الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي هذه القصة فرط شجاعته صلى الله عليه وسلم، وقوة يقينه، وقوة صبره على الأذى، وقوة حلمه على الجهال، عليه الصلاة والسلام من ذي الجلال.
قصة جابر وجمله مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
فائدة:
في انصرافه صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله، فنخسه صلى الله عليه وسلم، فانطلق متقدما بين يدي الركاب، ثمّ قال:«أتبيعنيه؟» فابتاعه منه وقال:
«لك ظهره إلى المدينة» فلمّا وصل.. أعطى الثمن، وزاد، ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاريّ، قال الزرقانيّ:(في عشرين موضعا، لكن لم يقع فيه: أنّه في ذات الرقاع) .
قال ابن إسحاق: (وحدّثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلمّا قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال:
جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«ما لك يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ أبطأ بي جملي هذا، قال:
«أنخه» قال: فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثمّ قال: «أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شجرة» قال: ففعلت، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخسه بها نخسات، ثمّ قال:«اركب» فركبت، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة «1» ، قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي:
«أتبيعني جملك هذا يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ بل أهبه لك، قال:«لا، ولكن بعنيه» قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال:«قد أخذته بدرهم» قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله، قال:«فبدرهمين» قال: قلت:
لا، قال:«فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية» قال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: «نعم» قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» .
قال: ثمّ قال: «يا جابر؛ هل تزوجت بعد؟» قال:
قلت: نعم يا رسول الله، قال:«أثيّبا أم بكرا؟» قال:
قلت: لا، بل ثيّبا، قال:«أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ إنّ أبي أصيب يوم أحد، فترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهنّ،
(1) المواهقة: أن تسير مثل سير صاحبك، قال في «النهاية» :(وفي حديث جابر: «فانطلق الجمل يواهق ناقته مواهقة» أي: يباريها في السير، ويماشيها، ومواهقة الإبل: مد أعناقها في السير) اهـ
وتقوم عليهنّ، قال:«أصبت إن شاء الله، أما إنّا لو قد جئنا صرارا «1» .. أمرنا بجزور، فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها» قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال:«إنّها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا» .
قال: فلمّا جئنا صرارا.. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأقمنا عيها ذلك اليوم، فلمّا أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. دخل ودخلنا، قال:
فحدثت المرأة الحديث! وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك سمعا، وطاعة، قال: فلمّا أصبحت.. أخذت برأس الجمل فأقبلت به.. حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمّ جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: «ما هذا؟» قالوا: يا رسول الله؛ هذا جمل جاء به جابر، قال:«فأين جابر؟» قال: فدعيت له، قال: فقال: «يا ابن أخي؛ خذ برأس جملك، فهو لك» ودعا بلالا، فقال له:«اذهب بجابر، فأعطه أوقية» قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئا يسيرا، قال:
فوالله؛ ما زال ينمى عندي «2» ، ويرى مكانه من بيتنا، حتى
(1) موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(2)
من نمى المال زاد.
أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة.
قال السهيلي: (ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعا: أنّه عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئا عبثا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة، اشتراء الجمل منه، ثمّ أعطاه الثمن، وزاده، ثمّ ردّ الجمل عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء، ولا شرط توصيل، فالحكمة فيه بديعة جدا، فلتنظر بعين الاعتبار) .
وذلك: أنّه سأله: «هل تزوجت؟» ثمّ قال: «هلا بكرا» فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات، وقد كان عليه الصلاة والسلام أخبر جابرا بأنّ الله قد أحيا أباه، وردّ عليه روحه، وقال: ما تشتهي فأزيدك، فأكد صلى الله عليه وسلم هذا الخبر بمثل ما يشبهه:
فاشترى منه الجمل وهو مطيته كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة، ونفس الإنسان مطيته.
ثمّ زادهم زيادة فقال لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.
ثمّ رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً.
فأشار صلى الله عليه وسلم باشتراء الجمل من جابر، وإعطائه الثمن وزيادته، ثمّ رد الجمل المشترى عليه، أشار بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه، فتشاكل الفعل مع الخبر، كما تراه، وحاشا لأفعاله