الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
.. ومما ينبغى أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التى لا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة فى كل دين. وصدق الله عز وجل:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (1) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت فى الدين الاسلامى أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون، لكل زمان ومكان. ولما كان الأمر كذلك فليس فى العقل، ولا فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وفى بعض الأخلاقيات، وما حرف من: الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه. وقد كان القرآن الكريم- بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل، وتوافرت الدواعى والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله تبارك وتعالى. مهيمناً أى شاهداً على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (2) أهـ.
…
ومن الأحاديث التى زعم أعداء السنة المطهرة أنها من الإسرائيليات لموافقتها ما عند أهل الكتاب.
حديث "النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة
".
(1) الآية 13 من سورة الشورى.
(2)
الآية 48 من سورة المائدة، وانظر: دفاع عن السنة للدكتور محمد أبو شهبة ص 253، 254 والحديث والمحدثون للدكتور محمد أبو زهو ص185، والسنة النبوية فى مواجهة التحدى للدكتور أحمد عمر هاشم ص 39-41.
قال محمود أبو ريه: "روى هذا الحديث أبو هريرة، وقد أخذه من كعب الأحبار، القائل: "أربعة أنهار الجنة، وصفها الله عز وجل فى الدنيا، النيل نهر العسل فى الجنة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللبن فى الجنة" (1) .
(1) نهاية الإرب للنويرى10/220 وانظر: أضواء على السنة، ص 208،وشيخ المضيرة ص103
.. واستدل نيازى عز الدين بما استدل به محموداً أبو ريه: وقال نيازى: "لنسمع التوراة ماذا تقول فى "سفر التكوين"، الإصحاح الثانى الفقرات من 10 – 14 وكان نهر يخرج من عدن يسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس اسم الواحد (فيشون) وهو المحيط بأرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد".
…
يقول نيازى عز الدين عن حديث "النيل، وسيحان، وجيحان، والفرات، من أنهار الجنة"، وأسلوب الحديث كما تلاحظون تواترياً وهذا ما قصدت إليه، وهكذا فإن معرفة كتب أهل الكتاب ضرورية من أجل نقد الأحاديث كما رأيتم (1) .
والجواب:
(1) دين السلطان لنيازى عز الدين ص 168، وانظر: قراءة فى صحيح الإمام البخارى لأحمد صبحى منصور ص 37.
.. إن الحديث الذى رواه أبو هريرة: صحيح غاية الصحة، وهو فى صحيح مسلم بلفظ:"سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل كلها من أنهار الجنة"(1) . وفى الحديث الصحيح أيضاً؛ أنه صلى الله عليه وسلم "رأى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل إما هذه الأنهار؟ قال أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات"(2) .
…
وفى رواية: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السماء الدنيا إذ بنهرين يطردان، فقال: "ما هذان يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما" (3) .
(1) أخرجه مسلم "بشرح النووى" كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب ما فى الدنيا من أنهار الجنة 9/193 رقم 2839، وقال الإمام النووى فى شرحه على مسلم 9/193 "اعلم أن سيحان، وجيحان غير سيحون، وجيحون، فأما سيحان وجيحان المذكوران فى هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة فى بلاد الأرمن، فجيحان نهر المصيصة، وسيحان نهر إذنة، وهما نهران عظيمان جداً. وأما قول الأزهرى فى صحيحه جيحان نهر بالشام فغلط
…
واتفقوا كلهم على أن جيحون بالواو نهر وراء خرسان عين بلخ، واتفقوا على أنه غير جيحان، وكذا سيحون غير سيحان، ثم أنكر الإمام النووى على القاضى عياض تسويته بين سيجان وجيحان، وسيحون وجيحون.
(2)
جزء من حديث طويل أخرجه البخارى "بشرح فتح البارى" كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة 6/348، 349 رقم 3207، ومسلم "بشرح النووى" كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم 1/490، 491 رقم 164، واللفظ لمسلم.
(3)
جزء من حديث طويل أخرجه البخارى "بشرح فتح البارى" كتاب التوحيد، باب ما جاء فى قوله عز وجل "وكلم الله موسى تكليماً" 13/486 رقم 7517.
والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة فى صفتها وعذوبتها، وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وهو تأويل مقبول ومستساغ لغة وشرعاً ومن تتبع كلام العرب فى الجاهلية، وصدر الإسلام يجد من أمثال ذلك الشئ الكثير (1) .
وقيل: إن فى الكلام حذفاً، والتقدير "من أنهار أهل الجنة" ففيه تبشير من النبى صلى الله عليه وسلم أن الله سينجز له وعده، وسينصره، وسيظهر له دينه على الأديان كلها حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها – إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر – وهذا ما كان فلم يمضى قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسى إلى بلاد الهند (2) .
…
وذهب بعض العلماء إلى أن الحديث على ظاهره وفى ذلك يقول الحافظ ابن دحية: "قرأت فى تفسير القرآن العظيم، عند قول الله الكريم {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} (3) أنهما النيل والفرات، أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل، فأودعهما بطون الجبال، ثم إن الله سيرفعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن، وذهاب الإيمان، فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله جل من قائل: {فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} (4) . ذكره النحاس فى "معانى القرآن العزيز" له بأتم من هذا، وأسنده فاختصرته (5) .
(1) انظر: الإسراء والمعراج ص 61، ودفاع عن السنة ص127 كلاهما للدكتور محمد أبو شهبة.
(2)
دفاع عن السنة للدكتور أبو شهبة ص 127، وانظر: السنة ومنهجها فى بناء المعرفة والحضارة 2/888.
(3)
الآية 18 من سورة المؤمنون.
(4)
جزء من الآية 18 من سورة المؤمنون.
(5)
معانى القرآن للإمام أبى جعفر النحاس4/450،451،وانظر: الابتهاج فىأحاديث المعراج ص148
.. وقال الحافظ ابن دحية: "فإن قيل كيف طريق الجمع بين رواية إن النيل والفرات عند سدرة المنتهى أصلهما فى السماء السابعة، ورواية أنهما فى السماء الدنيا لذكره عنصرهما، وهو أصلهما.
قلنا طريق الجمع بين الحديثين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فى أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسأل عنهما جبريل فقال:"أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات".
…
ثم فى حديث شريك عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم "فإذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطردان"، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات، عنصرهما.
ولنا فى التأويل وجهان سديدان:
…
إحداهما: أن يكون محمولاً على ظاهره، ويكون معناه أنه لما رأى عند سدرة المنتهى هذين النهرين مع نهرى الجنة، وذلك فى السماء السابعة، ورأى فى السماء الدنيا هذين النهرين دون نهرى الجنة، كان لاختصاصهما بسماء الدنيا معنى، سمى ذلك الاختصاص عنصراً، ولا يمتنع أن يكون لجميع الأربعة الأنهر أصل واحد هو عند سدرة المنتهى، ثم يكون لاختصاص هذين النهرين بسماء الدنيا أصل من حيث الاختصاص وهو الامتياز لهما دون نهرى الجنة، سمى ذلك الامتياز والاختصاص عُنْصُراً، أى عنصر امتيازهما، واختصاصهما، فهذا وجه سديد.
…
والوجه الثانى: أن يكون عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق، لم يتقدم له ذكر من حيث اللفظ، لكن من حيث العهد، ويكون معناه: هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بالعهد السابق عن إعادة الكلام. وهذا وجه سديداً أيضاً.
وقد صح الجمع بين الحديثين، فلم يتعارضا، ولم يتنافيا، ولم يتناقضا.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: فى صحيح مسلم "سيحان، وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة"، فأسنده الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فجرت أربع أنهار من الجنة: الفرات، والنيل، وسيحان وجيحان"(1) .
…
قال الحافظ ابن دحية: "وسند أحمد كالشمس فى صحته"(2) ، وزيادة لفظ "فجرت" وهو مفيد.
