الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأصبح النّاس ولا ماء لهم
…
فأرسل الله سحابة تؤم
فليحمل المرور على كونه بعد النزول، وقوله ذلك لهم.
الثّاني:
ما ذكره الناظم من حديث الرجلين، وأنّ ذلك كان بالحجر هو ما رواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وهو لا ينافي حديث أبي حميد في «الصحيحين» :
(انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله» فهبّت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتّى ألقته بجبلي طيئ) لأنّه يحتمل أنّهما قصتان: إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها اليعمريّ تبعا لابن إسحاق، والثانية بتبوك، وهي التي في «الصحيحين» .
ويؤيّد التعدد أنّ في الأولى رجلين، وفي الثانية رجلا، وتحتمل الاتحاد، وأنّ قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك، فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحاق، والله أعلم بحقيقة الحال.
آية وقعت بالحجر استجابة لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم:
ثمّ أشار الناظم إلى آية وقعت وهم في الحجر أحوج ما يكونون إليها، ازداد بها المؤمنون إيمانا إلى إيمانهم، وزاد بها المنافقون نفاقا فقال:
(ف) بينما القوم بالحجر إذ (أصبح الناس و) الحال أنّه (لا ماء لهم) ، فشكوا حالهم تلك للنّبيّ صلى الله عليه
وسلم، فدعا (فأرسل الله) بفضله (سحابة) غزيرة بالماء (تؤم) أي: تقصدهم، حتى شربوا وحملوا ما أرادوا.
قال ابن إسحاق مفرّعا على مرورهم بالحجر: (فلمّا أصبح الناس ولا ماء معهم.. شكوا ذلك له صلى الله عليه وسلم، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء) .
وقال أيضا: حدّثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل قال: (كان رجل معروف نفاقه يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما سار، فلمّا كان من أمر الحجر ما كان، ودعا صلى الله عليه وسلم فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس.. أقبلنا عليه نقول:
ويحك! هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة) اهـ
وقال في «شرح المواهب» : (روى الإمام أحمد، وابنا خزيمة وحبّان، والحاكم، عن عمر قال: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا، وأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أنّ رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ إنّ الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا، قال:«أتحب ذلك؟» قال:
نعم، فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء
فأظلت، ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثمّ ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) .
قال العبد الضعيف: فهذا يؤيد ظاهر النظم، أنّ هذه الآية كانت بالحجر، وأمّا ما رواه ابن أبي حاتم. عن أبي حرزة قال:(نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثمّ ارتحل ونزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه صلى الله عليه وسلم، فقام فصلّى ركعتين، ثمّ دعا، فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصاريّ لآخر من قومه يتّهم بالنفاق: ويحك! قد ترى ما دعا صلى الله عليه وسلم حتى أمطر الله علينا السماء، فقال: إنّما مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فأنزل الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .. فيمكن الجمع بأن قول الناظم: (فأصبح الناس) أي: بعد أن ساروا ونزلوا منزلا بعد الحجر، وكذا قول ابن إسحاق يحمل عليه، وأنّه لمّا طلب منه أبو بكر الدعاء.. صلّى ثمّ مدّ يديه ودعا، والله أعلم.
هذا وقد ورد من الأحاديث والأخبار الثابتة في استسقاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربّه لأمته، ومسارعته تعالى له في استجابة ما طلب لمّا دهمتهم الخطوب والنوائب، ونزل بهم ما لا يطيقون من الفزع والشكوى الشيء الكثير، فمن ذلك ما رواه الإمام البيهقي في «دلائل النبوة» عن أنس رضي الله عنه: أنّ أعرابيا جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله؛ أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط، ثمّ أنشد:
أتيناك والعذراء يدمي لبانها
…
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفّيه الفتيّ استكانة
…
من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا
…
سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلّا إليك فرارنا
…
وأين فرار الناس إلّا إلى الرسل
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال:
«اللهمّ؛ اسقنا غيثا مغيثا، مريعا، غدقا، طبقا، نافعا، غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها» قال: فما ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يديه حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاء الناس يضجون: الغرق الغرق، فقال صلى الله عليه وسلم:
«حوالينا ولا علينا» فانجاب السحاب عن المدينة، وضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثمّ قال:( «لله در أبي طالب، لو كان حيا.. لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟» ) فقال علي رضي الله عنه: كأنّك تريد قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
…
ثمال اليتامى عصمة للأرامل