الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فدخلت على أم سلمة بالمدينة، فأعلمتها أنّها جاءت مهاجرة، وتخوّفت أن يردها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا دخل رسول الله على أم سلمة.. أعلمته، فرحب بأم كلثوم وسهّل، فجاء في طلبها أخواها: الوليد وعمارة ابنا عقبة، فأراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يردها للعهد، فقالت:
يا رسول الله؛ أتردني على المشركين؟ ويحلّون مني ما حرّم الله، ويفتنوني عن ديني؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
فلم يردّها، وتزوجها زيد بن حارثة، فقتل عنها، ثم خلف عليها الزّبير، فولدت له زينب، ثمّ خلف عليها عبد الرّحمن بن عوف، فولدت له: محمّدا، وإبراهيم، وإسماعيل، وحميدا، وكلهم روى الحديث.
وفي «البخاري» : (ولا نعلم امرأة من المسلمين ارتدّت إلى الكفار) .
نزول سورة الفتح:
واعلم: أنّ مدة إقامتهم بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل أكثر من ذلك، ثمّ قفل بهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم يريد
و (سورة الفتح) لدى القفول
…
أنزلها الله على الرّسول
المدينة، وفي نفوس أصحابه بعض شيء من عدم الفتح الذي كانوا لا يشكّون فيه، ولولا إيمانهم»
الصحيح، وثقتهم بهذا النبيّ الأمين.. لما رجعوا، فأنزل الله تعالى (سورة الفتح) كما قال الناظم:
(وسورة الفتح) وهي: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ إلى آخرها (لدى القفول) أي: عند الرجوع إلى المدينة، بجبل على بريد من مكة، يقال له:
ضجنان «2» ، بوزن سكران (أنزلها الله) بتمامها (على
(1) حتى قال عمر رضي الله عنه كما في «طبقات ابن سعد» -: (لقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة على صلح، وأعطاهم شيئا، لو أنّ نبي الله أمّر عليّ أميرا فصنع الذي صنع نبي الله.. والله؛ ما سمعت له ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم: أنّ من لحق من الكفار بالمسلمين.. يردونه، ومن لحق بالكفار.. لم يردوه) اهـ
(2)
عند هذا الجبل واد كان عمر بن الخطاب يرعى فيه إبلا لوالده، روي عنه أنّه قال في انصرافه من حجته التي لم يحج بعدها:(الحمد لله، ولا إله إلّا الله، يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادي- يعني ضجنان- أرعى إبلا للخطاب، وكان فظّا غليظا يتعبني إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت، وليس بيني وبين الله أحد أخشاه) ثمّ تمثل فقال:
لا شيء ممّا نرى تبقى بشاشته
…
يبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه
…
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
…
والجن والإنس فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها
…
من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنا لك مورود بلا كذب
…
لا بد من ورده يوما كما وردوا
وكان عمر رضي الله عنه يستعذب الشعر الفحل، ويستشهد به، وقد أوصى بالاعتداد به، فقال:(رووا أولادكم الشعر.. تتهذب طباعهم، وترق ألسنتهم) وفيه تشجيع للأدب البريء، وكان له نظر في الشعراء، قال يوما لبعض جلسائه:(من أشعر الناس؟) فأجاب-
الرسول) صلى الله عليه وسلم؛ إعلاما بأنّ عهد الحديبية هو الفتح المبين، وتسلية لهم، وتذكيرا لهم بنعمه عز وجل.
ولمّا نزلت جمع عليه الصلاة والسلام الناس، وقرأ عليهم: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الآية.. فقال رجل:
يا رسول الله؛ أو فتح هو؟ قال: «إي والذي نفسي بيده؛ إنّه لفتح» .
قال في «شرح المواهب» : (روى موسى بن عقبة في حديثه عن الزّهري، وأخرجه البيهقيّ عن عروة قال: أقبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم راجعا، فقال رجل من أصحابه:
ما هذا بفتح؛ لقد صددنا عن البيت، وصدّ هدينا، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغه ذلك صلى الله عليه وسلم، فقال: «بئس الكلام! بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظهركم الله عليهم، وردّكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟
أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا؟» فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هو أعظم
- كل بما عنده، فقال:(أشعرهم من يقول: من ومن) يعني زهير بن أبي سلمى. اهـ