الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [3]: حكم المضمضة والاستنشاق
.
• ذكر النووي رحمه الله أنَّ العلماء في هذه المسألة على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنهما سنتان في الوضوء، والغسل، وهو مذهب الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهري، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، ورواية عن عطاء، وأحمد.
واستدل هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته عند أن علمه: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله» ، وهو حديث حسن.
قالوا: ولم يذكر الله تعالى في كتابه المضمضة، والاستنشاق، واستدلوا بحديث:«عشر من الفطرة» ، وذكر منها «المضمضة، والاستنشاق» .
وذكر بعض الفقهاء هذا الحديث بلفظ: «عشر من السنن» ، وقد بين الحافظ رحمه الله في «التلخيص» أنه لم يثبت بهذا اللفظ، والحديث باللفظ المذكور قبلُ أخرجه مسلم (261) عن عائشة رضي الله عنها، ولكنه قد انتُقِد، فقد انتقده الدارقطني في «التتبع» ، وبيَّنَ أنَّ مصعب بن شيبة رواه موصولًا عن عائشة مرفوعًا، وأنَّ سليمان التيمي، وجعفر بن أبي إياس روياه عن طلق بن حبيب من قوله، ومصعب ضعيفٌ، فالصواب في الحديث أنه موقوفٌ من قول طلق بن حبيب.
وقد استدلوا أيضًا بحديث: «المضمضة والاستنشاق سنة» ، أخرجه الدارقطني (1/ 85) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، ففي إسناده:
إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف، وهذان الدليلان -وإنْ صحَّا- لا يفيدان استحباب المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ الفطرة، والسنة أعمُّ من أن تكونَ واجبة، أو مستحبة.
المذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء، والغسل، وشرطان لصحتهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدلوا بالآية:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، والأنف، والفم من الوجه.
المذهب الثالث: واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري.
المذهب الرابع: الاستنشاق واجب في الوضوء، والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر رحمه الله: وبه أقول.
واستدل الموجبون لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصحيحين»
(1)
: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» ، وفي لفظ لمسلم:«فليستنشق بمنخريه من الماء» .
وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي (27)، والنسائي (1/ 67): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا توضأت فاستنثر» ، قالوا: فهذه الأوامر كلها في الاستنشاق، وأما المضمضة فلم يصح فيها أمرٌ، وأما حديث لقيط بن صبرة: «وإذا توضأت
(1)
أخرجه البخاري برقم (162)، ومسلم برقم (237).
فمضمض»، فهذه الزيادة فيها كلام سيأتي إن شاء الله حيث ذكر الحافظ الحديث.
هذا وليعلم أنَّ أهل هذا المذهب لم يقولوا كلهم بوجوب الاستنشاق في الغسل أيضًا، كما هو ظاهرُ نقْلِ النووي؛ فإنَّ ابن حزم قال في «المحلَّى» (198): وقال أحمد بن حنبل، وداود: الاستنشاق، والاستنثار فرضان في الوضوء، وليسا فرضين في الغسل من الجنابة، وليست المضمضة فرض، لا في الوضوء، ولا في الغسل من الجنابة، وهذا هو الحق.
قلتُ: وهذا هو الراجح فيما يظهر لي -والله أعلم- لأنَّ الأدلة المتقدمة في إيجاب الاستنشاق مقيدة بالوضوء.
وأما استدلال الجمهور بحديث: «توضأ كما أمرك الله» ، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: قال أبو محمد بن حزم رحمه الله في «المحلَّى» : وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، فكل ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالله تعالى أمر به.
الوجه الثاني: أنَّ المأمورات الشرعية لم تحصر في دليل واحد، فالأوامر متقدمة تضاف إلى ما ذكره الله في كتابه قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].
وأما قول الحنابلة: (إنَّ الفم، والأنف من الوجه، فوجب المضمضة،