…
والكلام على معنى هذا الحديث يأخذ طرفاً مما تقدم، وهو أن هذه الأنهار لها مزية تشريف على سائر الأنهار التى بالأرض، وذلك التشريف هو كونها فى الجنة، على معنى أنها فجرت منها، كما نص عليه فى حديث أحمد ثم ينتقل الكلام إلى كونها بالأرض جارية، ولا بعد فى ذلك، فإن الأنهار المذكورة إذا كان تفجيرها من الجنة، والجنة فى السماء كما قال تعالى:{عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (3) . وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (4) . على مذهب أهل الحق فى أن الجنة مخلوقة، وأنها لا تبيد من بين سائر المخلوقات.
…
هذا قول جميع العلماء فى الجنة والنار، وأنهما لا تبيدان، ولم يخالف فى ذلك سوى طائفة من أهل البدع والأشرار.
فتكون الأنهار المذكورة من الجنة تفجرت، أى جرى أصلها؛ لأن التفجير يليق بهذا المعنى، ومنه سمى "الفجر" لأنبثاث النور الساطع. كذلك هذه الأنهار لما كان لها أنبثاث وجريان سمى تفجيراً، وإليه الإشارة بقوله:"من الجنة"أى كان هذا التفجير فى الأصل من الجنة، ثم انبثت فى الأرض فهذا ما يحمل عليه هذا المعنى ولا معارضة فيه، لما تقدم" (5) أ. هـ.
(1) المسند 2/260، 261.
(2)
الابتهاج فى أحاديث المعراج ص151.
(3)
الآية 15 من سورة النجم.
(4)
جزء من الآية 133 من سورة آل عمران.
(5)
الابتهاج فى أحاديث المعراج ص 150 – 152.
.. وأما ما ذكره محمود أبو رية عن كعب الأحبار؛ فقد عزاه إلى نهاية الأرب، وهو لا يعتمد عليه فى ثبوت الأحاديث، وكلامه وإن ثبت؛ فهو محمول أيضاً على التشبيه، وبقليل من التأمل يتبين لنا أن إدعاء تأثر أبى هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظناً وتخميناً، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيراً لحديث أبى هريرة على ضوء ما فهمه من قوله تعالى:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} (1) .
…
وأما ما زعمه نيازى عز الدين من ورود ذلك الحديث فى التوراة فى "سفر التكوين"؛ فقد سبق وأن بينا أنه ليس فى العقل، ولا فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وما حرف ما الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه، والقرآن الكريم بحكم أنه سلم من التحريف، والتبديل، هو المهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها؛ فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وليس العكس كما يزعم أعداء السنة الشريفة.
…
يقول فضيلة الدكتور أبو شهبة: "وأياً كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعاً، وقد كان الصحابة بذكائهم، وصفاء نفوسهم، وإحاطتهم بالظروف والملابسات التى قيل فيها هذا الحديث وأمثاله، يدركون ما يريده النبى صلى الله عليه وسلم من مثل هذا الحديث الذى قد يشكل ظاهره على البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم - على ما كانوا عليه من حرية الرأى والصراحة فى القول - استشكال مثل هذا الحديث (2) أ. هـ.
(1) الآية 15 من سورة محمد، وانظر: دفاع عن السنة للدكتور أبو شهبة ص 127، 128.
(2)
دفاع عن السنة للدكتور أبو شهبة ص 127.
وبعد
[فإن خبر الآحاد متى ثبت على شرط المحدثين، صار أصلاً من أصول الدين، ولا يحتاج عرضه إلى أصل آخر، لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما، وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه، ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين، حاشا لله من هذا.](1) أ. هـ.
والله تبارك وتعالى
أعلى وأعلم
(1) انظر الأحكام لابن حزم 1/114، وقواعد التحديث للقاسمى ص 98 وراجع إن شئت ما سبق تفصيله فى الجواب عن (شبهة عرض السنة على العقل) و (شبهة عرض السنة على القرآن) ص231-235، 241-249.