الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
106 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمُعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ المَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
(1)
107 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه -فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ- وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ
(2)
، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(3)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [1]: حكم غسل الكافر إذا أسلم
.
• في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب الغسل مطلقًا، سواء كان أصليًّا، أو مرتدًا، سواء كان جنبًا، أو لا، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، والخطابي،
(1)
ضعيف. أخرجه أبوداود (348)، وابن خزيمة (256) واللفظ لأبي داود.
ولفظ ابن خزيمة من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا من فعله. وفي إسناد الحديث مصعب بن شيبة، وهو ضعيف. وضعف أبو داود حديثه هذا، وعدّه الذهبي في «الميزان» (4/ 120) من مناكيره، وقال أبو زرعة: لا يصح هذا. انظر: «النكت الظراف على تحفة الأشراف» (11/ 439).
(2)
صحيح. أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (6/ 9 - 10) وإسناده صحيح، وفيه «فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين» .
(3)
أصله في «البخاري» (4372)، ومسلم (1764).
وفيه: فانطَلَقَ إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ففيه أن الشهادتين بعد الغسل.
فائدة: قال البيهقي في «سننه» (1/ 171): يحتمل أن يكون أسلم عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم اغتسل ودخل المسجد فأظهر الشهادتين جمعًا بين الروايتين.
واستدلوا بحديث الباب، وبحديث قيس بن عاصم عند أبي داود (355)، والنسائي (1/ 109): أنه أسلم، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يغتسل بماء وسدر، وقد صححه شيخنا رحمه الله في «الجامع الصحيح» ، ورجَّح هذا القول، فبوب على الحديث:[باب الكافر إذا أسلم يغتسل]، وقد رجَّح هذا القول الشوكاني في «نيل الأوطار» ، و «السيل الجرار» ، ورجحه الإمام ابن عثيمين.
القول الثاني: استحباب الغسل؛ إلا إذا كان جُنُبًا، فيجب، وهو قول الشافعي رحمه الله، ورواية عن أحمد، رجَّحها بعض الحنابلة، منهم صاحب «الإنصاف» ، واستدلوا على الاستحباب بالحديثين المتقدمين، وقالوا: الأمر فيهما للاستحباب؛ لأنَّ كثيرًا من الصحابة أسلموا ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل.
وأما غسل الجنابة، وما شابهه، فيجب؛ لأنَّ الإسلام لا يرفع الحدث، وكما أنه يلزمه لرفع الحدث الأصغر الوضوء بلا خلاف، فكذلك يلزمه لرفع الحدث الأكبر الغسل.
القول الثالث: استحباب الغسل مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة؛ لقوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:«الإسلام يهدم ما كان قبله» ، أخرجه مسلم (121) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ للأدلة المتقدمة، ولأنَّ الكافر لا يسلم غالبًا من جنابة تلحقه، وهو لا يغتسل، ولا يرتفع حدثه إذا اغتسل؛ لأنه ليس من أهل العبادات، والعبادة تحتاج إلى نية، ولا تصح من الكافر؛ فَأُقِيمت
مظنَّة ذلك مقام حقيقته، كما أُقِيم النوم مقام الحدث، والتقاء الختانين مقام الإنزال.
وأما قول الشافعية: (أسلم جمعٌ كبير، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل)، فالجواب أنه لم يأمرهم جميعًا بالغسل؛ لأنه أصبح أمرًا مشهورًا عندهم، أنَّ من أسلم وجب عليه الغسل، وأمر بعض الأمة أمرٌ لجميعها.
قال الشوكاني رحمه الله في «السيل» (1/ 123) بعد أن ذكر الحديثين المتقدمين: والظاهر الوجوب، ولا وجه لما تمسك به من قال بعدم الوجوب من أنه لو كان واجبًا لأمر به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من أسلم؛ لأَنَّا نقول: قد كان هذا في حكم المعلوم عندهم، ولهذا فإن ثمامة لما أراد الإسلام ذهب، فاغتسل، كما في «الصحيحين» ، والحكم يثبت على الكل بأمر البعض، ومن لم يعلم الأمر بذلك لكل من أسلم لا يكون عدم علمه حجة له. انتهى.
قلتُ: واستدلال الشافعية على عدم الوجوب؛ لكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر كثيرًا ممن أسلموا بالاغتسال ينقض قولهم في وجوبه على الجنب؛ لأنَّ كثيرًا ممن أسلموا كانوا بالغين، متزوجين، ولم يأمرهم بالغسل.
فإنْ قالوا: كان الاغتسال من الجنابة معلومًا لديهم.
قيل لهم: وكان أيضًا الاغتسال للإسلام معلومًا لديهم، والله أعلم.
وأما استدلال أبي حنيفة بالآية، والحديث، فقد قال النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (2/ 152 - 153): وأما الآية الكريمة، والحديث، فالمراد بهما غفران
الذنوب، فقد أجمعوا على أنَّ الذمي لو كان عليه دَيْنٌ، أو قِصاصٌ، لا يسقط بإسلامه. اهـ.
(1)
تنبيه: في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم في الباب ذكر الاغتسال من الحجامة، والحديث ضعيف؛ فلا يعول عليه، وعليه فلا يشرع الغسل من الحجامة، وما يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: الغسل من الحجامة سنة، وإن تطهرت أجزأك. فلم نقف له على إسناد.
وأما الغسل من غسل الميت فقد تقدم الكلام عليه في [باب نواقض الوضوء] عند حديث رقم (72).
(1)
وانظر: «المغني» (1/ 275 - 276)، «المجموع» (2/ 153)، «نيل الأوطار» (1/ 345 - )«السيل الجرار» (1/ 123)، «توضيح الأحكام» (1/ 380 - 381)، «الشرح الممتع» (1/ 284 - 285).