الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس
…
إذ غاظهم إطلاقه عن كلّ بؤس
فإن قيل: القرآن نزل بلسان العرب، و «عسى» ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبا.
قلنا: «عسى» تعطي الترجّي مع المقاربة، ولذا قال:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ومعناه الترجّي مع الخبر بالقرب، كأنّه قال: قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إلى العبد، والخبر عن القرب مصروف إلى الله، وخبره حق، ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر فهو الواجب دون الترجّي، الذي هو محال على الله تعالى) اهـ باختصار.
قال العبد الفقير كان الله له: وفي قصة سيدنا أبي لبابة هذه ما يرشد إلى قويّ إيمانه، وعظيم إخلاصه، ممّا لا يبالي أن يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى ورضاء رسوله، فيعذبها ذلك العذاب، وينظر إليها بتلك النظرة. وتأمل قوله:(لا أبرح من مكاني هذا حتى أموت أو يتوب الله عليّ) تعلم أنّ نفسه عليه رخيصة في جانب الله عز وجل، وأنّه من الذين أضافوا إلى جهاد الكافرين جهاد أنفسهم. فرضي الله عن الصحابة وأرضاهم، وبلغنا بهم لحوقهم، آمين.
تحكيم سعد بن معاذ في قريظة:
(و) لما يئس بنو قريظة بعد اشتداد حصارهم.. أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ف (حكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام للوزن، وهو: أبو عمرو سعد بن معاذ سيد الأوس.
لابن أبيّ حلفاء الخزرج
…
وكان في التّحكيم حسم الهرج
وفي «صحيح البخاري» : فردّ الحكم إلى سعد.
قال في «الفتح» : (كأنّهم أذعنوا النزول على حكم المصطفى، فلمّا سأله الأنصار فيهم.. ردّ الحكم إلى سعد) وهذا هو مراد الناظم بقوله: (إذ غاظهم) أي: الأوس، وفاعل غاظ (إطلاقه) أي: إطلاق النّبيّ صلى الله عليه وسلم، يعني: وإنّما ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحكم إلى سعد؛ لأنّ قومه الأوس كان غاظهم أن يطلق النّبيّ صلى الله عليه وسلم (عن كل بؤس) هو ضد النعيم (لابن أبيّ) عبد الله وهو يتعلق بالإطلاق العامل النصب في قوله: (حلفاء الخزرج) وهم بنو قينقاع.
قال ابن إسحاق: (لمّا أصبح بنو قريظة.. نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؛ إنّهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت- وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له- فلمّا كلّمته الأوس.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكّم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذلك إلى سعد بن معاذ» .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رفيدة- بالتصغير- الأسلمية في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة؛ حتى أعوده من قريب، فلمّا حكّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة.. أتاه قومه، فحملوه على حمار قد وطّؤوه له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو؛ أحسن في مواليك؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما ولّاك ذلك لتحسن فيهم.
فلمّا أكثروا عليه.. قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد؛ عن كلمته التي سمع منه.
فلمّا انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» فأمّا المهاجرون من قريش.. فيقولون: إنّما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، وأمّا الأنصار..
فيقولون: قد عمّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أي: أنصارا ومهاجرين- فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو؛
وحملوا سعدا على حمار
…
من المدينة إلى المختار
وعند ما انتهى إلى النّديّ
…
سوّده خير بني لؤيّ
إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟ - في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نعم» قال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذّراريّ والنساء.
(وكان في التحكيم) أي: تحكيم سعد فيهم (حسم) أي: قطع (الهرج) : الخصام والفتنة.
قال ابن إسحاق عقب ما ذكر: (فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ) جمع رقيع، وهو السماء؛ لأنّها رقعت بالنجوم.
وقد أشار الناظم إلى ما ذكره ابن إسحاق من القصة بقوله: (وحملوا سعدا على حمار) لأعرابي عليه قطيفة (من) المسجد النبويّ ب (المدينة إلى المختار) عليه الصلاة والسلام.
(وعند ما انتهى) أي: بلغ (إلى النديّ) بتشديد الياء، بوزن النّبيّ، وهو: مجلس القوم (سوّده) أي: جعل سعدا
على الجميع أو على الأنصار
…
لا غيرهم عند بني نزار
وراودته قومه أن يحكما
…
بغير ما حكم فيهم فاحتمى
سيدا (خير بني لؤيّ) صلى الله عليه وسلم بقوله: «قوموا إلى سيدكم» قال في «شرح المواهب» : (وفي حديث عائشة عند أحمد: «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر: السيد هو الله. قال رجال من بني عبد الأشهل: قمنا له على أرجلنا صفّين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويتعلق ب (سوّده) قوله: (على الجميع) من المهاجرين والأنصار، (أو على الأنصار لا غيرهم) من المهاجرين.
وهذا القول (عند بني نزار) أي: المهاجرين: لأنّهم من ولد نزار بن معدّ بن عدنان.
قال في «روض النهاة» : (سمي نزارا من النّزر؛ أي:
القليل؛ لأنّ أباه معدّا حين ولد ونظر إليه.. رأى النور بين عينيه، وهو نور النبوة الذي كان ينتقل في الأصلاب الطاهرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرح فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إنّ هذا كله نزر في حق هذا المولود) .
(وراودته قومه) الأوس (أن يحكما) بألف الإطلاق؛ أي: أن يحكم سعد في بني قريظة (بغير ما حكم فيهم) أي:
ما أراد أن يحكم فيهم من القتل والقسم والسبي (فاحتمى) وامتنع، وتقدم قولهم له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم.