الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقاتل حتى أثبتته الجراحات، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة.. إذا هم به، فقالوا: والله إنّ هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنّه لمنكر لهذا الحديث.
فسألوه: ما جاء بك يا عمرو هنا؟ أحدبا على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت، ثمّ أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثمّ لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إنّه من أهل الجنة» .
(المخردل) بالخاء المعجمة والدال المهملة؛ أي:
المقطع لحمه في الله (ليس له غير القتال) في سبيل الله (عمل) من أعمال الإيمان، فدخل الجنة بمجرد الإيمان، ومن ثمّ كان أبو هريرة يقول: حدّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ قطّ، فإذا لم يعرفه الناس قال: أصيرم بني عبد الأشهل.
ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم والثابتون معه:
ولمّا انكشف المسلمون بسبب مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم.. ثبت صلى الله عليه وسلم بإجماع، فروى البيهقي عن المقداد: (فو الّذي بعثه بالحق؛ ما زالت قدمه شبرا واحدا، وإنّه لفي وجه العدوّ، تفيء إليه طائفة من أصحابه مرة،
وثبتت مع النّبيّ اثنا عشر
…
بين مهاجر وبين من نصر
منهم أبو دجانة وابن أبي
…
وقّاص الّذي افتداه بالأب
وتفترق مرة، فربّما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى انحازوا عنه) .
(وثبتت مع النّبي اثنا عشر) رجلا، ولا ثبوت الجبال الرواسي (بين مهاجر وبين من نصر) من الكماة الأشاوس لحديث البراء في «البخاريّ» :(لم يبق مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا) .
(منهم أبو دجانة) سماك بن خرشة المتقدم؛ فإنّه ترّس بنفسه دونه صلى الله عليه وسلم، يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النّبل. (و) سعد (بن أبي وقّاص) بن أهيب بن عبد مناف «1» (الذي افتداه)
(1) يكنى أبا إسحاق، دعا له صلى الله عليه وسلم بقوله:«اللهمّ؛ استجب لسعد إذا دعاك» رواه الترمذي وابن حبان والحاكم، فكان دعاؤه أسرع الدعاء إجابة، وممّا شوهد في إجابة دعائه: ما رواه الإمام البخاري بسنده إلى جابر بن سمرة قال: (شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنّه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق؛ إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أمّا أنا والله.. فإنّي كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها، أصلّي صلاة العشاء فأركد- أي: أطول- القيام في الأوليين، وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلّا سأل عنه، ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقال رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا.. فإنّ سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله؛ لأدعونّ بثلاث: اللهمّ؛ إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة.. فأطل-
وطلحة وفيه شلّت يده
…
إذ اتّقى النّبل بها يصمده
رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالأب) ففي «صحيح البخاريّ» بسنده إلى عبد الله بن شدّاد قال: سمعت عليّا يقول: ما سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإنّي سمعته يقول يوم أحد:«يا سعد؛ ارم، فداك أبي وأمي» .
(و) منهم (طلحة) بن عبيد الله الجواد بنفسه، الفياض بماله، من قضى نحبه، وأرضى ربه، ففي الصحيح بسنده إلى قيس قال: رأيت يد طلحة شلّاء، وقى بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد؛ فقد قاتل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالا شديدا حين أحدق به المشركون من كل ناحية، وصار يذبّ بالسيف من بين يديه ومن ورائه، وعن يمينه، وعن شماله، يدور حوله، ويترّس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن هو إلّا جنة بنفسه عن رسول الله حتى انكشفوا (وفيه) أي: النّبيّ صلى الله عليه وسلم (شلّت يده) بالبناء للفاعل والمفعول: أصابها الشلل، وهو فساد اليد (إذ اتّقى) أي: لأنّ طلحة كان اتقى (النبل) والسهام (بها) أي: بيده
عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. قال: أي: عبد الملك بن عمير أحد الرواة-: وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنّه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهنّ) اهـ ورواه أيضا مسلم، وأبو داوود، والنسائي. مات سعد بالعقيق من المدينة المنوّرة، ودفن بالبقيع سنة بضع وخمسين من الهجرة. رضي الله تعالى عنه. اهـ
وتحته جلس أن جهضه
…
درعاه والجراح فاستنهضه
حال كون النبل (يصمده) بضم الميم؛ أي: يقصد النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
(وتحته) صلى الله عليه وسلم (جلس) أي: طلحة، فرفعه حتى استوى على الصخرة (أن جهضه درعاه) أي: غلبه عن الصعود درعاه، وكان ظاهر عليه الصلاة والسلام بين درعين (و) غلبته (الجراح) التي أصابته ذلك اليوم عن الصعود (فاستنهضه) أي: أراد منه بذلك الفعل: أن ينهض عليه الصلاة والسلام، ويقوى على الصعود.
