بسند حسن.
.. وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "إنا كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما إذا ركبتم الصعب والذلول، فهيهات (1) أ. هـ.
…
وعلى نفس درب الصحابة صار تلاميذهم من التابعين أمروا من نهوهم عن الكتابة بالتحديث بعد حفظهم. انظر إلى قول سفيان الثورى عقب نهى شيخه عمرو بن دينار "وما كتبت عنه شيئاً كنا نحفظ".
…
فالصحابة رضي الله عنهم صاروا على المنهج النبوى، نهوا عن الكتابة مع وجود علتها، وفى نفس الوقت أذنوا بالكتابة مع الأمن من العلة، وعلى دربهم صار التابعون رضي الله عنهم، وفى نفس الوقت الكل (النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين) أمروا بالحفظ والتحديث (2) .
(1) أخرجه ابن ماجة فى المقدمة، باب التوقى فى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/25 رقم 27، وابن المبارك فى مسنده 141 رقم 229، واللفظ لابن ماجة، ورجال إسناده ثقات.
(2)
وما جاء عن بعض الصحابة من الامتناع عن التحديث أو الإقلال منه، والنهى عن الإكثار منه، فذلك منهم كان إتباع لأمر النبى صلى الله عليه وسلم، ولمنهجه فى الحفاظ على رسالة الإسلام قرآناً وسنة. كما سيأتى قريباً ص 325-332.