الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبأبيّ مرّ بعد ابن عمر
…
وهو الّذي رماه خالق البشر
جعلوها منقادة بجانبهم- وامتطوا الإبل- أي: ركبوا مطاها، وظهورها- فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل.. فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها.. لأسيرنّ إليهم، ثمّ لأناجزنّهم فيها» قال علي، أو سعد: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؟ فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكّة، بعد ما تشاوروا في نهب المدينة، فأشار عليهم صفوان أن لا تفعلوا، فإنّكم لا تدرون ما يغشاهم.
ثمّ فرغ الناس لقتلاهم فهناك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من رجل ينظر لنا ما فعل سعد بن الرّبيع
…
»
الحديث، وقد تقدم.
مقتل أبيّ بن خلف لعنه الله:
(وبأبيّ) يتعلق بقوله: (مرّ) أي: مر بأبيّ بن خلف الجمحيّ (بعد) أي: بعد وقعة أحد، سيدنا عبد الله (بن عمر) رضي الله عنه (وهو) أي؛ أبيّ (الذي رماه) حقيقة (خالق البشر) جلّت قدرته، وكان في الرّمية حتفه، قال تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وفي ذلك نزلت، وقيل: في القبضة التي رمى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بها المشركين يوم بدر.
وكان من حديث أبيّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا لقيه بمكّة يقول: يا محمّد؛ إنّ عندي العوذ- يعني فرسا-
أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فيقول له النّبيّ صلى الله عليه وسلم:«بل، أنا أقتلك إن شاء الله» فلمّا انحاز المسلمون عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان يقيه مصعب بن عمير فقتله ابن قمئة.. جاء أبيّ وهو يقول: أين محمّد؟
لا نجوت إن نجا، فاعترضه رجال من المسلمين، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يخلّوا طريقه.
قال الزّبير: وكان معي حربة، فأخذها مني «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء- وهي ذباب صغير له لدغ- عن ظهر البعير إذا انتفض، فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبيّ بين سابغة الدرع والبيضة؛ فطعنه فيها، فوقع عن فرسه صريعا، ولم يخرج من طعنته دم، فأدركه المشركون وارتثّوه «2» وله خوار، وهو يقول: قتلني والله محمّد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس، فقال: إنّه قد كان قال لي بمكّة: أنا أقتلك، والله لو بصق علي.. لقتلني، فقفلوا به نحو مكّة وهو يقول: والذي نفسي بيده، لو أنّ الذي بي بأهل المجاز.. لماتوا أجمعون، ومات عدوّ الله بسرف- ككتف- موضع قريب من التنعيم، وظهر بهذا أنّ قوله:(وهو الذي رماه خالق البشر) جملة معترضة بين قوله: (مرّ بعد ابن
(1) ويقال: أخذها من الحارث بن الصمّة.
(2)
أي: حملوه من المعركة.
مسلسلا صديان فاستسقاه
…
والسّقي عنه ملك نهاه
ومرّ أيضا بأبي جهل لدى
…
بدر به أضرّ لاعج الصّدى
عمر) وبين الحال، وهو قوله:
(مسلسلا) أي: مجعولا فيه السلسلة من الحديد، وحال كونه (صديان) أي: عطشان (فاستسقاه) أي: طلب منه السقي، (والسقي عنه) متعلق بقوله:(نهاه) الواقع خبرا لقوله: (ملك) بفتح اللام، من الملائكة لم يعيّن (نهاه) فقال لابن عمر: لا تسقه؛ فإنّه كافر.
(ومرّ) سيدنا عبد الله بن عمر (أيضا بأبي جهل لدى) أي: عند (بدر به) يتعلق بقوله: (أضر لاعج) هو مضاف إلى (الصّدى) بفتح الصاد؛ أي: العطش، من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الصدى اللاعج؛ أي: المحرق، قال في «القاموس» : لعج الجلد: أحرقه، والبدن ألمه.
أشار رحمه الله في هذه الأبيات إلى ما ذكره الثعالبيّ عند قوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً بسنده إلى عبد الله بن عمر، والزرقاني في «شرح الموطأ» عند حديث:
(الواحد شيطان) .
قال الثعالبيّ: قال أبو عمر في كتاب «التمهيد» مسندا إلى سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: خرجت مرة فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة، ومعي إداوة من ماء، فلمّا رآني.. قال:
يا عبد الله؛ اسقني، قال: فقلت: عرفني فدعاني باسمي،
أو كلمة تقولها العرب: يا عبد الله- إذ خرج على إثره رجل من القبر، فقال: يا عبد الله؛ لا تسقه؛ فإنّه كافر، ثمّ أخذ السلسلة، فاجتذبه فأدخله القبر.
قال: ثمّ أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بول وما بول، شنّ وما شن؟
فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجا لي، وكان إذا بال لم يتّق البول، وكنت أقول له: ويحك! إنّ الجمل إذا بال..
تفاجّ، وكان يأبى، فهو ينادي من يوم ما مات: بول وما بول؟ قلت: فما الشن؟ قالت: جاء رجل عطشان، فقال: اسقني، فقال: دونك الشنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، وهو ينادي منذ مات: شنّ وما شن.
فلمّا قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
أخبرته، فنهى أن يسافر الرجل وحده.
قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به، ولكن للاعتبار، وما لم يكن حكم، فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء.
وذكر الثعالبيّ أيضا عن الوائليّ نحوه، وزاد: أنّ الرجل الأول هو أبو جهل، قال الثعالبي:(وذكرنا الحكاية الأولى عن الوائلي في (سورة اقرأ) بغير هذا السند، وأنّ الرجل الأول هو أبو جهل) اهـ