الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضرر به، فأشبه ما لو كان عليه شمع، أو غيره، وهذا الوجه نصره ابن عقيل الحنبلي.
الثاني: أنه لا يلزمه إزالته، وتصح طهارته؛ لأنَّ هذا يستتر عادة، فلو كان غسله واجبًا؛ لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
والوجه الأول هو الراجح، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجل الذي ترك في قدمه مثل الظفر أن يعيد وضوءه، والله أعلم.
مسألة [20]: حكم مسح الرأس
.
أجمع العلماء على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، كابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وغيرهم.
(1)
مسألة [21]: كم القدر الواجب في مسح الرأس
؟
قال ابن عبد البر رحمه الله في «الاستذكار» (2/ 25): وأما المسح بالرأس؛ فقد أجمعوا أنَّ من مسح برأسه كله فقد أحسن، وعمل أكمل ما يلزمه، على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير الذي لا يقصد إلى إسقاطه متجاوز عنه، لا يضر المتوضي. اهـ
قلتُ: وقد اختلفوا في القدر الواجب على أقوال، قال النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (1/ 399):(فرعٌ) في مذهب العلماء في أقل ما يجزئ من مسح الرأس، وقد ذكرنا أنَّ المشهور من مذهبنا -الشافعية- أنه ما يقع عليه الاسم، وإن قلَّ، وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر رضي الله عنهما، وحكاه أصحابنا عن الحسن البصري، وسفيان الثوري، وداود، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، أشهرها: ربع الرأس،
(1)
انظر: «التمهيد» (4/ 31)، و «المجموع» (1/ 395)، و «شرح مسلم» (3/ 109)، و «المغني» (1/ 175).
والثانية: قدر ثلاث أصابع، والثالثة: قدر الناصية، وعن أبي يوسف: نصف الرأس، وعن مالك، وأحمد، والمزني جميع الرأس على المشهور عنهم، وقال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: إن ترك نحو ثلث الرأس جاز، وهي رواية عن أحمد.
واحتج لمن أوجب مسح جميع الرأس بقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6]، قالوا: وبالباء للإلصاق، كقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، وأيضًا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح على جميع رأسه، وقياسًا على التيمم في قوله تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء:43]، ويجب فيه الاستيعاب.
واحتج من أجاز المسح بما يقع عليه اسم المسح، بأن قوله:{فَامْسَحُوا} يقع على القليل، والكثير، وثبت في «صحيح مسلم» (274)(83)، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح بناصيته، وعمامته. فهذا يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع التقدير بالربع، والثلث، والنصف، وأيضًا فقد صحَّ عن ابن عمر أنه مسح على يافوخه
(1)
، وصحَّ عن سلمة بن الأكوع أنه مسح مقدم رأسه.
(2)
وقالوا: قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، لا نسلم أن الباء ههنا للإلصاق، بل هي للتبعيض، ونقلوا ذلك عن بعض أهل العربية، وقالت جماعة منهم: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، وإن لم
(1)
أخرجه عبد الرزاق (1/ 12) عن معمر، عن أيوب، عن نافع عنه. وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وثبت عند ابن أبي شيبة (1/ 16) من وجه آخر أنه كان يمسح من وسط رأسه إلى مقدمة رأسه.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 16) حدثنا حماد بن مسعدة، عن يزيد، وهو ابن أبي عبيد، عن سلمة به. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.
يتعد فللإلصاق، كقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ} .
وأما قولهم: إنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح جميع الرأس، فقد أجاب عنه الشوكاني في «النيل» (1/ 246)، فقال: وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الْوُجُوبِ وَأَحَادِيثِ التَّعْمِيمِ، وَإِنْ كَانَتْ أَصَحَّ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ أَيْنَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ؟ وَلَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ، وَرُدَّ: بِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ، فَأَفَادَتْ الْوُجُوبَ.
وَالْإِنْصَافُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَإِنْ زَعَمَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي «مُخْتَصَرِهِ» ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُبَاشَرَةِ آلَةِ الْفِعْلِ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِكَ:(ضَرَبْتُ عَمْرًا) عَلَى مُبَاشَرَةِ الضَّرْبِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، فَمَسْحُ رَأْسِهِ يُوجِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ بِوُجُودِ مُجَرَّدِ الْمَسْحِ لِلْكُلِّ، أَوْ الْبَعْضِ. انتهى المراد.
قلتُ: وأما قياسهم على التيمم، فلا يستقيم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد بين وجوب التعميم في التيمم بقوله لعمار رضي الله عنه:«إنما كان يكفيك أن تقول هكذا» ، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسَحَ وجهه وكفيه.
والشاهد: قوله «إنما كان يكفيك» ، فدَلَّ على أنَّ الصفة المذكورة هي المجزئة، وأن غيرها ليست بمجزئة، ولا تكفي.
وقول الشافعي في هذه المسألة هو الراجح فيما يظهر -والله أعلم-، وهو ترجيح ابن حزم، والحافظ، والشوكاني.
(1)
(1)
وانظر: «المغني» (1/ 176)، «شرح العمدة» (1/ 340)، «السيل» (1/ 84)، «الأوسط» (1/ 394)، «المحلى» (2/ 53).