وفي طلحة يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه:
حمى نبيّ الهدى والخيل تتبعه
…
حتى إذا ما التقوا حامى على الدّين
صبرا على الطعن إذ ولّت جماعتهم
…
والناس ما بين مهزوم ومفتون
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت
…
لك الجنان وكم زوّجت من عين
يشير بقوله: (يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت) إلى قوله صلى الله عليه وسلم لطلحة في ذلك اليوم: «أوجب طلحة» أي: أحدث أمرا يستوجب به الجنة، قالوا: وكان لطلحة يومئذ المقام المحمود.
وفي هذا اليوم سمّاه طلحة الخير؛ رضي الله تعالى عنه، قال في «الهمزية» :
والعمران وعليّ وعفا
…
إلهنا عن الّذي منهم هفا
وثبتت نسيبة المبايعه
…
قبل وعن خير الورى مدافعه
طلحة الخير المرتضيه رفيقا
…
واحدا يوم فرّت الرّفقاء
فقد كان رضي الله عنه أعظم الناس غناء ودفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(و) ثبت معه صلى الله عليه وسلم (العمران) : أبو بكر وعمر (وعليّ) بن أبي طالب (وعفا إلهنا) بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (عن الذي منهم هفا) أي: زلّ، يقال: هفا الرجل: زل، وهي الهفوة، للزلة والسقطة، ومنه لكل عالم هفوة، والإنسان كثير الهفوات، والزلّة في قول المؤمنين الذين جالوا يومئذ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا وأولى بالعفو من لم يقل، وهذا بناء على ما قيل: إنّ الآية نزلت في جميع المؤمنين الذين جالوا، وقيل: نزلت في الذين جالوا دون الذين قالوا تلك المقالة، كعثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان من بني زريق، وعليه فهفا: بمعنى أسرع.
قال في «القاموس» : هفا يهفو هفوا وهفوة: أسرع وخفّ.
(وثبتت) مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم (نسيبة) بالتكبير، كما ضبطه غير واحد، وهي أم عمارة بنت كعب
المازنية «1» (المبايعة) رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجها زيد بن عاصم (قبل) أي: قبل أحد، وذلك بالعقبة الثانية، ولم يشهدها من النساء إلّا هي وأختها، كما قاله في «الإصابة» .
(وعن خير الورى مدافعه) بالسيف ضربا، والقوس رميا، دفاع الكماة الأبطال رضي الله عنها، فإنّها قالت:
خرجت أوّل النهار، حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذبّ عنه صلى الله عليه وسلم بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت- أي: وصلت- الجراح إليّ، أصابني ابن قمئة أقمأه الله، لما ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممّن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ثلاث ضربات، ولكن عدوّ الله كان عليه درعان.
قالت أم سعد بنت سعد بن الرّبيع: فرأيت على عاتقها
(1) من بني مازن بن النجار الأنصارية، قال أبو عمر:(شهدت العقبة وأحدا مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وجرحت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وحبيب هو الذي أرسله النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب بكتاب، فقال له: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فيقول: أنا أصم، قال له ذلك مرارا، فقطعه- لعنه الله- عضوا عضوا) اهـ