الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معارضة دريد بن الصمّة لمالك بن عوف النصري:
فلمّا نزل بأوطاس.. اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصّمة شيخ كبير مجرّب، زاد عمره على المئة، وعمي بصره، فلمّا نزل.. قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن «1» ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل:
هذا مالك، ودعي له فقال: يا مالك؛ إنّك قد أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟
قال: سقت مع الناس أموالهم، وأبناءهم، ونساءهم، قال:
ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله؛ ليقاتل عنهم، قال: فانقضّ به دريد «2» ، ثمّ قال:
راعي ضأن والله، ما له وللحرب، وصفّق بإحدى يديه على الأخرى تعجّبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنّها إن كانت لك.. لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك..
فضحت في أهلك ومالك.
(1) الحزن: ما غلظ من الأرض، والضرس: ما صلب من الأرض، والسهل: ضد الحزن، والدهس: اللين كثير التراب.
(2)
يريه أنّه نقر بلسانه في فيه، كما يزجر الشاة أو الحمار.
ثمّ قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قال: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحدّ والجدّ «1» ، ولو كان يوم علاء ورفعة..
لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ولوددتم أنّكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك؛ إنّك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم، ثمّ الق الصّبّاء «2» على متون الخيل، فإن كانت لك..
لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك.. ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: لا والله؛ لا أفعل ذلك؛ إنّك قد كبرت وكبر عقلك، والله؛ لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأتكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد بن الصمّة فيها ذكر أو رأي، قالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمّة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع
…
أخبّ فيها وأضع
أقود وطفاء الزّمع
…
كأنّها شاة صدع
(1) الحد والجد: الأول بفتح الحاء المهملة، والثّاني بالمعجمة المكسورة: ضد الهزل، وبفتحهما: الحظ.
(2)
جمع صابئ، يريد: جماعة المسلمين؛ لأنّهم صبئوا عن دينهم الجاهلي إلى الإسلام.