الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمّ إلى الفتح الخزاعيّ ذمر
…
عشرة آلاف فعزّ وانتصر
وسببها: ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أرباب السير، من نقض قريش للعهد الذي وقع بالحديبية.
وخلاصة ذلك: أنّه كان بين بني بكر- وقد دخلت في عقد قريش- وبين خزاعة- وقد دخلت في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة وحروب في الجاهلية، فلمّا ظهر الإسلام.. تشاغلوا عن ذلك حتى كانت هدنة الحديبية، فخرج نوفل بن معاوية الدّيلي، من بني بكر في بني الدّيل، حتى بيّت خزاعة- أي: جاءهم ليلا على ماء لهم، يقال له: الوتير، بناحية عرنة- فأصاب منهم رجلا، ولمّا علمت بهم خزاعة..
اقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال، وأمدّت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعض من قريش معهم ليلا في خفية.
قدوم عمرو بن سالم الخزاعي على الرسول صلى الله عليه وسلم:
ولمّا انتهى القتال خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ في أربعين راكبا من خزاعة.. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم، ويستنصرونه، فقال صلى الله عليه وسلم:«لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي» وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(ثمّ إلى الفتح) لأم القرى عمرو بن سالم (الخزاعي ذمر) بوزن نصر؛ أي: حضّ وحثّ (عشرة آلاف) من المسلمين (فعزّ) أي: غلب الخزاعيّ (وانتصر)
وهو الّذي تهلّلت لنصره
…
سحابة ومن بليغ شعره
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا
…
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فإنّه صلى الله عليه وسلم أجابه بقوله: «نصرت يا عمرو بن سالم» .
وخرج بذلك العدد لقتال قريش لمّا علم أنّهم نقضوا العهد الذي كان أبرم يوم الحديبية بقتال حلفائه خزاعة، وتقدم أنّ خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام (وهو) أي: الخزاعيّ (الذي تهلّلت) :
تلألأت (لنصره سحابة) وهي: قطعة من الغيم، وقال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنّ هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» يعني خزاعة، وقال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن سالم وأصحابه:«ارجعوا وتفرّقوا في الأودية» فرجعوا وتفرّقوا؛ فذهبت فرقة إلى الساحل، وفرقة لزمت الطريق، وقصد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاء أمر مجيئهم.
(ومن بليغ شعره) أي: ومن شعر الخزاعيّ البليغ الذي يذكر فيه الحلف القديم، ونقض بني بكر للعهد، وتعدّيهم عليهم، وحثّ المسلمين على قتالهم وغير ذلك.. قوله وقد دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا ربّ إنّي ناشد) طالب (محمّدا) صلى الله عليه وسلم (حلف أبينا وأبيه) يريد عبد المطلب (الأتلدا) أي: الحلف القديم الذي بيننا.
وذلك: أنّ خزاعة كانت حلفاء عبد المطلب بن هاشم، ناصروه على عمه نوفل بن عبد مناف؛ فإنّ المطلب لمّا مات.. وثب نوفل على أفنية كانت لعبد المطّلب، واغتصبه إياها، فاستنهض لردّها همم قومه، واستدرّ عطفهم، فلم ينهض معه أحد منهم، وأبوا أن يدخلوا بين عبد المطّلب وبين عمه نوفل، فكتب إلى أخواله بني النجار، فجاء منهم سبعون راكبا، فقالوا لنوفل: وربّ البنيّة؛ لتردّنّ على ابن أختنا ما أخذت، وإلّا.. ملأنا منك السيف، فردّه، ثمّ حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم بهذا الحلف؛ فإنّهم وقفوه على كتاب عبد المطّلب، وهو مذكور بنصه في «السيرة الحلبية» للعلّامة ابن برهان الحلبي، ولأجل ذلك ذكّره الخزاعيّ بقوله:(حلف أبينا وأبيه الأتلدا) وهذا البيت ضمنه الناظم من أبيات للخزاعيّ، وهي:
قد كنتم ولدا وكنّا والدا «1»
…
ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا «2»
(1) ولدا الأول يضبط بضم الواو في الولد، وبفتح الواو بعدها ألف في قوله:(وكنا والدا) قال السهيلي: (يريد أنّ بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية) والولد بمعنى الولد.
(2)
قوله: (ثمت أسلمنا) هو من السلم؛ لأنّهم لم يكونوا آمنوا بعد، غير أنّ قوله:(ركعا وسجدا) يدل على أنّه كان فيهم من صلّى لله، فقتل. من «الروضة» . وأراد بقوله:(ولم ننزع يدا) أي: لم نخرج يدا عن طاعتك، ولم ينتقض ما بيننا من الحلف.
فانصر هداك الله نصرا أيّدا «1»
…
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا
…
أبيض مثل السّيف يسمو صعدا
إن سيم «2» خسفا وجهه تربّدا
…
في فيلق «3» كالبحر يجري مزبدا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا
…
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء «4» رصدا
…
وزعموا أن لست أدعو أحدا «5»
وهم أذلّ وأقلّ عددا
…
هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتلونا ركّعا وسجّدا
(1) وفي رواية: (نصرا أعتدا) بضم الهمزة، وسكون المهملة، وكسر الفوقية؛ أي: أحضر، وهو من الشيء العتيد، وهو المهيّأ الحاضر، وضبط بهمز الوصل مع فتح الفوقية؛ أي: نصرا تاما متعديا إلينا.
(2)
أي: إن قصد بذلّ له أو لأحد من أهل عهده.. تربد وجهه وتغير؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم لا يرضى الضيم والنقص. اهـ
(3)
الفيلق بتقديم الياء على اللام كالجحفل: الجيش العظيم، وجمعه فيالق.
(4)
بفتح الكاف والمد: اسم لأعلى مكة بالحجون.
(5)
قال العلّامة الأشخر في «شرح البهجة» : (أشار بقوله: «لست أدعو» أي: أعبد أحدا.. إلى قول نوفل بن معاوية الديلي حيث قال له بنو بكر: يا نوفل؛ إنّا دخلنا الحرم؛ أي: وقتلنا خزاعة فيه، إلهك إلهك؛ أي: خف منه، فقال: إنّه لا إله له اليوم، أصيبوا آثاركم فيه) ذكره البغوي. وقوله: (هجّدا) جمع هاجد، بمعنى نائم. اهـ
لدعوة النّبيّ أخّر الخبر
…
عن مكّة فلم يورّ بل جهر
(لدعوة) أي: لأجل دعاء (النّبيّ) صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:«اللهمّ؛ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها» وفي رواية: «خذ على أسماعهم وأبصارهم، فلا يرونا إلّا بغتة، ولا يسمعون بنا إلّا فجأة» (أخّر الخبر) بالبناء للمفعول: أي: أخّر الله تعالى خبر خروجه صلى الله عليه وسلم (عن) أهل (مكة) وهذا يقتضي أنّه صدر منه صلى الله عليه وسلم الخبر بقصد الغزو، إلّا أنّ هذا الخبر لم يصل إلى العدوّ، ولذا قال الناظم:
(فلم يورّ) من التّورية: إذا أظهر شيئا وأراد غيره، بل لمّا أعلم أصحابه بالمسير إلى مكة.. أمرهم بالتجهيز والجدّ في الأمر، وكان من هديه عليه السلام في غزوه: أنّه كان إذا أراد غزوا.. ورّى فيه، إلّا هذه وتبوك؛ لحكمة علمها صلى الله عليه وسلم، وساس الناس بها، فكان القدوة الحسنة، والمثل الأعلى لمن بعده (بل جهر) صلى الله عليه وسلم بذلك وأمر أهله أن يجهّزوه، ودخل أبو بكر على ابنته وهي تغربل حنطة، وتصنع في جهاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
أي بنيّة؛ أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه؟
قالت: نعم، فتجهّز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري؛ أي: أنّها لا تعلم وجهة قصده للغزو، وهذا كان في أول الأمر، ثمّ بعد ذلك أعلم الناس، وأعلن بالوجه الذي يريده، وهو قريش بمكة.